الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

ضوابط المنهج المقاصدي

د. ريحانة اليندوزي

 

إنه بمقدار صلاح المنهج وسلامة ضوابط التفكير العلمي والمعرفي تكون صلاحية البناء في أي حضارة كيفما كانت. وإذا كانت الأمة الإسلامية اليوم تكاد تكون متخلفة في كل شيء فمرجع ذلك إلى تخلفها في ضبط مناهج التفكير وقواعد المعرفة، ولا أبالغ إذا قلت إن أزمة المسلمين اليوم هي أزمة فقه ومنهاج قبل أن تكون أزمة صدق وإخلاص، والمسلم مرآة عقله وحاله انعكاس لمنهجه وفكره والعقل الإسلامي من نفسه أوتي، وعلى نفسها براقش تجني وقد حق فينا قول الشاعر:

دواؤك فيك وما تبصر          *        وداؤك منك وما تشعر

وتزعم أنك جرم صغير        *        وفيك انطوى العالم الأكبر

إن المنهج ليس مجموعة من النصوص يقرؤها المرء ويطير بها يمينا وشمالا دون فقه مرادها، بل المنهج قواعد علمية مستفادة من ثمرات العلم بالنصوص، يدل عليها استقراء صنيع العلماء في شتى المعارف والعلوم الشرعية والكونية. وإننا اليوم بحاجة إلى ذهنيات مرتبة، وعقول مبصرة مستبصرة حتى نحقق الشهود الحضاري لهذه الأمة، ولا بصر للعقول إلا بنور القرآن والسنة، مع فقه السنن الشرعية والسنن الكونية وسلامة في المنهج ورسوخ في التفكير.

وإنه مادام العلم فضلة ونافلة في حياتنا والقراءة وقت فراغ في أيامنا، ومناهج التفكير معطلة في حياتنا فلا يرجى خير لهذه الأمة إذ لا يقود الأمة إلا رعيل من العلماء الراسخين في شعب العلوم والمعرفة بمنهج أصيل، فإنه لا يقود الأعمى البصير.

أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم   *   لقد ضل من كانت العميان تهديه.

وإننا والأمة الإسلامية اليوم تحاول النهوض من جديد وتحاول الدخول في دورة حضارية مستأنفة لابد أن تأخذ بالعلم وأسبابه، وإعادة النظر في مناهج التفكير وضوابطه إذ هو حياتها وبه تحقق خيريتها بل هو جهادها الدائم فقد جاء في الأثر:(يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء)، لأن معركة السيف جولة ومعركة القلم أعوام وقرون.

و كما قال الدكتور فريد الأنصاري «لسنا في حاجة إلى تجديد قضايا العلم بقدر ما نحن في حاجة إلى تجديد مناهجه، وإنما قضاياه تَبَعٌ لمناهجه، فإذا تجددت هذه؛ تجددت تلك بالضرورة. والعكس ليس بصحيح! وتجديد المناهج هو الكفيل بتأطير بعثة التجديد، وإسنادها على المستوى العلمي.....، ومناط التجديد المنهجي يكون بإحياء الصناعة الفقهية المقاصدية بضوابطها الشرعية؛ بعثاً وتجديداً» [1].

إن الفقه الإسلامي صناعة لا بد من إحيائها بالبحث في منهجه؛ حتى يصبح فاعلا مقوما حاكما معالجا لواقع الأمة.

يقول الإمام الطاهر ابن عاشور: «من أسباب انحطاط الفقه وتخلفه إهمال النظر في مقاصد الشريعة» [2]، فقد غابت المقاصد عن الوعي الحضاري والفكري للأمة الإسلامية، فانكفأت بعد غيابه على جزئيات الأحكام الفقهية تغوص في أعماقها وتنشغل بالاتفاق والاختلاف حول الأصول التي بنيت عليها مبتعدة عن مقاصدها. مع العلم أن إدراك المقاصد أساس في الاجتهاد وقسم من أهم أقسام علم أصول الفقه تحكمه قواعده وينضبط بضوابطه.

ثم إن علم أصول الفقه من أخص تراث الأمة والمنهج المقرر المعتمد عند علمائها سلفا وخلفا لصناعة الفقه وتنزيله، والراسخ فيه يدرك أنه صياغة راقية للنظم الشرعية بل وصياغة للعقل الإسلامي، وأنه مؤهل في الجملة للاستمرارية في هذا العصر الحضاري إذا كنا نتعامل مع هذا العلم بوعي وإدراك، ووضوح في المقاصد. وحسب التقدير الشخصي فإن هذا العلم بتكوينه التاريخي لم يواجه مشكلة حضارية أو يصطدم بها، بل هو صياغة علمية شمولية مؤهلة لاستيعاب الطارئ والنازل حسب الإملاء الشرعي الذي بني عليه هذا العلم، وليس حسب رؤية "العقل المدني المتحول" المقطوع أو المتنصل من التراث.

إن المنهج المقاصدي في الاجتهاد مصطلح معاصر يقصد به: «العمل بمقاصد الشريعة، والالتفات إليها، والاعتداد بها في عملية الاجتهاد الفقهي» [3] والحديث عن المقاصد ومدارستها ليس بدعة جديدة معاصرة تستدعي التشنيع أو الإنكار كما يزعم البعض، فالعمل بالمقاصد منهج شرعي قديم وقع تطبيقه في العصر النبوي وعصور الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، كما كانت مقاصد الأحكام حاضرة ومؤثرة في الفهم والاستنباط والتطبيق لدى عموم المجتهدين وأغلب الفقهاء والأصوليين، مما جعل الحديث عن مقصود الشرع، ومقصود الحكم، وحكمة الشريعة ومقاصد الشريعة، حديثا مألوفا ومتداولا بل ومعتمدا عند عامة علماء المسلمين،‏ ذلكم أن اعتبار المقاصد في الاجتهاد وسيلة لتسديده وتقويمه، وأداة لتوسيعه وتمكينه من استيعاب نوازل الحياة بكل تقلباتها وتشعباتها، ومن فاته النظر في مقاصد الشريعة وقع في التخبط والاضطراب وأتى بالأقوال الشاذة المجافية لمقاصد الشرع، حتى لتجد أحدهم كما قال الشاطبي:«آخذاً ببعض جزئياتها في هدم كلياتها حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها ولا راجع رجوع الافتقار إليها ولا مسلم لما روي عنهم في فهمها ولا راجع إلى الله ورسوله في أمرها» [4].

والمنهج المقاصدي وإن كان منهجا في الاجتهاد، فإنه ليس على عمومه وإطلاقه، بل هو منضبط ومقيد بعموم الأدلة والقواعد والضوابط الشرعية، وبسائر الأبعاد العقدية والأخلاقية والعقلية المقررة، حتى لا يتنصل من الأحكام الشرعية باسم المقاصد، ذلك أن مفهوم المقاصد في الشريعة ليس مطاطا، ولا ذاتيا يخضع لتقلبات الأمزجة، أو يتبع المصالح الفردية القاصرة، بل هو منضبط بضوابط محكمة، تجعل منه مفهوما واضح المعالم، متسقا على وتيرة واحدة لا تغيره ضغوط الواقع وضرورات المواقف، ولا نزوات النفس، وفورة العواطف.

وقد كان المبحث المقاصدي جزءاً من مباحث علم أصول الفقه، بل قسماً من أقسامه تحكمه قواعده، وهو إلى اليوم لا يزال كذلك على رغم دعوة الاستقلالية التي رفع لوائها الإمام ابن عاشور بداية القرن العشرين وتبعه في ذلك غير واحد.

إن مقاصد الشريعة تعد الرابط الجامع لكل فروع التشريع الإسلامي، ولا تخرج عن الكليات الشرعية الثابتة العائدة إلى حفظ الضروريات الخمس: الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وهذه الكليات الرئيسة للتشريع حاكمة للفروع وليست محكومة بها، ويسير الاجتهاد الفقهي في نسقها ووفق مآلاتها وليس وفق مقاصد المكلفين وأهوائهم، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في وجوب موافقة قصد المكلف من عمله قصد الشارع سواءً كان متعلماً أو مجتهداً:« قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة.. والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع» [5].

فالمقاصد إذن ليست كلمة تقال أو شعاراً يرفع وإنما هي مبدأ أصولي له ضوابطه ومعاييره التي تحكمه حتى لا تصبح ذريعة يُتوصل بها إلى تأريخية النص الشرعي وإلغائه وتمييعه، فتحديد مقاصد الشارع لا ينبني على ظنون وتخمينات غير مطردة[6]، بل هي ـ أي المقاصد ـ داخلة غير منفكة عن نطاق نصوص الشارع ذاته. بل إن النصوص جاءت لتحقيقها، فلا ينبغي أن تفهم أو تؤول بتأويل بعيد عن تلك المقاصد والأهداف العامة. إذ أن كل نص يحمل تحقيق مقصد إلهي ينبغي أن يعتبر ذلك المقصد ويجري على أساسه فهم النص.

وقد جعل العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله للمقصد المعتبر أربعة شروط لابد من توافرها وهي[7]:

الظهور: بمعنى أن يكون المقصد واضحاً لا تختلف أنظار المجتهدين في الاتجاه إليه وتشخيصه بعيداً عن كل التباس أو مشابهة، وذلك مثل اتفاقهم على تشريع القصاص لحفظ النفوس وتشريع الحد لحفظ العقول والأعراض.

الثبوت: بمعنى أن تكون تلك المعاني مجزوماً بتحققها أو مظنوناً بوجودها ظناً قريباً من الجزم.

الانضباط: أي أن يكون للمقصد الشرعي حدّ معتبر وقدر معين لا يتجاوزه، فلا يؤدي إلى وقوع الحرج المرفوع شرعاً أو نفور المكلف من التشريع أو التقصير في أداء التكاليف مما يؤدي إلى ضعف الوازع الديني في النفوس وفقدان الشريعة لهيبتها  وسلطانها على الخلق.

الاطراد: بمعنى أن لا يكون المعنى مختلفاً باختلاف أحوال الأفكار والقبائل والأعصار.

وما نص عليه الطاهر بن عاشور من الشروط لاعتبار المقاصد قد سبقه إلى ذكرها الشاطبي إضافة إلى أمور أخرى عامة لازمة أيضا في الاعتبار، لعل من أبرزها ما يلي:

- المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو: إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً[8].

- الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل في أحكام العادات الالتفات إلى المعاني[9].

- مشقة مخالفة الهوى ليست من المشقات المعتبرة في التكليف ولا رخصة فيها البتة [10].

- العزيمة أصل والرخصة استثناء، ولهذا فالعزيمة مقصودة للشارع قصداً أصلياً، أما الرخصة فمقصودة قصداً تبعياً [11].

- لم يقصد الشارع إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه[12]، ولا نزاع في أن الشارع كلف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما، ولكنه لا يقصد نفس المشقة، بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلف[13].

- إذا كانت المشقة خارجة عن المعتاد بحيث يحصل للمكلف فساد ديني أو دنيوي فمقصود الشارع فيها الرفع على الجملة[14].

- من سلك إلى مصلحة غير طريقها المشروع فهو ساع في ضد تلك المصلحة[15].

- علل الأحكام تدل على قصد الشارع فيها فحيثما وجدت اتُّبعت[16].

- إذا سكت الشارع عن أمر مع وجود داعي الكلام فيه، دل سكوته على قصده إلى الوقوف عند حد ما شرع[17].

-  الاحتكام إلى لغة النص وقوانين خطابه  وأصول المواضعة التي تعاهد عليها العرب[18]، وقد أكد على هذا الضابط جميع من يعتد به في علوم الشرع من السلف والخلف.

ـ الأمر بالفعل يستلزم قصد الشارع إلى وقوع ذلك الفعل، والنهي يستلزم القصد إلى منع وقوع المنهي عنه[19].

إن هذه الشروط والضوابط لاعتبار المقاصد هي لاشك ضوابط منهج النظر والاستدلال الصحيح بالخطاب الإسلامي ومدى موائمته للمتغيرات الراهنة من حيث كونه تجسيداً لتنزيل النصوص والقيم الدينية في واقع الحياة ومدى قدرتها على المعالجة والتبيين والإصلاح والتغيير. ويجدر التنبيه هنا إلى أن العمل بضوابط المقاصد هو العمل بالمقاصد نفسها، والتفويت فيها أو في ضابط منها هو عينه التفويت في ما جعله الشارع مرادًا لشرعه ودينه. فالضوابط في علاقتها مع المقاصد كالشرط مع المشروط والدليل مع المدلول، ويعلم بداهة وعقلاً أن المشروط متوقف على شرطه، وأن المدلول مبني على دليله، لذلك فإن المقصد متوقف على ضوابطه وجودًا وعدمًا، على أساس أن المقصد الذي أراده الشارع إنما قد اعتبره بوجه ما، وعلى وفق أمر ما، وذلك هو عين الضابط ونفس القيد في اعتبار المقصد من قبل الشارع الحكيم.

إن المنهج المقاصدي ـ إضافة إلى ما قرره علماء الشريعة من قواعد الفهم والاستدلال ـ هو المنهج الأنسب لفهم أحكام الشريعة الإسلامية واستنباطها في الوقت ذاته، إذ أنه المنهج الذي يضبط عملية الاستدلال بالنص الشرعي من حيث الفهم والتطبيق في ضوء الملائمة بين ظروف النازلة التي يتناولها النص والمقصد الذي يستشرفه النص نفسه من تطبيقه.

ويستلزم العمل بالمنهج المقاصدي جملة أمور شرعية ولغوية وواقعية حتى يقوم بدوره على أحسن الوجوه وأتمها، وإجمالا فإن العمل بالمقصد في العملية الاجتهادية يقوم على ثلاثة عناصر أساسية، هي:النص، والواقع، والمكلف[20].

فالنص هو الدليل الذي يُراد تطبيق حكمه وعلته ومقصده، والواقع هو ميدان الفعل والتصرف الذي سيكون محكومًا بذلك النص وموجهًا نحو مقاصده وغاياته، والمكلف هو المؤهل عقلاً وشرعا للملائمة بين النص والواقع، أي هو المجتهد في تنزيل أحكام الشريعة ومقاصدها على الواقع وتقويم الواقع بها، وصولا إلى تحقيق معالجات شرعية لمشكلات ذلك الواقع وأقضيته وأحواله.

وتحيط بتلك العناصر الثلاثة (النص والواقع والمكلف ) جملة من الصفات الهامة والمعطيات اللازمة والشروط الضرورية في عملية الاستنباط الفقهي في ضوء مراعاة المقاصد الشرعية، تلك المعطيات التي عبّر عنها العلماء بأنها سائر صفات وشروط المجتهد، وقواعد وضوابط كيفية الاستنباط وأدواته، وجملة شروط التأويل التي ينبغي استحضارها في الاستدلال على أي حكم شرعي للواقعة المستجدة، بغرض أن يتحقق في واقع الناس مراد الشارع على سبيل القطع واليقين أو الظن الغالب والراجح.

فالنص ـ العنصر الأول ـ يستلزم جملة من القواعد والمعلومات اللغوية والأصولية التي يستحضرها المجتهد في التعامل مع النص الشرعي، فهمًا وتطبيقًا، وكل تلك المعلومات اللغوية والأصولية وغيرها، المبثوثة في كتب الأصول، تشكل الأساس الضروري الذي لابد منه في الاجتهاد والاستنباط، وهي في علاقتها بمعانيها ومقاصدها ودلالاتها كعلاقة الشرط بمشروطه، والسقف بجدرانه، فهي أمارات وعلامات دالة على مراد الشارع الحكيم ومقاصده، وأسباب لتحققها وتطبيقها في الواقع، وباعتبار أنها النصف الثاني الذي يشكل مع المقاصد كيان النص ووجوده، (فما أطلقه الله من الأسماء، وعلّق به الأحكام، من الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورســـولـــه).

وفهم الواقع الذي يراد تحكيمه بالتعاليم الشرعية ـ وليس العكس ـ يعد عنصرا ثانيًا للعمل بالمنهج المقاصدي، فالنصوص الشرعية لم تأت إلا لتخاطب الواقع وتتنزل فيه على أحسن حال، وأفضل منهج، وأقوم سبيل..، وواجب المجتهد أن يكون مدركا لما يجري حوله، ملما بالأعراف العامة لأحوال الناس ـ الذين هم محل الحكم الشرعي ـ مستطيعا للاجتهاد من أجل بسط الدين على واقع الناس، وتقويم مسالكهم بنهجه آخذا بعين الاعتبار معطيات عصره ومشكلاته، فبمقدار فقهه للواقع وبحجم استيعابه، وبمقدار إبصار مقاصد النصوص وأبعادها ينجح ـ أي المجتهد ـ في تحقيق أغراض الدين وخدمة الدنيا، فالدين كما يقول الشاطبي ما وضع إلا لمصالح العباد في العاجل والآجل[21].

وتتأكد عملية فهم الواقع في العصر الحالي، حيث استجدت الكثير من الحوادث والنوازل في مجالات شتى وبخلفيات مختلفة لا يمكن الحسم فيها من الوجهة الشرعية إلا بمعرفة أحوالها ودقائقها وخلفياتها ودوافعها مما يجلي حقيقتها ويحرر طبيعتها، ويساعد على إدراجها ضمن أصولها وإلحاقها بنظائرها وتأطيرها في كلياتها وأجناسها.

والواقع ليس إلا مجموع الوقائع الفردية والجماعية، الخاصة والعامة، ومن ثم فإن فهم ذلك الواقع هو فهم تلك الوقائع واستيعابها، وتبين طبيعتها وخصائصها، حتى يسهل تنزيل الحكم الشرعي عليها، وهذا هو الذي عبّر عنه الأصوليون بتحقيق المناط الخاص والعام، وهو من أعظم المسالك الاجتهادية الناظرة في الوقائع المختلفة التي لا تنتهي، والتي لم ينص عليها في ذواتها وأعيانها، قال الشاطبي:(إن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حــدتها، وإنما أتت بأمـــــور كليــــة وعبــــــارات مطــــلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفــس التعيـــــين) [22].

وتحقيق المناط تتفاوت مراتبه ودرجاته بتفاوت المدارك والقرائح والملكات، علمًا وصلاحًا، ودربة وخبرة، وباختلاف الوقائع والظواهر، ومدى ظهور أو خفاء خصائصها وملابساتها ودوافعها وغير ذلك، وهو قدر كل مجتهد ومفت وقاض وحاكم، بل هو قدر المكلف نفسه الناظر في ما يتعلق به من أحكام، فهمًا وتنزيلاً.. وإذا كان تحقيق المناط ينبني أولاً على معرفة الموضوع كما هو، فإن معـــرفة الحــــوادث متوقفة على أربابها وأصحاب التخصـــص فيها، فلا يجوز الحكم على قضية معينة في البنوك أو الطب أو القانون أو الفن إلا بما يقوله المتخصصون في ذلك، ثم تتوضح شرعيته بما يقوله خبراء الشريعة وأرباب التخصص الاجتهادي المقاصدي.

إن ذلك التنسيق بين الوحي والواقع ليس بالأمر الهين، ولا يقدر عليه إلا مَن رزقه الله عقلاً نيرا وفكرا رصينا ورأيا حصيفا، متمتعا بحظ وافر من الفهم والإدراك والتمييز والإلحاق والتقعيد والإدراج والمقارنة والترجيح والاستقراء، وغير ذلك مما يعد شروطا أساسية لفهم التكليف وفعله في الواقع.

والعنصر الثالث في إعمال المنهج المقاصدي المكلف، إذ هو محور عملية الاجتهاد ومدارها، فالنصوص ما جاءت إلا للمكلف، والواقع ما حدث إلا به، والذي يهمنا من المكلف عقله الذي يلائم بين مدلول النص وحوادث الواقع، وهو يشمل عقل المكلف العادي فيما كلف به من خطاب شرعي، أمرًا ونهيًا، يتعلق بجملة الأوامر والنواهي التي يجب عليه فهمها وفعلها وأخذها من كتب العلم وكلام الفقهاء، ويشمل كذلك المكلف بالاجتهاد والاستنباط والمأمور ببيان أحكام الشريعة في حوادث عصره ونوازل مجتمعه..

فالشرع ما نزل إلا ليخاطب عقل المكلف، ويجعله مناطا لتكاليفه وأحكامه، تحملا وأداء، فهما وتنزيلا.

والعقل المراد والمقصود بالكلام هنا ليس عموم أي عقل، بل هو العقل الإسلامي الاجتهادي الذي هو أداة التنسيق والربط بين الوحي الثابت والواقع المتغير، والذي يتحرك في دائرة الشرع وضوابطه ويتخذ من ذلك منهجًا له في تحركه وفعله واستنتاجه وحكمه، بعيدا عن الهوى والتلذذ والتشهي لتكون عملية التنزيل لفهمه الديني قائمة بالأساس على الاستبصار بالوحي لا الانفصال عن بصائر التوجيه الرباني..

إن العقل الإسلامي الذي يحيط بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها، ويكون على بينة من اختلاف مراتبها، ويفهم معانيها ووجوه دلالات تلك المدارك على مدلولاتها، ويستنبط مراميها وأسرارها ومقاصدها، هو كذلك يباشر الوقائع والحوادث ويفهم حقيقتها وطبيعتها ويفقه ملابساتها وحيثياتها وظروفها، ويقارع صعاب النوازل ويعمل على تقويم اعوجاج ملتويات المسائل، ثم بعد ذلك يلجأ إلى موازنة الوحي بالوقائع، ويتحقق من وجود مناط الحكم الشرعي الذي تحصّل في الذهن في الواقعة المسؤول عنها لينطبق عليها الحكم، فالشريعة الإسلامية لم تنص على حكم كل جزئية بخصوصها وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة، تتناول أعداداً لا تنحصر من الوقائع، ولكل واقعة معيّنة خصوصية ليست في غيرها[23]، قال الشاطبي: «وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق ولا هو طردي بإطلاق، بل ذلك منقسم إلى الضربين وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب حتى يحقق تحت أي دليل تدخل...ولا يتعين ذلك إلا بنظر واجتهاد...فإذا تعين له قسمها، تحقق له مناط الحكم فأجراه عليه... ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن، لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك منزلات على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة، فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون وكله اجتهاد» [24].

والذي يتمكن من كل هذا كما قال ابن القيم هو المحصل (لنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر... فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله)[25].

وواجب العلماء اليوم ـ يقول الدكتور نور الدين الخادمي[26]ـ " تشكيل عقل جماعي متخصص ينظر للواقع بشمول وإحاطة واستيعاب، ويزن الأمور بميزان الجماعية التي بارك الله فيها من جهة، والتي يتوقف فهم الواقع المعاصر عليها، لما بلغته قضاياه وأحواله من تشعب وتعقيد واختلاط وتداخل في صوابه وخطئه، في حلاله وحرامه، وبخاصة في زماننا الذي انمحت فيه الحدود وزالت فيه الحواجز، وغزت العالم الإسلامي في عقر داره أعراف العالم الآخر ونظمه وقوانينه، وغدت المبادلات فيه على أسس لا توافق في أحايين كثيرة الأسس الفقهية المعروفة. وقد ازداد الأمر تعقيداً بظهور المخترعات العلمية الحديثة التي جرت معها قطاراً من المسائل العويصة التي يتوقف فهمها على ذوي الاختصاص والخبرة لطبيعتها وماهيتها، هذا فضلاً عما شاب العقل الإسلامي من اختلالات واهتزازات في الفهم والتمييز بسبب اختلاط الثقافة الإسلامية بثقافات أخرى، وليس مع ذلك الاختلاط من تحصين ووقاية.... إن التحديات الفكرية والاقتصادية والحضارية المعاصرة التي تواجه الكيان العام، وتستهدف البناء القيمي التشريعي الإسلامي لن يكون مقدورًا عليها إلا بتشكيل العقل العام والضمير الجماعي المتشبع بالروح العقدية والفكرية الأصيلة، والروح المعنوية والوجدانية العالية، والنفس الإصلاحي التعميري الشامل، والرغبة في الشهادة على العالم، وإحياء الخيرية والرحمة لكافة الناس".

إن إعمال دور المقاصد الشرعية في المساهمة في معرفة الخلل الذي أصاب منهج النظر والاستدلال في إيجاد الحلول الإسلامية لما استجد من الوقائع والأحداث آكد ومعتبر لأجل تصحيح مساره واستشراف الحلول من خلاله. فالمجتمعات الإسلامية أصبحت تنحو إلى الكماليات والإسراف في استعمالها والإغراق في تعاطيها ونشرها، بينما الردّ إلى مقاصد الشريعة يعيد الاعتبار إلى فقه الأولويات ويثبت في الذهن ميزان المنافع أو المضار بدأً بحفظ الضروريات التي لا يقوم مجتمع إلا بها في كل شؤونه الحياتية والفكرية ثم الحاجيات ثم التحسينيات، والإخلال في هذا إخلال في بنية المجتمع والأفراد.

يقول العز بن عبد السلام – رحمه الله- في كون تصرفات الناس العامة لا تخلو في ماهيتها من قبيل المصالح أو المفاسد ولضبط هذه الأفعال قال -رحمه الله-: «الأفعال ضربان: أحدهما المصالح وهي أقسام:

(احدهما) ما هو مصلحة خالصة من المفاسد السابقة واللاحقة والمقترنة ولا يكون إلا مأذوناً فيها إما إيجابا أو ندباً أو إباحة (القسم الثاني) ما هو مصلحة على مفسدة أو مفاسد وهي ما دونه.(القسم الثالث) ما هو مصلحة مساوية لمفسدته أو مفاسده.( القسم الرابع) ما هو مصلحة مساوية لمصلحة أو مصالح فإن أمكننا الجمع جمعنا وإن تعذر الجمع تخيرنا، ومهما تمحصت المصالح قدمنا الأفضل فالأفضل، والأحسن فالأحسن ولا نبالي بفوات المرجوح.

الضرب الثاني: المفاسد وهي أقسام:

(أحدها) ما هو مفسدة خالصة لا يتعلق بها مصلحة سابقة ولا لاحقة ولا مقترنة،  فلا تكون إلا منهياً عنها، إما حظراً، وإما كراهة. (القسم الثاني) ما هو مفسدة راجحة على مصلحة أو مصالح وهي منهية. (القسم الثالث) ما هو مفسدة مساوية لمصلحة أو مصالح، فإن أمكن درء المفسدة وجلب المصلحة أو المصالح قلنا بذلك وتركنا المفسدة وأثبتنا المصلحة أو المصالح. وإن تعذر الجلب والدرء ففيه نظر.

(القسم الرابع) ما هو مفسدة مساوية لمفسدة أو مفاسد فإن أمكن درء الجميع درأناه وإن تعذر تخيرنا ومهما تمحصّت المفاسد درأنا الأرذل فالأرذل والأقبح فالأقبح» [27].

ونظراً لصعوبة الترجيح  في المصالح والمفاسد المتعارضة سطر لنا كذلك العلماء قواعد فقهية تساعد على الترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارض، يحفظها الفقيه ليفتي بها ويحفظها غيره ليتزن على وفقها، ومن أمثال هذه القواعد:

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح – تفوت أدنى المصلحتين لحفظ أعلاهما – المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف- الضرر لا يزال بمثله- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام- الضرورات تبيح المحظورات- الضرورات تقدر بقدرها- إذ تعارضت مصلحتان أمام الفرد، فعليها أن يقدم المصلحة المتعلقة بأمر ضروري على الحاجي والحاجي على التحسيني وإذا تعارضت مصلحتان في نفس الرتبة تقدم مصلحة حفظ الدين على حفظ النفس والنفس على العقل والعقل على النسل والنسل على المال. وإذا تعارضت مصلحتان في نفس المرتبة وتتعلق بنفس الأمر تقدم المصلحة العامة التي تتعلق المجموع على المصلحة الخاصة – المتعدي أفضل من القاصر والفرض أفضل من النفل _لا عبرة  بالظن البين خطؤه_ ويغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد. إلى غير ذلك من القواعد المنظّمة للعقل والمؤسسّة لمنهج الاجتهاد المقاصدي الصحيح.

فالشريعة الإسلامية نظام متكامل ونسيج يكمل بعضه بعضًا، ويفسر بعضه بعضًا، ولذلك كان النظر المقاصدي قائمًا على هذا الاعتبار، إذ لا يمكن مراعاة مقصد معين ومصلحة جزئية إلا إذا كان ذلك غير عائد على ما هو أهم بالإبطال والتعطيل، وأن يكون خادمًا للنظام المقاصدي كله، وعلى هذا الأساس يتم الترجيح بين المصالح عند التعارض، فالمصلحة الخاصة لا يؤخذ بها إذا تعارضت مع المصلحة العامة، والمصلحة الظنية تتفاوت درجات ظنيتها بحسب تواتر الأدلة عليها، إذ واجب المجتهد إذا أراد الحكم على ظنية المقصد أو قطعيته، النظر في أكثر ما يمكن من الأدلة، وأن يكون نظره دائرًا ضمن فهم متكامل ومتناسق لتلك الأدلة.. والمقصد لا يعتبر إذا تركت وسيلته الشرعية المتعينة، وكذلك الوسيلة ترد إذا لم تؤد إلى مقصدها الشرعي المعلوم، وغير ذلك من المسالك الشرعية والمقاصدية، التي يتمظهر فيها بحق البعد التكاملي والطابع الشمولي لدراسة الظواهر والحوادث، وتحديد أحكامها على وفق المقاصد والضوابط الشرعية.

وإجمالا فإن المنهج المقاصدي يشكل النظام الشامل والنسيج الأصولي المتناسق الذي على المجتهد أن يستحضره ويطبقه في عملية الفهم والاستنباط، فهو منهج يسير على خطين متوازيين: الأول فهم الأحكام الشرعية فهماً كلياً مترابطاً لا فهماً تجزيئياً، والثاني مبني على الأول في استنباط أحكام الشريعة لوقائع مستجدة أو في الكشف عن الموهوم والمظنون والمردود والمرجوح من أحكام اجتهادية سابقة، قال الشاطبي:«إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها» [28].

لذلك كان المنهج المقاصدي منهجا لا يقف عند ظواهر النصوص فقط، بل يتجاوزها إلى إدراك معانيها وبواطنها وعللها، دون الإخلال بقاعدة مقررة عند علماء الشرع «عدم العدول عن الظاهر بلا موجب في الاستدلال بالنصوص»، فهو منهج يحقق الوسطية في فهم النصوص من حيث المبنى والمعنى، إذ يسير بين اتجاهين: بين ظاهرية مفرطة وباطنية مغرضة، وقد أشار الشاطبي[29] إلى:

الأول المتمثل في الاتجاه الظاهري الذي نفى أن تكون الشريعة معقولة المعنى معللة بمقاصدها وعللها ومصالحها، وأن ظواهر النصوص كافية لمعرفة الأحكام، وأنه لا عبرة لما وراء ذلك من أقيسة واستصلاح وعُرف واستحسان واعتبار المآل وغيره.

وإلى الثاني الذي ينفي كون مقصد الشارع في الظواهر، حتى أنه لا يبقى متمسك في أي ظاهر، ورأى رحمه الله استقامة سبيل الاستدلال لمن يقول باعتبار الأمرين جميعاً، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ولا بالعكس، لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض[30].

إن المنهج المقاصدي في الاجتهاد موقف وسط في التعامل مع المقاصد من خلال كليات الشريعة والنصوص الجزئية، فقد تباينت آراء الباحثين حول المقاصد:

بين مبالغ في اعتبارها متوسع في التماسها دون ضوابط منهجية وثوابت شرعية، متجاوز لحدود عمومها حيث جعله قطعياً وجعل شمولها مطرداً متجاهلاً ما يعتري العموم من التخصيص وما ينبري للشمول من معوقات التنصيص، فألغوا أحكام الجزئيات التي لها معان تخصها بدعوى انضوائها تحت مقصد كلي شامل، فانتهى بهم هذا السبيل إلى التحلل من أحكام الشرع أو إلى تقييد نصوصها ومحاصرتها  باسم المصالح والمقاصد.

وبين مجانب للمقاصد متعلقاً بالنص الجزئي إلى حد إلغاء المقاصد والحكم الكلية للتشريع التي تعترض ذلك النص وتحد من مدى تطبيقه وتشير إلى ظرفيته فهي كالمقيد له والمخصص لمدى اعتباره.

والمنهج الصحيح وسط بين هذا وذاك، يعطى الكلي نصيبه ويضع الجزئي في نصابه. وقد انتبه لهذه المزالق الشاطبي رحمه الله تعالى حيث حذر من تغييب الجزئي عند مراعاة الكلي ومن الإعراض عن الكلي في التعامل مع الجزئي حيث قال: «فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات ـ يعني الضروريات والحاجيات والتحسينيات ـ عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلا في جزئي معرضاً عن كلية فقد أخطأ، وكما أن مَنْ أخذ الجزئي مُعْرِضَاً عن كلية فهو مخطئ كذلك مَن أخذ بالكلي معرضاً عن جزئية..» [31].

إن المنهج المقاصدي الذي ينتج فقها يشمل شؤون الحياة كلها، بحيث يستوعب الوحي كإطار مرجعي وضابط منهجي، ويستنفر العقل ويشحذ فاعليته كوسيلة لفهم الوحي وفهم المجتمع والواقع- هو القادر على إصلاح أحوال الأمة وفق أولويات معتبرة شرعا وحسب إمكانات واستطاعات كل مرحلة، بحيث يتم الاستخدام الأفضل للإمكانات، وتصبح قاصدة بعيدة عن الهدر والضياع والضلال.‏

خلاصة القول: إن المنهج المقاصدي بقواعده المحكمة وضوابطه الشرعية يحقق الوسطية التي تأخذ بالعزائم دون التجافي عن الرخص في مواطنها، وتطبق الثوابت دون إهمال للمتغيرات ويقام وزن للزمان والمكان دون تحكيمهما في كل الأحيان، ويتعامل مع تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع، وتضبط قواعد الإعمال للحاجات والمصالح وعموم البلوى وعسر الاحتراز، ويتم بموجبه الربط الواصب بين النصوص وبين معتبرات المصالح في الفتاوى والاجتهاد، فلا شطط ولا وكس.

وأنبه في الأخير إلى أن الاجتهاد الآخذ بالاعتبار مقاصد الشرع أمر يحتاج إلى علم ودراية، وصبر ومثابرة، وتمحيص وتدقيق، فبغير هذا كله سيكون الأمر – لا قدر الله – تألها وتطاولا على الله من خلال نسبة القصد إليه سبحانه دون علم أو دراية.

كما أن إعمال المنهج المقاصدي لا يفضي في النهاية إلى إجابات مجمع عليها في كل المسائل لأن ذلك أمر يتعذر، لما طبع الله عليه البشر من تباين النظر. وحسبنا أن يساهم في تقريب شقة الخلاف وتضييق مجالاته، وتوجيه النظر إلى البصر بالأهداف الحقيقية من الوجود الإنساني كما أرادها الخالق سبحانه وكما أرشد إليها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

وأن يسهم في تكوين العقل المقاصدي الذي يمتلك أدوات البحث والمعرفة، وإمكانية النظر في المآلات والعواقب، الذي يحقق التحول من عقلية التلقين والتلقي إلى عقلية التفكير والاستنتاج والاستدلال والاستقراء والتحليل والنقد والموازنة والاستشراف المستقبلي، وعدم القبول لأي فكر أو اجتهاد بغير سلطان أو بغير برهان تحت شعار(هاتوا برهانكم)، ويصير عقلا مستبينا يحسن التعامل مع الأسباب والمقدمات والتسخير للسنن، ويمتلك ناصية سنة المدافعة فيستطيع مدافعة قدر بقدر أحب إلى الله، كما يقول ابن القيم رحمه الله: «ليس المسلم الذي يستسلم للقدر، ولكن المسلم هو الذي يدفع القدر بقدر أحب إلى الله» [32].

وحسبنا أيضا من هذا المنهج أن يسهم في إبراز أسس التعامل مع النصوص الشرعية وفهم ضوابطها وآليات الاستنباط منها، وكذا فهم الواقع وحيثياته توصلا إلى مزج فقه النص وفقه الواقع بما يحقق مقصد الشارع في حفظ نظام الأمة واستدامة صلاح الإنسان وتنمية طاقاته وقدراته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية وكما يقول المرحوم علال الفاسي: «المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة ومن صلاح في العقل وفي العمل وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع» [33].

 

الهوامش

1. مجلة البيان، العدد (192)، شعبان 1424،اكتوبر 2003.

2.  "ليس الصبح بقريب" ص:200

3. تعريف للدكتور نور الدين الخادمي: الاجتهاد المقاصدي 2/40.

4. الموافقات 4/175.

5. الموافقات 2 / 331.

6. انظر ما قاله الشاطبي في الموافقات  1 / 77 الى 80.

7. انظر: مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور ص:41، 50-52.

8. انظر: الموافقات 2 / 168.

9. انظر: الموافقات 2 / 300و390.

10. انظر: الموافقات 1 / 337و 2/153.

11. انظر: الموافقات 1 / 301-351.

12. انظر: الموافقات 2 / 121.

13. انظر: الموافقات 2 / 123-124.

14. انظر: الموافقات 2 / 156.

15. انظر: الموافقات 1 / 349.

16. انظر: الموافقات 2 / 306و394.

17. انظر: الموافقات 2 /410 والاعتصام 1 / 383.

18. انظر: الاعتصام 1/500.

19. انظر الموافقات 2/393و  / 3 119، 120، 122.

20. انظر كتاب الامة عدد66 "الاجتهاد المقاصدي " للدكتور نور الدين الخادمي الذي بسط القول حول هذه العناصر.

21. انظر الموافقات 2/6.

22. الموافقات 4/92.

23. انظر الموافقات 4/92.

24.الموافقات 4/92- 93.

25. اعلام الموقعين 1/87-88.

26. كتاب الأمة عدد 66:الاجتهاد المقاصدي 2/83-84 بتصرف.

27. قواعد الاحكام في مصالح الانام ص 56.

28. الموافقات 4/105-106.

29. انظر الاعتصام 1/192و الموافقات 2/392.

30. انظر الموافقات2/393.

31. الموافقات 1/24.

32. عمر عبيد حسنة: مقدمة كتاب الأمة عدد 57: "عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية لمصطفى محمد حميداتو" ص7

33. مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها 45-46.

المصدر: موقع الرابطة المحمدية للعلماء

 
د. ريحانة اليندوزي
تاريخ النشر:2009-08-03 الساعة 14:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2868
مرات الطباعة: 704
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan