الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

التعليل والمناسبة والمصلحة: بحث في بعض المفاهيم التأسيسية لمقاصد الشريعة

أ. محمد الطاهر الميساوي

 

مقدمة:

من المعلوم للمحققين من أهل العلم، أن البحث عن المبادئ العامة الناظمة لنصوص الشريعة في أصولها وفصولها، والسعيَ إلى الكشف عن المقاصد الكلية المنوطُ تحقيقُها بالأحكام الشرعية في جزئياتها وفروعها، ليسا من الأمور المستحدثة التي طرأت مع تكوُّن المذاهب الفقهية وتمايزها، أو نشأت مع ظهور علم أصول الفقه وتكامله، منهجاً يهدي عمل الفقيه المجتهد في استنباط الأحكام من أدلتها، ثم تنـزيلها على الوقائع، وتكييف أوضاع المكلفين طبقًا لمقتضياتها، وإنما كان ذلك صنيعًا يضرب بجذوره في صميم العهد النبوي، وجيل الصحابة الذين تلقوه عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أخذًا فيه بتوجيهات القرآن الكريم، تصريحاً، وتنبيهًا، وإيماءً، وإيحاءً، مِمَّا يدل على حكمة التنزيل، وخلوِّ الشريعة من العبث وبعدها من التَّحكم، وكَوْن أحكامها وُضعت لمصلحة العباد في المعاش والْمَعَاد.

وإذا كان هذا النوعُ من البحث لم يتخذ في ذلك العصر لغةً فنيَّة خاصَّة، أو مصطلحات علمية مميَّزة، فإن ذلك أمرٌ طبيعي في نموّ الفكر الإنساني، حتى وإنْ استند في قضاياه، ومقولاته، ومسائله، واستدلالاته، إلى مرجعيَّة الوحْي المعصوم. ثم إنَّ جيل الصحابة، الذين شهدوا تَنَـزّل الوحي، وتلقوا هديه على يدي الرسول r؛ تربية لهم وتعليمًا وإرشادًا، قد أُشربَ أكثرُهم -وخاصة مَنْ عُرفوا بالاجتهاد والفتوى منهم- الروحَ العامَّ الذي يسري في نصوص الشريعة، والمعانِيَ الكليةَ التي تنضوي تحتَها جزئياتُها، والأصولَ العامة التي تنتظم فروعَها، وذلك بضربٍٍ من "الفهم الارتكازي"، الذي تولّد لديهم بفضل الإشعاع الروحي والفكري المباشر لوجود صاحب الرسالة في حياتهم وبيئتهم. والآثارُ المروية عن أئمة الفتوى والاجتهاد من الصحابة، ومَنْ أخذ عنهم من جيل التابعين، طافحةٌ بشواهد سَيْرِهم على نهج البحث عن مقاصد الشريعة، والتبصر بمناسبات المصالح واعتبارها عند استنباط الأحكام، وإجرائها على الوقائع والنوازل التي تعرض لهم.

وما أن استقامت لمذاهب التفقُّه والاجتهاد مبانيها، واستوت مناهجُها ومسالكُ النظر فيها، وتمايزت أعلامُها، واستقرت مداركُها، من خلال نضوج علم أصول الفقه، بوصفه مجالاً مستقلاًّ في الفكر التشريعي الإسلامي، حتى صارت لموضوع مقاصد الشريعة مصطلحاتٌ تخصه، وألفاظٌ تُعرِب عنه، وإن كان ذلك قد تَمَّ على نحو متدرِّج، من خلال تراكم الجهود العلمية لطوائف من العلماء النظّار المحققين، خلال مدة غير يسيرة من الزمن. وقد كانت أنظارُ الفقهاء ومناظراتُ الأصوليين في مسألة التعليل، وما ارتبط بها من تأسيس لمشروعية القياس، هي السياق الذي ظهرت وتكاملت فيه مقولةُ المقاصد، تعبيرًا عن غائية الأحكام الشرعية، كما كان مفهومُ المصلحة المحورَ، أو قطبَ الرحى، الذي دارت عليه تلكم الأنظار والمناظرات.

وغايةُ هذا البحث، النظرُ في بعض المفاهيم التأسيسية التي قام عليها القولُ بمقاصد الشريعة؛ أملاً في الإمساك بمعاقدها الفكرية، وتبين آفاقها النظرية، ومسالكها المنهجية، وذلك من أجل صوغها في قالب يسلكها في سلك واحد ذي بِنية منطقيًّة متماسكة. وبذلك يتأدّى البحثُ إلى إدراك الأصول الكبرى التي ينبثق عنها النظرُ المقاصدي، وترتد إليها فكرةُ المصلحة في أبعادها المختلفة، ومستوياتها المتعددة. ونحسب أن هذا الضرب من البحث، يمكن أن يعين المتشرِّع المسلم على تجاوز حالة التجاذب، التي قد تبلغ عند بعض المتناظرين حدَّ التنافي، حينما يدور الكلام على التعليل والمصلحة، الأمر الذي نجم عنه غير قليل من الإجحاف بنظام الشريعة، ومبادئ العقل، فضرب بعضهما ببعض في كثير من الأحيان، قديمًا وحديثًا على حد سواء.

ولما كان موضوعُ المصلحة هو المحور الذي دارت حوله الأنظار في قضية التعليل، مثلما هو قوام مقولة المقاصد، فقد جرى التوسعُ في مناقشته، واستقصاء القول فيه، مع الحرص على عدم التوغل في مسالك ما ارتبط به، وتفرع عن الجدل حوله من مصطلحات، إلا في حدود ما دعت الحاجةُ إليه؛ لتوضيح الأطروحة التي يسعى البحث إلى بيانها.

أولاً: تعليل الأحكام والبحث عن معقولية التشريع وحكمته

ليس من غرض هذا المبحث استقصاءُ كلام العلماء في مسألة التعليل، كما ليس من غايته حصرُ تعريفاتهم للعِلَّة، ولا سَرْد ما قرروه لها من شروط، وما ضبطوه بشأنها من قوداح، فذلك أمر قد تكفلت بتفصيل القول فيه، المؤلفاتُ الأصولية قديماً وحديثاً بما لا مزيد عليه، إلا أن يكون على سبيل إعادة التركيب، نظماً لما وُضع لها من مصطلحات، وما صيغ بشأنها من مفاهيم، في نسق نظري متسق البناء، متواشج العناصر. وإذا كان علمُ أصول الفقه –كما هو معلوم– قد تأثر بالمقولات الكلامية للمذهب العقدي الذي ينتمي إليه المؤلفون فيه، بحيث "كان من الضرورة أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد مصنِّف الكتاب" كما قال السمرقندي، فإن ذلك التأثير قد نجم عنه غيرُ قليل من التشويش والبلبلة، في صياغة المفاهيم المرتبطة بمبحث التعليل، وما يضاهيه اضطراباً في وضع المصطلحات المعبرة عنها.

لم يكن مظهرُ ذلك التشويش والاضطراب، قاصرًا على التخالف بين المدارس الكلامية، أو التباين بين أصحاب المدرسة الكلامية الواحدة، وإنما قد نجده كذلك جليًّا على مستوى ذات العَاِلم الفَرد من علماء المدرسة الكلامية نفسها، ولا سيما من الأشاعرة. حتى إننا نجد بعضَهم ينفي في كتبه في علم الكلام ما يقرره في مؤلفاته في علم أصول الفقه! وليس من سبب لذلك إلا المماحكات المذهبية، والإلزامات المتبادلة، وطرد الأصول في المناظرة، كما هو الأمر في خصوص الأشاعرة والمعتزلة، وبيَّن الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور عليه رحمة الله ذلك، أن "الأشاعرة لما أنكروا وجوبَ فعل الصلاح والأصلح، وأورد عليهم المعتزلة أو قدروا هم في أنفسهم أن يُورَدَ عليهم، أن الله تعالى لا يفعل شيئاً إلا لغرض وحكمة، ولا تكون الأغراض إلا المصالح، فالتزموا أن أفعال الله تعالى لا تُناطُ بالأغراض ولا يُعبَّر عنها بالعلل،" وهم قد التزموا ذلك على الرغم من تسليمهم بأن "أفعال الله تعالى لا تخلو عن الثمرة والحكمة"! وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يحق لنا أن نتساءل عن "الحرج الذي نظروا إليه حين منعوا تعليل أفعال الله وأغراضها."

1. الشرع والفطرة والعقل:

وأيّاً ما كان الأمر، فقد كان من نتائج الغبار الذي أثارته تلك المناظرات والإلزامات، أنْ جانَبَ المنخرطون فيها نهجَ القرآن الصريح، وطريق السُّنة اللاحب، القائِمَيْن على: التعليل، وربط الأحكام بأسباب وأوصاف وعلل، تدل بصورة أو بأخرى على ما تنطوي عليه تلك الأحكام من حِِكَم، وما يناسبها من مقاصد، تدور كلها حول ما فيه صلاح الخلق، جلباً للمصلحة، أو دفعاً للمفسدة، أو كلا الأمرين في آن واحد. وليس ذلك الربط قائماً على الاعتباط والتحكم فحسب، بحيث يقال: إن الأعيان أو الأفعال التي تعلّق بها الأمر، أو النهي، أو استندت إليها الإباحة، خلوٌ من صفات حٌسْن وصلاح، أو أحوال قُبْح وفساد، إما في ذاتها، أو بسبب حيثياتها ومقارناتها، وهي إنما تصير حسنةً أو قبيحةً بسبب تعلّق خطاب الشارع بها، فذلك أمرٌ لا تخفى مجافاته لما قام عليه أسلوبُ القرآن الكريم، ومسلك الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، من اعتداد بالعقل الذي أودعه الله في الإنسان، ومراعاة للفطرة التي فطر الناسَ عليها، وما جرى به نهجُهما من تعليل لما سيق فيهما من أوامر ونواه، بل وما جاء فيهما من وصف لأحداث، ووقائع، وظواهر إنسانية وتاريخية وكونية.

وكما قرر الإمام ابن تيمية بحق، فإن مَنْ ينكر أن للأفعال والأشياء صفات ذاتيةً، مدعياً أن الفعل إنما يحسن ويقبح لمجرد تعلق الأمر الشرعي به، وأن لا أساسَ لتعلق أحكام الشريعة بها سوى خطاب الشارع؛ إذ إن مناط الحسن والقبح إنما هو أوامر الشرع ونواهيه فحسب، فإنه في الحقيقة يُنكر ما قامت عليه الشريعةُ من مراعاة للمصالح والمفاسد، واعتبار للمعروف والمنكر، مما يدركه الناسُ بعقولهم التي ركبها الله فيهم، ومن ثم فهو منكِرٌ ليس -فقط- للمناسبات بين الأحكام وعِلَلِها، بل لأساس الفهم الصحيح للشريعة، وإدراك ما قامت عليه من حكمة، وما اتّسمت به من محاسن، وما وضعت لأجله من مقاصد.

وليس بعيدًا أن يكون الطُّوفي قد استند إلى هذا الذي قرره ابن تيمية، عندما حاول تصويرَ مذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين، على نحو يخلصه من سوء الفهم، بل التشويه المتعمَّد اللذين تعرض لهما على ألسنة خصومهم. يقول الطُّوفي: "وتحقيق مذهب المعتزلة في هذا، أنهم لا يقولون إن العقل حاكِمٌ موجِبٌ أو محرم، وإنما يقولون: إنه مُدرِك بما جعل الله عز وجل فيه من القوة أن هذا الفعل ينبغي أو لا ينبغي، ويدرك إدراكًا حكيمًا – أي من حجة الحكمة – أن هذا الفعل مما تقتضي السياسةُ الشرعية أن يُثاب أو يعاقب عليه، لا أنهم يقولون: إن الشارع إن لم يثب أو يعاقب عليه، عوقب أو استحق العقاب. قالوا: وإنما قلنا ذلك؛ لأن المعلومات على ضربين: حقائق وتكاليف. فالحقائق ثلاث: واجب وهو ما يلزم من عدمه محال لذاته، وممتنع وهو ما يلزم من وجود محال لذاته، وممكن خاص وهو ما لا يلزم محال [من] وجوده وعدمه. والتكاليف ثلاثة: مأمور به، ومزجور عنه، ومخيَّرٌ بين فعله وتركه. ثم لَمَّا كان العقلُ يدرك أحكام الحقائق من حيث الجواز والامتناع والوجوب، فكذلك يدرك أحكام التكاليف من حسن وقبح وما بينهما."

وإذا كان الإسلام دينَ الفطرة كما يصرح القرآن نفسه، فإنَّ ذلك لا يعني فقط أن الإنسان قد خُلق على هيئة معينة، بحيث يدرك أنَّ له خالقاً أوْجَدَه، فيسوقه ذلك الإدراكُ إلى التوجه نحوه، والسعي لعبادته، كما قرر ذلك عدد من المفسرين كابن عطية، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، ويكون التوحيد بذلك أمراً مركوزاً في فطرة الإنسان وطبيعته، وإنما يعني أيضاً "أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تتبعها أصولٌ وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلامُ وحرض عليها؛ إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير، سالمة من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة." وبعبارة أخرى إن "أصول البر والإثم وكلياتها" هي الفطرة، وهي "الدين الذي لا يتغير بتغير الأعصار."

ولو أن العلماء الذين تناظروا في مسألة التعليل، وذهبوا فيها مذاهب شتى، ينفي بعضها بعضاً، وينقض هذا ما ينسجه ذاك، وقرروا بشأنها أقوالاً تتجافى وروحَ القرآن ونهجه، وتُناكبُ سبيلَ السُّنة ومسلَكَها، انتبهوا إلى ما أسسه الإسلام من عُروة وثقى بين مقررات الشرع وأحكامه من جهة، وطبيعة الخلْق وما فطر الله عليه الإنسان من عقل من جهة أخرى، لَمَا ورطوا فيما ورطوا فيه. فالشريعة أمر الله وقَدَرُه التشريعي، والفطرة خلْق الله وقَدَرُه التَّكويني، ولا يمكن أن نتصور أمره الشرعي سبحانه، وإرادته التشريعية مناقضين، ومصادمين لأمره الكوني وإرادته التكوينية. وبناءً على ذلك يمكن القولُ مع القاضي عبد الجبار: بأن "كلَّ ما على المكلَّف فعلُه أو تركه قد ركَّب الله جُمَلَهُ في العقول، وإنما لا يكون في قوة العقول التنبيهُ على تفاصيلها، سواء كان في أمور الدين أو في أمور المعاش ومنافع الناس، وسواء كان الديني من باب العقليات أو الشرعيات،" وبذلك تكون التكاليفُ التي جاءت بها الشريعة "مطابقةً للعقول، وكذلك أحوال المعاملات وما يتصل بالضر والنفع." وحيث تقررت في العقول تلك الأصولُ، والجملُ، والكليات، التي بها قوام الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإن الشريعةَ الإسلامية جاءت تدعو البشر إلى تقويم الفطرة، وتبين لهم مسالك الحفاظ على مظاهر صلاحها، وإحياء ما اندرس منها، وتخليصها مما علق بها من الرعونات، وما أصابها من الانحراف والفساد في الفكر، والاعتقاد، والعمل.

ونحسب أن أولئك النفر من الأصوليين، الذين استقام لهم الأمرُ، فنظروا إلى الأحكام الشرعية من زاوية ما أُنيط بها من حِكَمٍ، قُصِدَ بها استصلاحُ الخلق في معاشهم ومعادهم، إنما كانوا يصدرون في ذلك عن إدراك لهذا الأصل الأصيل، الذي به يتقوَّم خلودُ الشريعة، وعليه يتأسَّس شمولُ أحكامها لكل البشر، ومن خلاله تتأيد صلوحيتُها لكل الأوضاع والأحوال. فإمام الحرمين الجويني، الذي وضع الصياغة النظرية الأولى لمقاصد الشريعة عند حديثه عن "تقاسيم العلل والأصول،" يزخز برهانُه –وخاصة الجزء الثاني منه– بالكلام على محاسن الشريعة ومراشدها، وما تنطوي عليه أحكامها من حكم، كما تكثر فيه الإشارات إلى ما كان من مسلك الصحابة في توخي مناسبات الأحكام، وإنْ كان ذلك بظنٍّ غالب لا يقين قاطع، سيراً منهم في ذلك على نهج الشريعة وسياستها في استصلاح الخلق.

وعلى المنوال ذاته، نسج الإمام عز الدين بن عبد السلام في قواعده؛ إذ قرر أن "الاعتماد في جلب مصالح الدارَيْن، ودرء مفاسدهما، يُبْنَى في الأغلب على ما يظهر في الظنون،" مؤكداً "أن تقديم الأصلح فالأصلح، ودرء الأفسد فالأفسد، مركوزٌ في طِباع العباد، نظراً لهم من رب الأرباب." بل إن هذا الفقيه الشافعي الأشعري، لا يتردد في تقرير مقولةٍ طالما شُنِّع بها على القائلين بها من المعتزلة، تلكم هي مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فهو يؤكد أن "معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل، وكذلك معظم الشرائع؛ إذ لا يخفى على عاقل –قبل ورود الشرع– أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره، محمود حَسَن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حَسَن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حَسَن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حَسَن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حَسَن."

وإذا أمعنا النظر في خطابات القرآن الكريم أمراً ونهياً، وتوجيهاً وإرشاداً، وإذا سبرنا الأحكام في مواردها وسياقاتها المختلفة، تحصحص لدينا أن "العبرة في المشروعية وعدمها، بما يتضمنه الفعلُ من الصلاح والفساد، ولا عِبرة بصورته ومظهره،" والأمر نفسه يصدق على السُّنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام. ولنا أن نتمثل لهذا الأصل بما جاء في شأن الخمر والميسر في قوله سبحانه: )يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا( (البقرة: 219) وقوله عز وجل: )إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ( (المائدة: 91) ففي الآية الأولى مقابلةٌ بين الإثم الذي يُوقع فيه تعاطي الخمر والميسر والمنافع التي تتأتى منه، بما يفيد تقديراً واقعيّاً لهما لا ينكر ما فيهما من منافع: كاللذة، والفرح، وهضم الطعام، وتشجيع الجبان، وتسخية البخيل، والتجارة، وربح للمال، إلخ. ولكن تلك المنافع مرجوحة بمفاسد أكبر أكدت الآيةُ الأولى رجحانَها، وتولت الآيةُ الثانية بيانَها، وتلخيصها في أصلين كليين جامعين هما: فسادُ العلاقات الشخصية والاجتماعية بين الناس، وتنكبُهم سواء السبيل في الصلة مع خالقهم ومولاهم. وفي الآيتين تنبيهٌ وتوجيه للعقول إلى استجلاء تفاصيل تلك المفاسد، بالنظر العلمي المسدَّد والبحث المنهجي المؤيد.

وتأصيلاً لما يُحاول هذا المبحث الاستدلالَ عليه، عرض الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور كلاماً ناصعاً في سياق تفسيره للآية الأولى؛ إذ قال: "فإن قلت: ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع؟ قلت: إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة عِلَل الأشياء؛ لأن الله جعل هذا الدين ديناً دائماً، وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرعون لمختلِف ومتجدِّدِ الحوادث، فلذلك أشار لعِلَل الأحكام في غير موضع كقوله تعالى: )أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً( (الحجرات: 12) ونحو ذلك، وتخصيص التنصيص على العِلَل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلَل، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعُها، والميسرَ قد اتخذوه ذريعةً لنفع الفقراء، فوجب بيانُ ما فيهما من المفاسد إنباءً بحكمة التحريم. وفائدةٌ أخرى وهي تأنيس المكلَّفين عند فطامهم عن أكبر لذائذهم، تذكيراً لهم بأن ربهم لا يريد إلا صلاحَهم دون نكايتهم."

وإذا كان مما احتجَّ به الأصوليون قديماً لحجية القياس والحاجة إليه، أن النصوص الشرعية لا تحيط بأحكام جميع الحوادث؛ لأنها متناهية والحوادث غير متناهية، فإن ابن عاشور ينبهنا إلى ناحية أخرى تتأيد من خلالها مسألة التعليل، بوصفها الأساس الذي لا قائمةَ للقياس أصلاً دونه. وقد جاء ذلك في سياق بحثه في مقصد الشريعة من تجنب التفريع في عهد التشريع؛ إذ قال: "قد تتبعتُ تفريعَ الشريعة في زمن الرسول r فوجدت معظمَه في أحكام العبادات، حتى إنك لتجدُ أبوابَ العبادات في مصنفات السُّنة هي الجزء الأعظم من التصنيف، بخلاف أبواب المعاملات؛ وذلك لأن العبادات مبنيةٌ على مقاصد قارّة، فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور، إلا في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرُّخصة. فأما المعاملات، فبحاجة إلى اختلاف تفاريعها باختلاف الأحوال والعصور، فالحَمْلُ فيها على حكمٍ لا يتغير حرجٌ عظيم على كثير من طبقات الأمة. ولذلك كان دخولُ القياس في العبادات قليلاً نادرًا، وكان معظمُه داخلاً في المعاملات. ولذلك نجد أحكامَ المعاملات في القرآن غالبًا مسوقةً بصفة كلية."

وقبل ابن عاشور بحوالي ثلاثة قرون، استشعر العلامةُ الصنعاني وَخَامةَ ما جرَّتْ إليه مناظراتُ الكلاميين، وجدالياتُ الأصوليين، وإلزاماتُهم المتبادَلة، من تشويش بشأن مسألة التعليل، وغيرها من المسائل، ومن مجانبة لنهج القرآن والسُّنة الذي تتسالم فيه أحكامُ الشرع ومقرَّراته، وقوانينُ العقل وتقديراتُه، وأُصولُ الفطرة ونوازعها، فيتأيد بعضُها ببعض في نظام متآنس العناصر، متكامل الأبعاد. ولذلك فأدار الكلامَ في أحد كتبه على "إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة،" مستفيدًا استفادةً لا تخفى من تحقيقات ابن تيمية وتدقيقاته. فبعد أن ساق الصنعانِيُّ كلامًا لابن تيمية، ناقش فيه رأيَ النافين لأنْ يكون الحسنُ والقُبح من قبيل الصفات الذاتية للأفعال، وبيَّن فسادَ استدلالهم على ذلك، محتجًّا بقوله تعالى: )يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ( الذي يدل –كما يقرر ابن تيمية– على أن الفعل في نفسه معروفٌ ومُنْكر، وأن الطَعُومَ طيّب وخبيث، بعد ذلك طرح العالم (الزيدي) التساؤلاتِ الآتيةَ على منكري ذاتية صفات الْحُسن والقُبح في الأفعال فقال: "ويُقال لهم أيضًا: وكيف تمدَّح بأمره بالعدل، والإحسان، ونهيه عن الفحشاء، والمنكر، والبغي [التي] عرفتها العرب، المنزل ذلك بلغتهم فعرفوا معانيَها بمقتضى السليقة وفهموا المرادَ منها؟ أفَتُرى لو أمرهم بالخيانة، والكذب، والتظالم، ونقض العهود، وقطيعة الأرحام، واطّراح مكارم الأخلاق، والزنا بحلائل الجيران، ونكاح الذكور، وتمكينهم من نفوسهم، وكل فاحشة تتناهى قبحًا في عقل كل عاقل وفطرة كل منصف، ونهاهم عن إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وفك العاني، وإرشاد الضال، والشفقة، والصدق، وبالجملة نهاهم عن مكارم الأخلاق بأنواعها، هل كانت تنقلب عندهم هذه الحقائق؟ وهل كانوا يسارعون إلى مناقضة هذه الآية وتكذيبها؟ أم كانوا يذعنون لها حين طابق الْخَبرُ مَخْبرَه؟ وقل لي: ما الظنُّ الذي بقي على الكفار في قوله تعالى: )ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا( (ص: 27) هل هو عين ما ظنه هؤلاء؟...."

2. العِلَّة والحِكْمَة والمُناسبة أو البحث عن المبدأ التعليلي المُوَحِّد:

من المناسب هنا أن نقف عند بعض الجوانب المفهومية والمنهجية المتصلة بالعِلَّة في الدرس الأصولي، نظراً لأهميتها الخاصة لبحثنا هذا، من حيث إنها السياق الذي برز فيه التنظيرُ لمقاصد الشريعة، واتّضحت من خلاله أبعادها، وتكامل في إطاره مفهوم المصلحة، وتمايزت أقسامها وأنواعها.

شمل درسُ الأصوليين في العلة مسائلَ عدة، فتناولوها من حيث ما به تحقُّقُها، ومن حيث تعريفُها وأقسامُها، كما تناولوها من حيث شروطُها ومسالكُها، ومن حيث نواقضُها وقوادحُها، كما تجادلوا فيما هو المعلَّل أهو العينُ التي تعلق بها الحكمُ أمِ الحكمُ نفسه، إلخ. وقد تنوعت الألفاظُ التي استخدموها في التعبير عنها، تبعاً لاختلاف الزاوية التي نُظِرَ منها إلى ما يُعدُّ عِلَّة، وتبعًا كذلك للاعتبارات الكلامية التي وجهت تعريفاتِهم لها. وهناك مسألتان نريد أن نقفَ عندهما: الأولى مسألة العلاقة بين مصطلحيْ العِلَّة والحكمة، والثانية مسألة الوصف المناسب، والمناسبة بين الحُكْم وعِلّته. وقد حصرنا النظرَ في هاتين المسألتين؛ إذ إن مقولة المقاصد إنما نشأت مصطلحًا، ونضجت مفهومًا، وتكاملت عناصرَ في خضم جدل العلماء بخصوصهما.

ولنمهِّدْ للمسألة الأولى بكلام للإمام أبي إسحاق الشيرازي، جاء فيه أن عِلل الشَّرع بعد أن جعلها الشارع عِللاً "وَجَب طردُها وجريانُها كالعِلل العقلية؛ لأنها -بعد جعلها عِلّةً في اقتضاء الحُكم- بمنزلة العلل العقلية في جميع الأزمان." وبذلك فإن الخلاف في اقتضاء العِلّة الحُكمَ، أهو بنفسها من حيث هي مؤثرة في معلولها، أم بنَصْبِ ناصبٍ وجَعْل جاعل "لا يعود إلى فائدة، وإنما هو اختلافٌ في الاسم." وتنبع أهميةُ هذا الكلام -فيما يلوح لنا- من كونه يتضمن تنبيهًا إلى ضرورة تجاوز الجدل الكلامي، الذي استغرق كثيرًا من جهود الأصوليين، تناظرًا حول إيجاب العلل الشرعية، وعدم إيجابها، وسعيًا للتمييز بينها وبين العِلل العقلية؛ من أجل تصويب النظر على ما تدل عليه تلك العللُ أو تومئ إليه، من حِكَمٍ ومصالح.

ومهما يكن من أمر، فإننا نستطيع أن نتبين في العبارات التي استخدمها علماءُ الأصول في تعريفهم للعِلّة بُعدَيْن مهمين مترابطين، لا يستقيم دونهما إداركُ عِلِّية العلة، أو الوصف للحُكْم الشَّرعي: الأول هو ما يمكن أن نَعُدّه بعدًا خارجيًّا أو ظاهرًا لعِلَّة الحُكم، والثاني هو ما يمكن عَدُّه بعدًا داخليًّا أو باطنًا لتلك العِلَّة. وبعبارة أخرى، هذان البعدان هما البعد الخاص بمظهر الحُكم، والبعد الخاص بمضمونه. وقد عبّرتْ عن البُعد الأول طائفةٌ من الألفاظ مثل كون العِلَّة مُعرِّفًا، وسببًا للحُكْم، أو دليلاً وعلامةً عليه، وأمارةً له، أما الثاني فقد استُخدِمت في التعبير عنه جملةٌ أخرى من الألفاظ مثل: الباعث، والداعي، والحِكْمَة.

ولتوضيح هذين البعدين دعونا ننظر في حكم القِصاص، معتمدين على ما قدّمه الإمام الغزالي بشأنه من تحليل. فالقتل العَمْد، وهو واقعةٌ موضوعية، هو الأمر أو الحدث الخارجي الذي عُلِّق به حكمُ القِصاص، فهو الأمارة أو العلامة على الحُكم، وهو كذلك سببُه والدليل عل قيامه، وهو الأمر المقتضِي أو الموجِب للقِصاص، فإذا لم يكن قتلٌ عَمْد لا يكون قِصاص. أما البعد الداخلي لعِلّية القتل للقصاص، أي الدَّاعي لجعل القتل سببًا لإيجاب القصاص، فهو الزجرُ عن القتل "لما فيه من الفساد وفوات النفوس المقصود بقاؤها. والحاجة سابقةٌ على السبب، فصلحت لأن تكون عِلَّةً باعثة عليه، ولا نعني بالحِكْمة والمعنى الْمُخِيل إلا الباعثَ على شرع الحكم." ويمكن القول بعبارة أخرى: إن حفظ النفوس هو العِلَّة الغائية لشرع القِصاص، وهو المصلحة المقصودة به، بينما القتلُ هو عِلَّته السَّببية.

وإذن، فالشريعة إنما بُنيت أحكامُها على اعتبار ما يترتب عليها من حكم ومصالح؛ إذ هي -كما قرر الغزالي- الثمرةُ المطلوبة. فالحِكَمُ والمصالح في الحقيقة هي عللٌ للأحكام في العلم والقصد، وإن تأخرت عنها في الحصول والوجود. إلا أن الأصوليين قد اختلفوا في التعليل بالحِكْمة بهذا المعنى، فجمهورُهم على عدم التعليل بها، نظرًا لما قدروه فيها من عدم الانضباط، أما الباقون فقالوا بالتعليل بالحِكْمة شريطةَ أن يتوافر فيها شرطَا الظّهور والانضباط.

ومع أننا ندرك حقيقةَ الدوافع التي حدت بأصحاب الرأي الأول، من حيث إنها تنبع من حرص على الاحتياط في فهم أحكام الشريعة من الوقوع في التقديرات الذاتية وغير الموضوعية، التي قد تتحكم فيها الأهواءُ والرغباتُ الشخصية، إلا أن موقفَهم يوشك أن يُخْضِع فقهَ الشريعة لنزعة ظاهرية جامدة. أما أصحابُ الرأي الثاني فإن التكييفَ الذي جاؤوا به لاعتماد الحكمة في التعليل، لا يبدو حلاًّ مناسبًا ومتماسكًا للمشكلة، بل هو هروب منها وانكفاء على الجانب الظاهر أو الخارجي لعِلّية العِلة كما سبق بيانه قبل قليل، وبذلك فهو لا يكاد يفترق كثيرًا عن الرأي الأول. وفي كلا الموقفين إهدارٌ لمفهوم الحِكْمة وسدٌّ لما يفتحه من أبواب واسعة للتفقُّه في أحكام الشريعة، وإجرائها على الواقع. وربما كان الشعورُ بهذا الانسداد، هو الذي حفز العقلَ الأصولِيَّ للبحث عن مخارج أخرى، يتم من خلالها تجاوزُ حالة التجاذب التي أدت إلى الوقوع في مثل هذا المأزق. ونحسب أن فكرة المُناسِب والمُناسَبة كانت أحدَ تلك المخارج بل كانت -فيما نحسب- المخرج الرئيس من ذلك الانسداد، وإن كانت هي الأخرى لم تسلم من جدال حولها، ما فتئ أن انجلى عن تسالم بشأنها عند غالب المتأخرين من الأصوليين.

ويمكن إرجاعُ احتدام الجدل الأصولي المنهجي حول المناسبة إلى النصف الأول من القرن الخامس الهجري، وقد شاع في الاستعمال لفظ (الإخالة) تعبيرًا عن المفهوم نفسه، وذلك في سياق مناقشتهم لمسالك العِلّة وطرق الكشف عنها. ودون الدخول في تفاصيل ذلك الجدل، وتصنيف الفرقاء المتناظرين فيه، يحسن بنا الانطلاقُ من تعريف الوصف الْمُخيل أو المناسب، الذي ساقه الفقيهُ والأصولي الحنفي أبو زيد الدبوسي، ومؤداه أن الْمُخيل هو الوصفُ الذي يُوقِعُ "في القلب خيالَ القبول وأثرَ الصحة." إلا أن الدبوسي الذي أورد هذا التعريف في معرض المناظرة مع الشافعية، اعترض عليه، لما يَتَّسِم به من عنصر الذاتية، وعدم الخضوع لمعايير موضوعية، يمكن النزولُ عندها عند الاستشكال والاعتراض؛ ذلك أن الإخالة -كما يقول- "إشارة إلى ما يقع في القلب، وما لا يُطَّلع عليه، فلا يصير حجةً على غيره،" فضلاً عن أن "كلَّ معلِّل يمكنه أن يقول: وقع في قلبي خيالُ صحته (أي صحة المخيل أو المناسب)، فيصير معارضاً إياك، وأنه من باب الإلهام، وقد بينا في موضعه بطلانَ ذكره على سبيل الاحتجاج به." ويبدو أن هذا الاستشكال، وذاك الاعتراض، قد جلبا غيرَ قليل من الإرباك والإحراج للشافعية ومَنْ نحا نحوَهم، وهو ما عبّر عنه الغزالِيُّ باستشعاره الحاجةَ للانتهاض لهما، والرد على من سببهما، فكان تأليفُه كتاب "شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل" الذي احتلَّ فيه بيان معنى المناسب، والاستدلال على مشروعية التعليل به الحيزَ الأكبر.

وبعد الكلام على مسالك العِلّة التي يعتمد في تحديدها على البنية النصية واللغوية لخطاب الشرع، انتقل الغزالي إلى المسالك العقلية، وفي مقدمتها المناسبة، مذكراً باعتراض الدبوسي عليها، واشتراطه ضرورة إظهار التأثير بالنص أو الإجماع. ولما كان مبنى ذلك الاعتراض هو غياب "المعيار الذي يُعرف به كون المعنى مناسبًا إذا وقع فيه الشكُّ للناظر أو التنازعُ للمناظِر،" سلك أبو حامد سبيل التفصيل فقال: "المعاني المناسبة ما تشير إلى وجوه المصالح وأماراتها، وفي إطلاق المصلحة أيضًا نوعُ إجمال؛ والمصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، والعبارة الحاوية لها أن المناسبة ترجع إلى رعاية أمر مقصود. أما المقصود فينقسم إلى ديني وإلى دنيوي، وكل واحد ينقسم إلى تحصيل وإبقاء... وجميع أنواع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد، وما انفك عن رعاية أمر مقصود فليس مناسبًا، وما أشار إلى رعاية أمر مقصود فهو المناسب."

ويصوغ أبو حامد هذا التفصيلَ والتصوير اختصاراً، على نهج التعريف، فيقول في المستصفى: "المراد بالمناسب ما هو على منهاج المصالح، بحيث إذا أُضيفَ الحكمُ إليه انتظم." وإذا كانت المناسباتُ راجعةً إلى رعاية المقاصد التي تتفاوت مراتبُها؛ إذ منها ما يقع في محل الضرورات، وما يقع في رتبة الحاجات، وما يقع في رتبة التوسعة والتيسير، ولكلِّ رتبة من هاته الرتب ما تتمة وتكملة لها، فإن ما يقع في الرتبة العليا -الضرورات- كحفظ النفوس الذي "هو من ضرورة الخلق،" أمرٌ -في نظر الغزالي- نجد "العقولَ مشيرةً إليه وقاضيةً به لولا ورود الشرائع؛ وهو الذي لا يجوز انفكاكُ شرعٍ عنه عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه." وبناءً على ذلك، فإن "كل مناسبة يرجع حاصلُها إلى رعاية مقصود، يقع ذلك المقصود في رتبة يشير العقلُ إلى حفظها، ولا يستغني العقلاءُ عنها، فهو واقعٌ في الرتبة القصوى من الظهور."

3. نحو نظرية كلية في المناسبة

بهذا التعريف لمعنى الْمُناسِب، وتعيين رتبه، وتحديد مضامين تلك الرتب، يكون الغزالي قد وضع الإطارَ الأساسي الذي التزمه العلماءُ من بعده في نظرهم في المناسبة. وإذا استثنينا العز ابن عبد السلام، والطُّوفي، وابن تيمية، والشاطبي، الذين يمكن القول بأنه كانت لهم مقارباتٌ لموضوع المصلحة، مختلفة عما سار عليه سائر علماء الأصول، فإننا لا نكاد نجد في الدرس الأصولي مَنْ خرج عن هذا الإطار الذي رسمه الغزالي، من خلال مناقشته وتعريفه للمناسبة، أو مَنْ أضاف إليه شيئاً مُستَحَقاً، إلا أن يكون على سبيل التفصيل والتفريع في البحث والاستدلال. إلا أننا واجدون مع ذلك لفتاتٍ بارعة ونظرات رشيقة -وإن كانت مغمورة- عند كل من الرازي والطُّوفي، تدفعنا للقول: إن المناسبةَ عندهما كادت أن تتحول إلى نظرية كُلَية تتجاوز المضمار المحدود لمبحث مسالك العِلّة، الأمر الذي يجعلها جديرةً بالوقوف عندها وقفة خاصة.

ولنبدأ بالرازي الذي لخص تعريفات مَنْ سبقوه للمناسب في تعريفين: "الأول أنه الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلاً وإبقاء،" وأنه "قد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة، وعن الإبقاء بدفع المضرة." أما التعريف الثاني فهو أن المناسب هو "الملائم لأفعال العقلاء في العادات." وقد بيَّن الرازي أن التعريف الأول هو "قول مَنْ يُعلل أحكام الله تعالى بالحكم والمصالح،" بينما "التعريف الثاني هو قول من يأباه."

و يمضي الرازي في تفصيل الاعتبارات المختلفة، التي ينظر على أساسها إلى المناسب وفقاً للتعريف الأول، فيذكر قسميه من: حقيقي، وإقناعي، وأنواعه من: معتبر، وملغي، ومرسل، ومراتب الحقيقي من: ضروري، وحاجي، وتحسيني. وتستوقفنا في ثنايا ذلك عبارةٌ مهمة، عَنْوَنَ بها الرازي الفنَّ الثاني من الفصل الذي خصصه للكلام على المناسبة، وهي قوله: "في إقامة الدلالة على أن المناسبة دالة على العلية؛" إذ أورد تحت هذا العنوان الشواهد القرآنية والأدلة العقلية، على أن أحكام الشريعة إنما وضعت لمصلحة الخلق. ثم يُطوى البحثُ الخاص بمسالك العِلّة، ويبقى العقلُ متطلعًا إلى مزيد بيان لما تنطوي عليه تلك العبارةُ الموحية من معاني وأبعاد، ولا نظفر بشيء من ذلك إلا في خاتمة القسم الأخير من باب التعارض والترجيح، الذي خصّه الرازي للترجيح بين الأقيسة، وكأنما قصد أن يجعل إضافته الحقيقية في شأن التنظير للمناسبة، بحيث لا تجلب عليه اعتراضَ معترض، أو نقد منتقد. فما الجديدُ الذي جاء به الرازي؟!

يمكن القولُ: إن ما قرره الرازي في الموضع المذكور يخالف ما سار عليه الأصوليين في ترتيب مسالك العلة حسب أهميته، وهو بذلك يقلب ما اعتاد عليه الأصوليون رأساً على عقب، ويقرر الفخر "أن المناسبة أقوى من التأثير؛ لأنه لا معنى للتأثير إلا أنه عُرِف تأثيرُ هذا الوصف في نوع هذا الحكم وفي جنسه، وكونُ الشيء مؤثرًا في شيء لا يوجب كونَه مؤثرًا فيما يشاركه في جنسه. أما كونه مناسبًا فهو الذي لأجله صار الوصف مؤثرًا في الحكم، فكان الاستدلالُ بالمناسبة على العِلّية أقوى من الاستدلال بالتأثير عليها." وإذا علمنا أن التأثير إنما يظهر بالنص أو الإجماع كالقول -مثلاً- بأن العِلّة في الولاية في الزواج هي الصِّغَرُ، أدركنا المغزى الحقيقي لكلام الرازي هذا. وبعبارة أخرى، فإن الوصفَ الذي يثبت تأثيرُه في الحكم بالنصِّ أو الإجماع، إنما يستمدُّ صلاحيتَه ليكون عِلّةً من كونه مناسِبًا؛ "لأن المناسبة مستقِلَّةٌ بإنتاج العِلّية،" ذلك أن المناسبة -كما يؤكد الرازي بوضوح- "علةٌ لِعِلِّية العلة."

فما مغزى هذا الكلام؟

إذا كان معنى المناسب كما بيَّن الجويني والغزالي والرازي نفسه، وتبعهم على ذلك سائرُ علماء الأصول من بعد، يدور حول مراعاة المصلحة بأنواعها التي فصَّلوها، ومراتبها التي حدّدوها، فإن ما قرره الرازي هنا لا يُبقي مجالاً للتردد في كون المناسبة هي الأصلُ الكُلِّيُّ الذي ترتد إليه قضيةُ التعليل برمتها؛ إذ لم تعد المناسبةُ عنده مسلكاً يأتي في رتبة متأخرة عن عدد من المسالك النقلية والعقلية للكشف عن العلة فحسب، بل هي المعين الذي منه تستمدُّ العلةُ عِلِّيتَها، وتكتسب شرعيتها، بقطع النظر عن المسلك الذي يُتَوَصَّلُ به إليها. وهذه نقلةٌ كبيرة لا نكاد نجد مَنْ انتبه إليها من دارسيه، بما في ذلك العلماء الذين اختصروا المحصول كالسراج الأرموي، أو شرحوه كالشهاب القرافي، الذي لم يعلّق بأي شيء على هذه التقريرات، التي لا نكاد نجد لها نظيرًا في كتب الأصول! وعلى ذلك يمكن القولُ: إن الرازي قد سعى في الحقيقة إلى صياغة نظرية متكاملة في الْمُناسبة، فلم تعد المُناسبةُ قسيمًا لمسالك العلة التي ضبطها الأصوليون فحسب، وإنما أصبحت هي الأصل الذي تستمد منه تلك المسالكُ قوامَها ومشروعيتَها، بوصفها عناصرَ له وفروعًا عنه.

إنَّ هذه الخطوة المنهجية والنظرية التي خطاها الفخر الرازي في تناول المناسبة، وتأصيل معناها، أصلاً كليًّا للعِلّية في الأحكام الشرعية، ستشهد تعميقًا لمغزاها، وتوسيعًا لمداها، مع نجم الدين الطُّوفي، على نحو يجعلنا نجازف بالقول: إنّ ما قام به لا سابقَ له فيه، مما وصلنا من مؤلفات علم أصول الفقه. يرى الطُّوفي أن المناسبَ من المُهمَّات ليس فقط "لأن عليه مدارَ الشريعة،" بل -كذلك- لأن عليه "مدارَ الوجود؛ إذ لا موجودَ إلا وهو على وَفْقِ المناسبة العقلية،" وإن كانت "أنواعُ المناسبات تتفاوت في العموم والخصوص والخفاء والظهور." فالمناسبة، بناءً على ذلك، لم تعد نظريةًٍ في أحكام الشرع فحسب، وإنما هي كذلك رؤيةٌ لنظام الوجود، وعلاقاتِ الموجودات بعضها ببعض. وهكذا يعيد الطُّوفي صياغةَ فكرة المناسبة، لتصبح نظريةً كُلّية تشمل: نظامَ الخلق، والكون، من حيث قيامُهما على وفق الحكمة الإلهية البالغة، كما تشمل أحكامَ الشريعة في معقوليتها، بما تنهض عليه من عِلل، وما تتغياه من مقاصد تدور حول صلاح الخلق.

وبذلك تكون المناسبةُ هي الأفق النظري، والمساق المنهجي، الذي يتألق فيه النظرُ العقلي في نصوص الشريعة، تفهُّمًا لمعقولية أحكامها، وإدراكًا لغائية مقرراتها، نظامًا متسقَ العناصر، مترابط الأجزاء، لا تخالُفَ فيه ولا تناقض، كما يسمق البحثُ العلمي في ظواهر الكون، تعرفًا على نواميس حركته، واكتشافًا لآليات انتظامه، لإدراك تجليات العناية فيه، صنعَ الله الذي أتقن كل شيء، فله الخلق والأمر. وهكذا فنحن إزاء خطوة تأصيلية أخرى مهمة، تؤكد الأصلَ الكبير الذي تقدم الكلام عليه في خصوص العلاقة بين الشريعة، والفطرة والعقل، ذلك الأصلُ الذي سينطلق منه ابن عاشور لاحقًا في دعوته إلى إنشاء علم مقاصد الشريعة، والتنظير له، وتأصيل عموم أحكامها للبشر كافة، وشمولها لكل مجالات حياة البشر، وصلاحيتها لكل العصور والأزمان.

وإذ استقام لنا النظرُ في المناسبة إطارًا لفهم مسألة التعليل، وإدراك مباني الأحكام الشرعية إدراكًا نسقيًّا، من خلال ترتيب ما تتغياه من مصالح، هي في نهاية التحليل وحقيقة الأمر تعبيرٌ عن نسق القيم الحاكمة لسلوك الإنسان وتصرفاته على المستوى الفردي والجماعي، كما يقتضي ذلك نظامُ الدين عقدًا وشرعا، فقد توفر لنا ميزانٌ كُلِّيٌّ لكيفية تنزيل أحكام الشريعة المطلقة الثابتة، في الواقع النسبي المتحول، وتطبيقها على مجرياته ومشخصاته المتغيرة والمتشابكة في الوقت نفسه، تكييفًا للوقائع والنوازل وفق ما تقتضيه الأحكام، وتصريفًا للأحكام على حسب ما تتطلبه الوقائع والنوازل.

ولنا أن نمثل لذلك باتخاذ التدابير القانونية اللازمة، ووضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية المناسبة، للحفاظ على البيئة الطبيعية التي يعيش فيها الإنسان على حالة متوازنة؛ أرضِِها، وبحارِِها، وأنهارِِها، وغاباتِِها، وجوِّها، وما تحتوي عليه من مخلوقات، فإن هذا أمرٌ مناسب لمقاصد الشرع؛ إذ فيه مصلحةٌ حاجية تكاد تقترب مما هو ضروري، ففساد البيئة الطبيعية واختلال توازنها، من شأنه أن يؤدي إلى عدم صلاحيتها لتكون محضنًا لحياة الإنسان، بما يعنيه ذلك من تكامل بين أبعاد الحياة الإنسانية المختلفة: بقاءً ونماءً بحفظ النفس والمال، وقيامًا وزكاءً بحفظ العقل والدين، ودوامًا واستمرارًا بحفظ النسل. ويمكن أن نضيف مثالاً آخر أكثر تحديدًا في التعبير عن هذه المعاني. إن وضع سياسات قويمة ومركزة لتعليم اللغة العربية، وتقوية مكانتها، وإعلاء مركزها في نفوس المسلمين أولاً، وعند غيرهم ثانيًا، يتنزل منزلةَ المصالح الحاجية اليوم؛ إذ هو سبيلٌ رئيس إلى حفظ الدين، الذي لا خلافَ بين المتشرعين المسلمين في أنه أحدُ الضروريات الكلية التي جاء الشرع بحفظها، كما أنه وسيلةٌ إلى حفظ الكيان الاجتماعي، والثقافي، والشخصية التاريخية للأمة من الذوبان والاندثار اللذين يتهددانها، من خلال قوى العولمة المتغولة، وتيارات التغريب المتآمرة، التي تتكالب عليها من كل صوب، وتتناهشها من كل جانب.

ثانياً: مقاصد الشريعة والإطار التأصيلي لمفهوم المصلحة

1. ما بين النَّص والمصلحة أو الشريعة والطبيعة

ينطلق القول في هذه المرحلة من البحث من كلام الطُّوفي في المصلحة، على الرغم مما أُثير حوله من غبار، وما تمّ من محاولات لتوظيف آرائه بعيدًا عن قصده فيها. لقد شاع عند عدد من الكتاب أن الطُّوفي يقول بالمصلحة بصورة مطلقة، بحيث تكون لها الحكومةُ على ما سواها، حتى وإن كان نصًّا من القرآن، وذلك اعتمادًا على شرحه لحديث «لا ضرر ولا ضرار» دون الرجوع إلى مؤلفاته الأخرى. إلا أن الناظرَ في شرحه لمختصر الرَّوضة، وفي شرحه للحديث المذكور معًا، يصعب عليه قبولُ هذه النِّسبة، أو التسليمُ بها بإطلاق، ومن دون تكييف. ولذلك فالأمر يتطلب شيئًا من التأني، كما يحتاج إلى قراءة تناصٍّ، لتحديد ما يمكن عدُّه رأيًا نهائيًّا للطوفي. وسنطيل الوقوفَ معه شيئًا ما نظرًا لما نتج عما نُسب إليه من تجاذب في الآراء.

ليس من قبيل التجني على هذا العالِم المثير للجدل، أو الافتئات عليه، الإشارةُ إلى الاضطراب الواقع في كلامه على المصلحة عند شرحه للحديث المذكور. فبعد أن يذكر الطُّوفي أن جملة أدلة الشرع -كما يمكن استقراؤها في مختلف المذاهب الفقهية- تسعة عشر باباً، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، يعلق بأن "قول النبي: «لا ضرر ولا ضرار» يقتضي رعايةَ المصالح إثباتاً، والمفاسد نفيًا؛ إذ الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرعُ لزم إثباتُ النفع الذي هو المصلحة؛ لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما." ومن بين التسعة عشر دليلاً التي أحصاها يقرر أن "أقواها النَّصُّ والإجماع، ثم هما إما أن يوافقا المصلحةَ أو يخالفاها، فإن وافقاها فبها ونعمت ولا نزاع؛ إذ قد اتفقت الأدلةُ الثلاثة على الحكم، وهي النص والإجماع ورعاية المصلحة المستفادة من قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما، كما تقدم السُّنة على القرآن بطريق البيان." وبيانُ ذلك عند الطُّوفي أن هذين الدليلين "إما ألا يقتضيا ضرراً ولا مفسدة بالكُلِّية، أو يقتضيا ذلك، فإن لم يقتضيا شيئاً من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة، وإن اقتضيا ضرراً فإما أن يكون (أي الضرر) مجموع مدلوليهما أو بعضه، فإن كان مجموع مدلوليهما فلا بد أن يكون من قبيل ما استثني من قوله r: «لا ضرر ولا ضرار»، وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات، وإن كان الضرر بعض مدلوليهما، فإن اقتضاه دليلٌ خاص، اتُّبِع الدليلُ الخاص، وإنْ لم يقتضه دليل خاص، وجب تخصيصُهما بقوله r: «لا ضرر ولا ضرار»، جمعاً بين الأدلة."

فههنا نلاحظ أن الطُّوفي لا يرى تقديمَ المصلحة على النص والإجماع بإطلاق، وإنما من حيث كونها تصلح مخصصاً أو مبيناً لمقتضاهما. ومستنده في ذلك، أنه يرى في هذا الحديث تعبيراً عن أصل كلي يؤسس لمفهوم المصلحة من جهة، ويعبّر عن الاتجاه العام للشريعة من جهة أخرى، وهو ما يوضحه بقوله إنه "من المحال أن يراعيَ الله مصلحةَ خلقه في مبدئهم ومعادهم ومعاشهم، ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية؛ إذ هي أعم، فكانت بالمراعاة أوْلَى، ولأنها أيضاً من مصلحة معاشهم؛ إذ بها صيانةُ أموالهم ودمائهم وأعراضهم، ولا معاشَ لهم دونها، فوجب القولُ بأنه راعاها لهم. وإذا ثبتت رعايتُه إياها، لم يجز إهمالُها بوجه من الوجوه، فإن وافقها النصُّ والإجماع وغيرُهما من أدلة الشرع فلا كلام، وإن خالفها دليلٌ شرعي وُفِّق بينه وبينها بما ذكرناه: من تخصيصه بها، وتقديمها بطريق البيان."

وإذا تجاوزنا الإجماعَ وما أثاره الطُّوفي بشأنه من إشكالات، فإن منشأ الإشكال فيما ذهب إليه بخصوص التعارض بين المصلحة والنص، أنه ليس واضحاً ما المراد عنده بالنص، أهو مطلق خطابات الشرع مما قد تختلف وجوهُ الدلالة فيه، وتتفاوت وضوحاً وخفاءً، وعموماً وخصوصاً، وإطلاقاً وتقييداً، وإجمالاً وبياناً، إلخ، بما يعني انفتاحَها لمحامل قد تتفاوت فيها أنظار المجتهدين، حسب ما يعتمدونه من أدوات في التفسير، والتأويل، والتوفيق، والترجيح، والاستنباط، أم هو النص بالمعنى الاصطلاحي عند الأصوليين الذي لا يحتمل تعدداً في الدلالة، وبالتالي لا مجال للتأويل فيه؟

لقد ميّز الطُّوفي، شأنُه شأن سائر الأصوليين، بين "العبادات والمقدرات ونحوها" مما يكون التعويلُ فيه على النصوص على سبيل التعبد، و"المعاملات والعادات" التي يُعتد فيها بالمصالح على سبيل التعليل، وذلك بناءً على أن العبادات "حق للشرع خاص به، ولا يمكن معرفة حقّه: كمًّا، وكيفًا، وزمانًا، ومكانًا إلا من جهته؛" إذ "تخفى مصالحها عن مجاري العقول،" وبناءً كذلك على أن المصلحة في "سياسة المكلفين في حقوقهم... معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها، علمنا أنَّا أُحِلْنا في تحصيلها على رعايتها، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام، علمنا أنا أُحِلنا بتمامها على القياس، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما." وقد نبه كذلك إلى أن النصوص مختلفة، ويعتورها التعارضُ بما يجعلها منشأً للخلاف في فهم الأحكام في مقابل رعاية المصالح؛ إذ إن رعاية المصلحة "أمرٌ حقيقي في نفسه لا يُختلف فيه."

إلا أن هذه التوضيحات، على الرغم من أهميتها، لا ترفع الإشكال والالتباس بصورة كلية. فما ذكره بشأن الوضوح الذاتي للمصلحة، ليس أكثر من دعوى لا تسلم من الاعتراض، فضلاً عن أن تَثْبُت أمام النقض بما يُشاهد من اختلاف الناس، وتنازعهم في معنى المصلحة، وفيما هو مصلحة، وما ليس بمصلحة، وفي مدى المصلحة ومجالاتها، وفي معاييرها وضوابط تحديدها، بمن فيهم أصحاب المذاهب العقلية الصرف، إنْ ثبت وجود مثل هذه المذاهب أصلا.

ويبدو أن الطُّوفي لم يكن مهتمّاً بتقسيمات الأصوليين للمصلحة، وتنويعهم لاعتباراتها المختلفة، بقدر اهتمامه بالسعي لوضع نظرية شاملة فيها، تتأصل في النظام العام لنصوص الشريعة، وأصولها الكلية، بما يجعل مفهوم المصلحة أمراً كليّاً متقوِّماً بنفسه، بقطع النظر عن جزئياته وأفراده. وهذا ما نلحظه في تعليقه على مفهوم المصلحة المرسلة، فهو يذكر أن الطريقةَ التي استفادها من حديث «لا ضرر ولا ضرار» "ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك، وهو التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات، وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام." وهو يزيد موقفه وضوحًا في باب الاستصلاح من شرحه على مختصر الروضة؛ إذ يقول: "اعلم أن هؤلاء الذين قسموا المصلحة إلى معتبرة وملغاة، ومرسلة ضرورية وغير ضرورية، تعسفوا وتكلفوا، والطريقُ إلى معرفة حكم المصالح أعم من هذا وأقرب، وذلك بأن نقول: قد ثبت مراعاة الشرع للمصلحة والمفسدة بالجملة إجماعاً، وحينئذ نقول: الفعل إن تضمن مصلحة مجردة حصلناها، وإن تضمن مفسدة مجردة نفيناها، وإن تضمن مصلحة من وجه ومفسدة من وجه، فإن استوى في نظرنا تحصيل المصلحة ودفع المفسدة توقفنا على المرجح أو خيرنا بينهما...، وإن لم يستو ذلك بل ترجح أحدُ الأمرين تحصيلُ المصلحة أو دفع المفسدة فعلناه؛ لأن العمل بالراجح متعين شرعاً، وعلى هذا يتخرج كل ما ذكروه في تفصيلهم المصلحة." ويرى الطُّوفي أن الأصل الذي ذكره كاف لأن تتخرج الأحكام عليه "عند تعارض المصالح والمفاسد فيها، أو عند تجردها،" وأنه بذلك "لا حاجة بنا إلى تنويع التصرف فيها بتقسيم وتنويع لا يتحقق ويوجب الخلاف والتفرق،" وذلك بناءً على أن الطريقة التي بينها "إذا تحققها العاقلُ لم يستطع إنكارَها لاضطرار عقله إلى قبولها."

والسؤال الآن هو: هل كان الطُّوفي منفرداً بهذا الرأي أو مبتدعاً فيه؟!

في الحقيقة لا يبدو الأمر كذلك؛ إذ نجد شيخه ابن تيمية قد مهد السبيلَ لمثل ما ذهب إليه، فقد أخذ على الأصوليين حصرَهم مقاصد الشرع الكلية في الضروريات الخمسة المتمثلة في: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال؛ إذ قال: "وقومٌ من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع للأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد، ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان: أخروية ودنيوية، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظَ الدماء، والأموال، والفروج، والعقول، والدين الظاهر، وأعرضوا عن العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها، كمحبة الله وخشيته، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه والرجا لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة. وكذلك فيما شرعه من الوفاء بالعقود، وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه؛ حفظاً للأحوال السنية، وتهذيب الأخلاق، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح."

فابن تيمية في هذا النص، أكثر وضوحاً وجرأة من الطُّوفي، في تقرير قيام الشريعة على اعتبار المصالح في سائر أحكامها، لا فرق عنده في ذلك بين شعائر العبادات، وتصرفات المعاملات. فعنده أن مدار الشريعة على قوله تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ( (التغابن:16) المفسر لقوله: )اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ( (آل عمران: 102) وعلى قول النبي: (فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتبطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيلُ أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما، هو المشروع.

بل إن ابن تيمية نفسه يبدو تابعًا فيما قاله وذهب إليه؛ ذلك أن الشيخ أبا الوفاء ابن عقيل، كان قد قرر من قبل أننا "إذا علمنا أن العليمَ الحكيم لا يتعبدنا إلا بما فيه المصلحة، قطعنا أن العبادات كلها مصالح، وإنْ لم نعلم وجه المصلحة في كل واحدة من العبادات بعينها، ولا يكون جهلنا بوجه المصلحة في كل شيء منها، مخرجاً لنا عن العلم بأنه مصلحة في الجملة." ومبنى ذلك عند الفقيه والنظار الحنبلي الكبير، والسلف الملهم لكل من ابن تيمية والطُّوفي، أن "السمع لَمَّا ورد بحظر أفعال في أعيان، وإباحة أفعال في أعيان، وبان لنا بأن لهذه الأعيان مالكاً بدليل العقل،" علمنا "أنه أباح ما أباح وحظر ما حظر، إما لمصلحة، أو نفي مفسدة، أو لتحكمٍ ومطلق إرادة، ابتلاءً وامتحاناً، رجعنا إلى مقتضى الشرع فيما سكت عنه من إباحة أو حظر."

وينهض تأصيلُ ابن عقيل لقضية التعليل بالمصلحة على قاعدة كلية، يتعاضد فيها الخلقُ والأمر، ويتظافر فيها الطَبْع والشرع، فيتحقق ما أراده الله سبحانه من مقصد هداية خلقه، ورعاية مصلحتهم. "فكما أنه سبحانه قسم منافعهم الدنيوية بين كُلِّيات تولاها لا سبيل لهم إلى تحصيلها، ولا التسبب إلى تأثير ما يحصل عندها، كالرياح، والسحاب، والأمطار، وخلق الحيوان، لأنواع الأغراض، فجرت تلك مجرى النصوص التي لا سبيلَ للعبد إلى تحصيل الأحكام الحاصلة بها والصادرة عنها، وجزئيات وكَّلها إلى اكتساب خلقه، واستخراجها بصفاء نحائزهم، وصحة قرائحهم، كالحرث، والحصاد، والدِّياسِ [أي: دَوْسُ الحصيد]، وما يحتاجون إليه من بناء الأكنان، والبيوت، ونساجة الملابس... فجمع لهم بين النعمتين: الكبرى التي تولاها، والصغرى التي ألهمهم توليها، وهداهم إلى تحصيلها، بما منحهم من صحة النحائز وأدوات التحصيل من جودة القرائح."

ومقتضى هذا الكلام، أنه كما احتوت الطبيعة، أو الكون على أصول المنافع وكلياتها، مما لا سبيلَ لغير الخالق إلى إيجاده وتكوينه، ثم تُرك للإنسان مجالُ التصرف فيها بمختلف وجوه التصرف من: استخراج، واستنماء، وتطوير، واستعمال، حسب ما يفي بحاجاته، كذلك احتوت نصوصُ الشريعة على الأصول الكلية، والمبادئ العامة؛ لتشريع المصالح، تاركةً للمجتهدين النظرَ في سبل تحقيق ماصدقاتها، وتنزيل الأحكام على مناطات تعلقها من الوقائع الجزئيات، والنوازل الحادثات، بحسب ما تجري به أوضاعُ الحياة المتغيرة وظروفها المتحولة، من صور المصالح وتفاريعها.

وجريًا على ما قرره هؤلاء الفقهاء، نجد ابن قيم الجوزية يؤكد بكل ثقة وقوة أن "الشريعة مبناها وأساسُها على الْحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد،" وأنها "عدلٌ كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها،" وأن كل "مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل."

وإذا كان مبنى أحكام الشريعة في الأفعال والأشياء على عللٍٍ أو أوصافٍ فيها مناسبةٍ لتلكم الأحكام، رعيًا للمصالح والمفاسد، درءًا لهذه، وجلباً لتلك، فإن "معظم مقاصد القرآن، الأمرُ باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها." على أنه إذا كانت مصالِحُ الآخرة وأسبابُها، ومفاسدها وأسبابها، لا تُعرف إلا بالشرع، بحيث إذا خفي منها شيءٌ طُلب من أدلته، فإن مصالح الدنيا وأسبابها، ومفاسدها وأسبابها -كما يؤكد العز بن عبد السلام- "معروفة بالضرورات، والتجارب، والعادات، والظنون المعتبرات، فإنْ خفي منها شيء طُلب من أدلته" من ضرورة عقلٍ، أو تجربة حس، أو مستقِرِّ عادة، أو معتَبَر ظن. وبناءً على ذلك، لا يتردد أن يقرر ما يمكن عدُّه قاعدةً عامة مطّردة، فيقول: "مَنْ أراد أن يعرف المناسبات والمصالح والمفاسد، راجحَها ومرجوحَها، فلْيعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حُكمٌ منها يخرج عن ذلك، إلا ما تعبد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته،" وذلك نظرًا لما في الأفعال من صفات حُسن أو قُبح يمكن للعقل أن يعرفها، ولكن دون إيجاب على الله تعالى الذي "إنما يجلب مصالِحَ الحسن، ويدرأ مفاسد القبيح طَوْلاً منه على عباده وتفضلا." وهذا أمر ينبثق من أصل كُلِّي أصَّله الفقيه الشافعي، ومفاده أن "الشريعة كلها نصائح، إما بدرء مفاسد، أو بجلب مصالح،" ولذلك فإن الله عز وجل "قد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثًّا على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثًّا على إتيان المصالح،" بحيث ينفتح البابُ أمام عقل المجتهد، فيفرِّع عليها، وينسج على منوالها، مستهدياً بميزان الشريعة في ترتيب المصالح والمفاسد على أسبابها، والتبصر بوسائل تحصيلها، ومراعاة مراتبها من حيث القوة والضعف، والخصوص والعموم، وتقدير مداها من حيث التوقيت والدوام، والنظر في كيفيات التوفيق أو الترجيح بينها، عند التزاحم والتعارض، واعتبار تفاوتها حسب الأشخاص والجماعات، واختلافها عبر الزمان والمكان.

ويمكن القولُ إن هذا النهج من اعتبار أحكام الشريعة مبنيةً على رعاية المصلحة، هو نهج غالب العلماء من فقهاء وأصوليين حتى عصرنا هذا. فعليه أقام الإمام الشاطبي جهدَه الكبير والمتميز في إعادة صياغة علم أصول الفقه، بجعل مقاصد الشريعة المحورَ الذي تدور عليه سائرُ مباحثه، وتتكيف وفقًا له سائرُ مسائله. فكونُ أحكام الشريعة موضوعةً لمصالح العباد، حقيقةٌ ثابتة عنده، قد دلَّ عليها استقراءُ الشريعة "استقراءً لا ينازع فيه الرازي ولا غيره،" فضلاً عن أن "التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسُّنة ... أكثرُ من أن تحصى." فهذه قضيةٌ لا يرى الشاطبي مجالاً للتردد فيها؛ لأنها قائمة على الاستقراء المفيد للعلم، الأمر الذي يجعلنا "نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة،" وهو ما به كذلك "ثبت القياس والاجتهاد." ذلك أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامةَ المصالح الأخروية والدنيوية "على وجه لا يختل لها به نظامُ، لا بحسب الكُلّ، ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات، أو الحاجيات، أو التحسينات،" بناءً على "كمال النظام في التشريع" الذي يأبى كمال النظام فيه "أن ينخرم ما وضع له، وهو المصالح."

فالمعتَبَرُ في نظام الشرع -كما يبين الشاطبي- "إنما هو الأمرُ الأعظم، وهو جهةُ المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس، حتى إن العقلاء قد اتفقوا على هذا النوع في الجملة، وإن لم يدركوا من تفاصيلَها قبل الشرع ما أتى به الشرع، فقد اتفقوا على اعتبار إقامة الحياة الدنيا لها أو للآخرة، بحيث منعوا من اتباع جملة من أهوائهم بسبب ذلك." وفي هذا الإطار، ينبّه صاحبُ الموافقات إلى أن الخلاف المشهور بين المعتزلة والأشاعرة، يصبح خلافًا لا طائل من ورائه؛ فإذا كان المعتزلة يعدّون المصالح والمفاسد بحسب ما يؤدي إليه العقل، وهو "الوجه الذي يتم به صلاحُ العالم على الجملة والتفصيل في المصالح، أو ينخرم به في المفاسد،" وإذا كان الشرع عندهم "كاشفًا لمقتضى ما ادعاه العقل عندهم بلا زيادة ولا نقصان، فلا فرق بينهم وبين الأشاعرة في محصول المسألة، وإنما اختلفوا في الْمُدْرَك، واختلافُهم فيه لا يضر في كون المصالح معتبرة شرعًا، ومنضبطة في أنفسها." وهكذا يقرر الشاطبي -بوضوح- قيامَ المصلحة بذاتها، بحيث يكون بإمكان العقل إدراكُها، مؤيِّدًا بذلك ما ذهب إليه الطُّوفي، وابن تيمية، وابن القيم، ومِن قَبلِهم المعتزلةُ، وسايرهم في ذلك الغزالي -مع تحفظ- تحاميًا من أن يُرمى بالاعتزال، كما رأينا.

وفي سياق نظريته فيما سماه بـ (الارتفاقات)، التي بمقتضاها تطورت حياةُ البشر في طُرق كسب معاشهم، وسبل إقامة علاقاتهم بعضهم ببعض، وفي كيفية إجراء نظمهم، وإدارة شؤونهم من الأسرة إلى الإمامة، مما اقتضى وجودَ شرع أو قانون يحكمهم في ذلك كله، ينسج الإمامُ شاه ولي الله الدهلوي على منوال مَن سبقوه في تقرير قيام أحكام الشريعة على اعتبار المصلحة، فيقول: "وقد يظن ظان أن الأحكام الشرعية غير متضمنة لشيء من المصالح، وأنه ليس بين الأعمال وبين ما جعل الله جزاءً لها مناسبة، وأن مثل التكليف بالشرائع كمثل سيد أراد أن يختبر طاعة عبده، فأمره برفع حجر أو لمس شجرة مما لا فائدة فيه غير الاختبار، فلما أطاع أو عصى جوزي بعمله. وهذا ظنٌّ فاسد تكذبه السنةُ وإجماع القرون المشهود لها بالخير." ذلك أن الشارع -كما يرى الدهلوي- قد أفاض على البشر نوعين من العلم: النوع الأول هو علم المصالح والمفاسد مما وجههم إليه من "اكتساب الأخلاق النافعة في الدنيا أو في الآخرة، وإزالة أضدادها، ومن تدبير المنزل، وآداب المعاش، وسياسة المدينة،" فكانت كلُّ مصلحة حثَّ الشرعُ الناسَ عليها، وكل مفسدة ردعهم عنها، لا يخلو الأمرُ فيها من الرجوع إلى أحد أصول ثلاثة: أحدها: تهذيب النفس بالخصال النافعة، والثاني: إعلاء كلمة الحق وتمكين الشرائع، والثالث: "انتظام أمر الناس، وإصلاح ارتفاقاتهم، وتهذيب رسومهم، ومعنى رجوعها إليها أن يكون للشيء دخلٌ في تلك الأمور، إثباتاً لها، أو نفياً إياها بأن يكون شعبةً من خصلة منها، أو ضدّاً لشعبتها، أو مظنة لوجودها أو عدمها، أو متلازمًا معها أو مع ضدها، أو طريقًا إليها أو إلى الإعراض عنها. والرضا في الأصل إنما يتعلق بتلك المصالح، والسخط إنما يُناط بتلك المفاسد." أما النوع الثاني من العلم فهو "علم الشرائع والحدود والفرائض،" وهي ما بيّنه الشارعُ من المقادير التي نصب للمصالح بخصوصها "مظانَّ وأماراتٍ مضبوطة معلومة، وأدار الحكمَ عليها وكلّف الناس بها."

وبما أنه ليس من أغراض هذه الدراسة استقصاءُ تفاصيل الأقوال، وجزئيات الآراء التي جرت بها أقلامُ العلماء السابقين في التعليل، وما قرروه في شأن ما امتازت به الشريعة من رعيٍ لمصالح البشر، بما قامت عليه أحكامُها من مناسبات بينها وبين ما أنيطت به من أوصاف وأسباب وعلل يدرك العقلُ ما يثوي وراءها من حكم وغايات، فإن ما سبق يكفي ليوقفنا على معالم الاتجاه العام الذي برز في الفكر التشريعي الإسلامي، تعبيرًا عن مركزية المصلحة في النظر الاجتهادي لمذاهب التفقّه في الشريعة. وهو اتجاهٌ نحسب أنه يجد إطاره الفكري أو قاعدته النظرية في المناسبة، كما حاولنا إبراز معالمها نظريةً متكاملة، ومبدأً موحِّدًا لعناصر القول بالتعليل في أحكام الشريعة. ولئن كان الأستاذ الخادمي قد سلك في بحثه في المناسبة نهجًا غير الذي سلكنا مما ليس ههنا محلُّ التعليق عليه، فإنه قد أجاد في التنبيه على ما نحن بصدد تقريره، حين ذهب إلى أن المناسبة "تكوِّن الإطاَر الأمثل لمعالجة أحوال العصر ونوازله المختلفة، وتكوِّن الأصلَ الجامع لاستنباط الأحكام واستخراجها،" كما أنها هي الجوهرُ الذي تقوم عليه الأدلة الشرعية الجزئية والكلية، وبه يحصل الاتساق بين المباني والمعاني الشرعية، والملاءمة "بين مدلولات النصوص ومراد الشارع ومصالح الناس والخلق أجمعين." وبعبارة أخرى، إن المناسبة بما آلت إليه من تطور منهجي -حاولنا إبرازَ معالمه الكبرى فيما سبق- قد أورث العقلَ الفقهي إدراكًا لأحكام الشريعة، من حيث هي نسقٌ ذو تراتب هرمي، يعبّر عن قيم الدين في تطابقها المنطقي مع الحاجات الطبيعية والحقيقية للإنسان، معيارًا حاكمًا، ودليلاً مرشدًا في سائر التصرفات والمرافق، على مستوى الفرد والمجتمع سواءً بسواء، بل على مستوى الإنسانية جمعاء.

2. الفطرة والاستصلاح

هيأ ذلك الاتجاهُ قاعدةَ الانطلاق، ومهّد السبيلَ للعلماء الخالفين في العصر الحديث؛ ليبنوا تنظيرهم للمصلحة والمقاصد، تجاوبًا مع ما جرت به الحياةُ من: تبدل في أوضاعها، وتطور في أنماطها وأساليبها، وسعيًا لتكييف ما ثار فيها من نوازل ومشكلات، لا يكاد يلفى لها نظيرٌ فيما سبق للعقل الفقهي المسلم معالجتُه من أقضية ووقائع. وقد اقتضى ذلك تكييفًا منهجيًّا، صار موضوع المصلحة فيه يُدرس بضرب من الاستقلال والتمييز، الذي لا نجده في مؤلفات الفقه وأصوله؛ إذ يُعرض للمصلحة بوصفها من توابع مباحث أخرى. ولن نتوسع في تتبع الأقوال والتقريرات التي جادت بها قرائحُ العلماء المعاصرين في هذا الشأن، وإنما يكفي أن نقف مع بعض الكتابات، التي صار لها من المرجعية في الفكر الاجتهادي الحديث، ما يجعلها ممثلةً للوجهة التي تدفعنا إلى القول: إن المتشرعين المسلمين في جملتهم يسيرون عليها. وهي في الواقع، الوجهةُ التي انبثقت في إطارها معظمُ الاجتهادات التي قام عليها ما تشهده حياة المسلمين في الحاضر من: أعمال، ومؤسسات في مجالات الاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، وغيرها.

ويأتي في مقدمة تلك المؤلفات، كتاب الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في مقاصد الشريعة. فهذا المؤلَّفُ يمكن في الحقيقة عدُّه تعبيرًا عن الهمّ العام الذي شغل عقولَ المصلحين منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، بحثاً عن السبل الناجعة لمواجهة تحديات العصر الحديث، وتحقيق مصالح المسلمين في إطار من ثوابت الشرع وقيمه الخالدة، وتوخيًا لمقاصده العامة والخاصة. وهو ما صرح به ابن عاشور بوضوح لا لَبْس فيه؛ إذ ذكر أن قصده من إملاء مباحث في مقاصد الشريعة، والاحتجاج لإثباتها، أن تكون "نبراسًا للمتفقهين في الدين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظار" من أجل "إغاثة المسلمين ببلالة تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل."

فما تلك المصالح التي يُعوَّل في تحقيقها على مقاصد الشريعة التي دعا ابن عاشور إلى جعلها علماً قائماً بذاته، مستقلاًّ عن أصول الفقه؟!

بنى الشيخ ابن عاشور قولَه في المصلحة على أصلين رئيسين: الأصل الأول أن مقاصد الشريعة مبنيةٌ على الفطرة، على اعتبار "أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تتبعها أصولٌ وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرَّض عليها؛ إذ هي من العادات الصالحة المتأصِّلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر،" ومن ثم جاءت الشريعة تدعو إلى "تقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها، وإحياء ما اندرس منها." فكان مقصدُها العام الذي دلّ عليه استقراءُ كليات دلائلها وجزئياتها "هو حفظُ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان، صلاحاً يشمل "صلاحَ عقله، وصلاحَ عمله، وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه،" وذلك بجلب الصلاح ودرء الفساد.

أما الأصل الثاني فهو "اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حكم ومصالح ومنافع، ولذلك كان الواجب على علمائها تعرُّفُ علل التشريع ومقاصده ظاهرها وخفيِّها." فإذا جاز أن تكون في الشريعة أحكام تعبدية لا عِلّةَ ظاهرة لها، ولا يمكن الاطلاعُ على عِلَّتها، فإن ابن عاشور يذهب إلى أن ذلك لا ينبغي أن يكون في المعاملات المالية، والجنائية، والمعاملات الاجتماعية عامة، فهو لا يرى "أن يكون في هذه تعبدي، وعلى الفقيه أن يستنبط العلل فيها." ذلك أن "العبادات أوغلُ في جانب الأثر؛ لأن كثيرًا منها التعبديُّ الذي لا يدخل فيه القياس دخولاً قويًّا،" أما فقه المعاملات فيحتاج إلى "أصول وكليات تجعل للعارف بها معرفة بأحوال الزمان،" "فكان الواجب أن لا يكون طريقُ التفقه واحدًا في نوعي الفقه المذكورين (أي فقه العبادات وفقه المعاملات)." ولذلك كانت مواردُ الأحكام الشرعية، أو ما تعلقت به من تصرفات المكلفين وأفعالهم في مختلف أنواع المعاملات على ضربين: مقاصد ووسائل، "فالمقاصد هي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، والوسائل هي الطرق المفضية إليها."

وفي ضوء هذين الأصلين وتأسيسًا عليهما، سار ابن عاشور في تعريف المصلحة، وإثبات حجيتها، وتحديد مداها وأنواعها، وهو إذ يفعل ذلك يقدم لنا خلاصةً ممحصة لما دارت حوله أنظارُ الفقهاء والأصوليين قبله من أقوال ومذاهب. ولذلك فإن هذه الدراسة تتبنى ما صاغه من أفكار، بوصفه تعبيرًا عما يمكن عدُّه المساقَ العام للنظر الاستصلاحي في الفقه الإسلامي. فالمصلحة عنده "وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع، منه دائمًا أو غالبًا، للجمهور أو للآحاد،" بحيث تكون خالصة أو مطّردة، عامة أو خاصة. "أما المفسدة فهي ما قابل المصلحة، وهي وصف للفعل يحصل به الفساد، أي الضَّر، دائمًا أو غالبًا، للجمهور أو للآحاد." وإذا كانت المصلحة بأنواعها تشتمل على قسمين: "ما يكون فيه حظٌّ ظاهرٌ للناس في الجِبلة، يقتضي ميل نفوسهم إلى تحصيله؛ لأن في تحصيله ملاءمةً لهم" و"ما ليس فيه حظٌّ ظاهر لهم،" فإن لكل من هذين القسمين "خصائص من عناية الشارع." فالقسم الأول ليس من شأن الشارع التعرض له بالطلب؛ إذ يكفي داعي الجبلة في توجيه اهتمام الناس لتحصيله، فيكون شأن الشريعة "أن تزيل عنه موانع حصوله،" بينما "القسم الثاني يتعرض له التشريع بالتأكيد، ويرتب العقوبة على تركه والاعتداء عليه" مع إيجاب بعضه "على الأعيان وبعضه على الكفايات، بحسب محلّ المصلحة."

ومع هذا التنويع للمصلحة، يستعيد ابن عاشور تقسيمَ الأصوليين لها عند بحثهم للمناسبة، وذلك من حيث قوة أثرها (وهو ما سموه بالمناسب الحقيقي)، فتنقسم إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية، وتنقسم من حيث مُدْرَكُها أو الدليلُ عليها إلى: قطعية، وظنية، ووهمية. "فالمصالح الضروية هي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، فإذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش." أما المصالح الحاجية، فهي "ما تحتاج الأمةُ إليه في اقتناء مصالحها وانتظام أمرها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاتُه لما فسد النظام ولكنه كان على حالة غير منتظمة." وتأتي في الرتبة الأخيرة المصالِحُ التحسينية، التي هي "ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرآى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوباً في الاندماج فيها أو التقرب منها." ولا يخفى ما في هذه الصياغة من حرص على إبراز الجوانب الاجتماعية، والأبعاد الحضارية للمصالح برتبها المتفاوتة، بوصفها المحور الذي تدور عليه مقاصد الشريعة في تحقيق الصلاح، ودرء الفساد.

أما اعتبار المصالح من حيث مدركها، فالباب منفسح فيه لكلٍّ من: النّص والعقل؛ إذ إن منها ما قد تدل النصوصُ على ضرورة تحصيله دلالة قطعية، مثلما أن منها ما يقوم دليلُ العقل على ضرورة جلبه. وكذلك فإن منها ما تكون دلالةُ النص أو العقل عليه ظنية. أما المصالح الوهمية، فهي ما يكون منشؤه الوهم والخيال فحسب، ولا ينتهض له دليل من العقل ولا من الشرع. وفضلاً عن الاعتبارات السالفة، فإن هناك نظرًا آخر إلى المصالح والمفاسد من حيث "كونها حاصلةً من الأفعال بالقصد، أو حاصلة بالمآل،" وهذا مقام مرتبك "فيه تتفاوت مدارك العقلاء اهتداءً وغفلة، وقبولاً وإعراضاً، فتطلع فيه الحيل والذرائع،" الأمر الذي يسترعي الحذق والفطنة من الفقيه.

وفي ضوء هذه الاعتبارات جميعًا من تحديد لمعنى المصلحة، وبيان لأقسامها، واعتباراتها المختلفة، يقرر ابن عاشور أن "طريق المصالح هو أوسعُ طريقٍ يسلكه الفقيهُ في تدبير أمور الأمة عند نوازلها ونوائبها، إذا التبست عليه المسالك، وأنه إن لم يتبع هذا المسلك الواضح، والمحجة البيضاء، فقد عطّل الإسلام عن أن يكون دينًا عامًّا باقيا." ويبدو ابن عاشور في احتجاجه لبناء الاجتهاد على اعتبار المصالح، سائرًا على نهج قريب من ذلك الذي سار عليه ابن عقيل، وابن تيمية، والطُّوفي، وابن القيم، ناحياً في ذلك منحى وضع إطار شامل لها، يستوعب أنواعَها المختلفة، وصورها المتعددة. ولذلك يؤكد أن الغرضَ من بيان أنواع المصالح ليس معرفةَ مراعاة الشريعة لها فحسب، ولا قياسَ النظائر على جزئيات تلك المصالح، فذلك كلُّه دون الغرض من تأسيس علم مقاصد الشريعة الذي دعا إليه. وإنما الغرض هو "أن نعرف كثيرًا من صور المصالح المختلفة الأنواع، المعروفُ قصدُ الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقينٌ بصور كلية من أنواع هاته المصالح. فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولُها في زمن الشارع، ولا لها نظائرُ ذاتُ أحكام متلقاة منه، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية، فنثبت لها من الأحكام أمثالَ ما نثبت لكلياتها." وبذلك يتهيأ لابن عاشور أن يحل إشكال الاحتجاج للمصالح المرسلة، التي طالما جرى التنازعُ فيها بين مُوَسِّع ومُضَيِّق، فهو يرى أن ليس على العالم أن يحصر نفسه في المصالح المنصوص على حكمها، أو الملحقة بنظائرها قياسًا، وإنما من الواجب عليه "تحصيلُ المصالح غير المثبتة أحكامها بالتعيين، ولا الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس،" بناءً على "وجوب اعتبار جنسها على الجملة ودون الدخول في التفاصيل." ذلك أن أدلةَ اعتبار أجناس المصالح "حاصلةٌ من استقراء الشريعة قطعًا، أو ظنًّا قريبًا من القطع،" كما أن "أوصافَ الحكمة قائمةٌ بذواتها غير محتاجة إلى تشبيه فرع بأصل، وإنما هي واضحةٌ للناظر فيها وضوحاً متفاوتاً، لكنه غير محتاج إلى استنباطٍ ولا إلى سلوك مسالكه.

وعلى ما قرره ابن عاشور، مما يبدو أن طوائف واسعة من فقهاء العصر يميلون إليه، نُقَفِّي فنقول: إن مراعاةَ الشريعة للمصالح وفتحَها الباب للمجتهدين؛ لتكييف الوقائع والنوازل، والحكم عليها وفق ما تشتمل عليه من المصالح جلبًا، أو تتضمنه من المفاسد دفعًا، أو الترجيح بينها عند التزاحم والتعارض، أو بين طرفَيْ المصلحة والمفسدة عند التشابك، إنّ ذلك كله ليس ناشئًا عن نزعة ذرائعية في النظر إلى المصلحة، أو فهم مادي لمعناها ومضمونها، ولا هو متروكٌ تقديرُه لبادئ الرأي وعفو الخاطر، فليس مثلُ ذلك مما يمكن أن يخطر على بال أي فقيه من فقهاء الشريعة، يحترم عقده، ويقدر عقله. وإنما مفهوم المصلحة في النظر الشرعي، منبثقٌ عن رؤية كلية لكينونة الإنسان وكيان المجتمع، يتحدد معنى المصلحة والمفسدة والنفع والضر فيها بأبعاده المادية والروحية، والخلقية والمعنوية، على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة سواء، ويكون فيه الاهتمام بالمصالح والمفاسد في ذاتها، بقدر الاهتمام بالوسائل المفضية إليها؛ إذ لا مجالَ لمقولة الغاية تسوغ الوسيلة.

ولعله من هذا المنطلق، وفي ضوء هذا التقدير، نستطيع أن ندرك المغزى الحقيقيَّ لما فعله الإمام الغزالي، حين قرر أن المصلحةَ هي ما أدى إلى حفظ الكُلّيات الخمس الضرورية: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، أو بعضِها، فيطلب تحصيله، وأن المفسدة هي ما أدى إلى تفويت شيء من ذلك فيُطلب درؤه. ذلك أن هذه الضروريات تمثل الأصولَ التي ترجع إليها المصالح في كلياتها، وجزئيات تفاصيلها وأعيانها، فضلاً عن أنها تعكس الأبعادَ المختلفة لمقومات الوجود البشري، التي لا يمكن تصورُ حياة إنسانية مستقرة متوازنة في حال اختلالها بصورة جزئيّة أو كُلِّية. ويمكن القولُ: إن هذه الأصول تقدم الضابط الكُلِّي والمعيار الأعلى، اللذين ترتد إليهما، وتنبثق عنهما سائرُ الضوابط والمعايير الجزئية، التي تفاوتت أنظارُ العلماء في تحديدها، قديماً وحديثاً بين: متشدد، ومتسامح، ومُضَيِّق، ومُوَسِّع.

وبعبارة أخرى، إن فقه المصلحة وبناء الأحكام عليها، يقوم على قيم أساسية ومعايير مبدئية، وهو ليس خاضعًا لأهواء متقلبة، أو ملاءمات عارضة، أو أنظار سطحية، أو تقديرات جزئية. وفي ضوء ذلك لا حرج من القول: إنّ "المصلحة مصدر تجديدي تطويري للفقه" وإن "الإفتاء المصلحي يمكن أن يأتي جديدًا لا مثالَ له سابق يُقاس عليه، ويعتمد الاجتهادُ فيه على نظرة شاملة للفقه، وخبرة بمقاصد الشرع يحوزها المفتي المستصلح،" ويصدر عنها الفقيهُ المجتهد، فضلاً عن دراية بمجريات الواقع، ومشخصات الأفعال الإنسانية، وتشابك الأوضاع الاجتماعية، مع مراعاة الأقدار المتفاوتة لتأثير بعضها في بعض حسب الظروف المتغيرة في الزمان والمكان.

خاتمة

سعى هذا البحثُ إلى القيام بتحليل مفاهيمي لبعض الأسس النظرية والمنهجية، التي نشأ منها القول بمقاصد الشريعة، وبصورة خاصة إشكالية التعليل، وما تفرع عنها من مسائل: العلة، والحكمة، والمصلحة، والمناسبة. وقد استطاع ذلك التحليل أن يتوصل إلى نتيجة أساسية وخطيرة في الوقت نفسه، وهي أن فكرة المناسبة التي ظهرت في أصول الفقه بوصفها فرعاً من فروع البحث في مسالك العِلّة، الذي هو جزئي من جزئيات الدرس الأصولي في القياس، قد شهدت تطوراتٍ ذات مغزى فكري ومنهجي بعيد المدى في النظر العلمي في أحكام الشريعة. وقد تمثل الوجهُ الأول من ذلك التطور، في كَوْن المناسبة وفَّرت مبدأً معرفيًّا ومنهجيًّا لتوحيد عدد من المفاهيم الحيوية (مثل: العلة، والحكمة، والغرض، والأمارة، والسبب، والمصلحة) التي برزت في سياق مناظرات الأصوليين حول قضية تعليل الأحكام الشرعية، بحيث صارت تلك المفاهيم مترابطة في إطار من التكامل والتآخي. وأثبت البحث أن أعمال الغزالي، ومن سار على نهجه كالآمدي، كان لها أثر بيّن في هذا التطور.

أما الوجه الثاني من التطور المنهجي والمعرفي لفكرة المناسبة، فهو النظر إليها بوصفها نظرية شاملة في التعليل، بحيث صارت هي الأصلَ لعِلّية ما تُناط به الأحكامُ من: أوصاف، أو علل، فتستمد تلك الأوصافُ أو العلل عِلِّيتَها لأحكام الشريعة من مدى مناسبتها لأن تكون علةً للأحكام. وقد تم تبيُّنُ هذا التطور الذي ظل مغمورًا ومغفولاً عنه في بعض العبارات، التي جاءت منثورة في ثنايا كلام الإمام الرازي في كتابه "المحصول من علم الأصول" وقد شهد مفهومُ المناسبة تطورًا آخر ذا مغزى فكري ومنهجي كبير، وذلك على يد الفقيه الحنبلي نجم الطُّوفي؛ إذ عمل على صياغة المناسبة على أنها نظرية شاملة، ليس فقط في أحكام الشريعة بالنظر إليها من حيث هي نظام متسق البناء مترابط الأجزاء، وإنما هي كذلك نظرية شاملة في الوجود، من حيث هو قائم على المناسبة العقلية في علاقات الموجودات بعضها ببعض.

ومن أهم النتائج التي توصل إليها البحث بناءً على ما سبق، أن مفهوم المصلحة قد تكامل معناه، واتضح مضمونه، وتميزت أبعاده، من خلال تصنيفات المناسبة، وتقسيماتها وفق اعتبارات مختلفة صارت هي الإطار النظري والمنهجي لمقاصد الشريعة. وقد أدى ذلك إلى حصول تطور آخر مهم، ما زالت آثارُه العلمية والمنهجية تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة لاستجلائها، ويتمثل ذلك التطور في ما قام به الإمام الشاطبي من إعادة بناء مسائل أصول مباحثه، بحيث تكون مقاصدُ الشريعة هي المحور الموجِّه لها، كما يتمثل في محاولة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور تأسيسَ علم جديد قائم بنفسه باسم "علم مقاصد الشريعة." وقد جرى في كل من هاتين المحاولتين عملٌ منهجي عميق، لتأصيل مفهوم المصلحة -من حيث هي الجوهر الذي تقوم عليه مقاصد الشريعة- تأصيلاً جاء مستوعبًا ومطوِّرًا لما قرره من سبقهما من العلماء الذين تعرض لهم البحث، وخاصة العز بن عبد السلام، وابن تيمية، والطُّوفي، وابن قيم الجوزية.

وفي أفق نظري ومنهجي أوسع، سعى البحثُ لربط مسألة التعليل وإشكالية فهم أحكام الشريعة، وإدراك معقوليتها، بمقولة الفطرة من حيث إنها تتنـزل منزلة الأساس أو الأصل، الذي يمكن انطلاقًا منه، وبناءً عليه، تجاوزُ حالة الاستقطاب والتنافي التي عاشها البحثُ الأصولي -خاصة في مراحله الأولى- في خصوص التنظير للتعليل وحدوده، وللعقل ومدى قدرته على إدراك مباني الأحكام الشرعية، وما تنطوي عليه من حِكَم، وتتغياه من مقاصد. ومغزى هذا الربط أن فيه وصلاً للنظر في أحكام الشريعة ومقاصدها، بهموم البحث في دراسة الإنسان والمجتمع، مما يحتاج إلى مزيد من البحث المتعمق تأصيلاً وتفريعا.

وفي خلال ذلك كله، استطاع البحثُ أن يتبين ما أمكن عدُّه اتجاهًا عامًّا في النظر العلمي في نصوص الشريعة وأحكامها، والاجتهاد في تفهُّمها، استنباطاً منها، وتفريعاً عليها، وتكييفاً للوقائع بحسبها، وهو اتجاه يولي المصلحة اعتبارًا كبيرًا في إطار من الاعتداد بمقاصد الشرع، ومراعاة معاييره للمصلحة، بعيدًا عن أي نزعة ذرائعية أو نفعية، تختزل أبعاد النفع والضر في مستوى الوجود المادي للإنسان.

وبذلك سعى الباحث إلى إعادة بناء المفاهيم التي عرض لها بالمناقشة والتحليل، وفق رؤية نحسب أنها جديدة الصياغة -وإن لم تكن جديدة المضمون- في علاقة الشرع والعقل والفطرة. وعسى أن يكون فيما أوردناه قدحٌ لزناد الرأي، وفتحٌ لأبواب من النظر، بما يزكِّي ما فيه من صواب ويضيف إليه، ويصحح ما فيه من خطأ وقصور، ويتدارك عليه، سعيًا إلى أن نمهد للاجتهاد قواعد أكثر رسوخًا، وأن ننهج به مناهجَ أكثر سدادًا، ونسلك له مسالكَ أكثر إنتاجًا.

والله ولي التوفيق والعاصم من الزلل.

المصدر: مجلة إسلامية المعرفة

 
أ. محمد الطاهر الميساوي
تاريخ النشر:2009-11-23 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2589
مرات الطباعة: 688
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan