الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

الصحابة أول المقاصديين

د. أحمد الريسوني

 

الاهتمام بمقاصد الشريعة أمر قديم قدم الشريعة نفسها؛ لأنه لا يعقل أن يتلقى الناس، خيرةُ الناس وأفاضل الناس وهم الصحابة، أن يتلقوا هذه الشريعة وأحكامَها، دون أن يكون لهم تشوف ونظر إلى مقاصدها ومراميها. ولذلك فالعلماء الذين تحدثوا في المقاصد يحرصون دائما على أن ينبهوا على أن هذا الاهتمام يرجع إلى الصحابة وبدأ مع الصحابة، وبدأ تعليمه للصحابة وتوجيهه لهم، بطبيعة الحال على يد رسول الله عليه الصلاة والسلام.

والصحابة هم أول الفقهاء وأول المفسرين وأول الأصوليين وأول المقاصديين. وقل نحو ذلك في جميع العلوم الإسلامية؛ ولو أنها تطورت بعدهم من حيث التصنيف، ومن حيث الاصطلاحات، ومن حيث التفريع، ومن حيث التنزيل على الوقائع والقضايا الفكرية المستجدة عبر الزمان، إلا أن أصول هذه العلوم وأسسها وقواعدها الأولى وتطبيقاتها الأولى كانت مع الصحابة رضي الله عنهم.

وهذا الإمام الشاطبي على سبيل المثال ألف كتابه في أواخر القرن الثامن الهجري، وكان في الأندلس؛ أي في زمان متأخر وفي مكان ناءٍ، حيث بدأت روح المقاصد ومراعاة المقاصد تضعف وتغيب، فكان يحس - وسجل هذا في كتابه- بأن كتاب الموافقات ربما سيُتَلقى بقدر من الاستغراب، وربما بقدر من الإنكار، ولذلك حرص على أن يبين أن هذه - المقاصد- ليست شيئاً خارجا عن القرآن والسنة، وليست سوى ما كان عليه الصحابة. فيقول عما جاء في كتابه من كلام في المقاصد: «إن عارضك دون هذا الكتاب عارض الإنكار، وعمي عنك وجه الاختراع فيه والابتكار، وغر الظان أنه شيء ما سمع بمثله، ولا ألف في العلوم الشرعية الأصلية أو الفرعية ما نسج على منواله، أو شكل بشكله، وحسبك من شرٍّ سماعه، ومن كل بدع في الشريعة ابتداعه، فلا تلتفت إلى الأشكال دون اختبار، ولا ترمِ بمظنة الفائدة على غير اعتبار!! فإنه بحمد الله أمر قررته الآيات والأخبار، وشد معاقده السلف الأخيار، ورسم معالمه العلماء الأحبار، وشيد أركانه أنظار النظار، وإذا وضح السبيل لم يجب الإنكار». فهو كما يقول أمر قررته بحمد الله الآيات والأخبار وشد معاقده السلف الأخيار ورسم معالمه العلماء الأحبار وشد أركانه أنظار النظار وإذا وضح السبيل لم يجب الإنكار، نعم إذا وَضح السبيل لم يجب الإنكار.

وهو يصرح وينص بصفة خاصة على الصحابة، فيصفهم بأنهم «عرفوا مقاصد الشريعة فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصّلوها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مباديها وغاياتها». إذن فهو يرد إليهم كل ما أتى به، حتى لا يعتقد أنه قد ابتكر شيئاً لا أساس له؛ وإنما هو يعيد الأمور إلى نصابها.

ومما قاله ابن القيم - قبل الشاطبي بوقت وجيز-: «وقد كانت الصحابة أفهمَ الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده  ثم يعدل عنه إلى غيره البتة»؛ومقصوده ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله فقوله «كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده»، يعني أن أهم ما كانوا يبحثون عنه ويعملون لأجله، ويدندنون حوله ويتشوفون لتحديده ومعرفته واتباعه؛ هو مراد الشرع ومقصوده.

ولذلك نجد العلماء، وخاصة أئمة المذاهب وأقطابها، فيما أصلوه من قواعد الاجتهاد، وقواعد الفقه، وقواعد مذاهبهم الفقهية؛ مستندهم الكبير والمتين هو فعل الصحابة.

أهم سند للقياس فعل الصحابة

فحين بدأ النقاش مثلاً حول مسألة القياس وغيره من أصول الشريعة، وقد أصبحنا الآن بشكل بدهي نتعلم في مدارسنا وفي مادة أصول الفقه وغيرها، أن الأدلة الشرعية المتفق عليها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لم تكن المسألة بهذه السهولة التي نعرفها؛ فقد كانت معاركُ طاحنة حول عدد من الأصول:

خبر الآحاد - وهو من جملة السنة- هل يكون أو لا يكون العمل به، وهو نقاش كبير جدا كان في القرن الأول والقرن الثاني والقرن الثالث، إلى أن حسم الشافعي تقريباً المسألة في نهاية القرن الثالث[!]. وبعده استتب الأمر حول السنة، وخاصة حول العمل بخبر الواحد وشروطه، والبعض كان نقاشهم حول حجية السنة بصفة عامة ومكانتها ودورها، وكان نقاشا كبيرا.

كذلك إذا جئنا إلى الإجماع، فالإجـماع أيضا استمر فيه النقاش، بل ما زال فيه إلى الآن.

والقياس بدرجة أكبر، كذلك كان فيه معركة كبيرة ونقاش طويل جداً، في القرن الثاني والثالث والرابع؛ والقائلون بالقياس الآن هم المذاهب الأربعة وجمهور الأمة، ولا نبالغ إن قلنا: إن الجميع في الحقيقة يأخذ به. فحتى من ينكره مثل الظاهرية والشيعة الإمامية يعودون - كما قال عدد من العلماء - يعودون فيلتفون ويجدون أنفسهم يقيسون من حيث لا يشعرون!.

وعلى كل حال فالأخذ الصريح المبدئي والأصولي بالقياس هو قول الأئمة والمذاهب الأربعة والجمهور الأعظم من العلماء.

ولكن أين تكمن حجية القياس ومن أين أتت؟

صحيح لقد أوردوا بعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية. فمن القرآن ذكروا مثلا قوله تعالى:  )فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ(، ومن الأحاديث أن النبيعليه الصلاة والسلام أَتَتْه امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْكَبَ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ قَضَيْتِهِ)، فقالوا إنه عليه السلام قاس حق الله على حق العبد.

والحقيقة أن هذه الاستدلالات وأمثالها، ضعيفـة، يُستأنس بها فقط؛ وأما الدليل القوي الحاسم - كما قال الجويني والغزالي وغيرهما- هو عمل الصحابة وإجماع الصحابة على الأخذ بالقياس. والقيـاس هو دليل على المقاصد، وأثر من آثار المقاصد. فنحن على سبيل المثال الآن، نحن بتلقائية لا نشك ولا نتردد في أن المخدرات تقاس على الخمر وتأخذ حكمها وانتهت الحكاية. نحن هنا ننطلق من المقاصد، جماهير العلماء يقولون إن المقصود من تحريم الخمر هو تحريم كل ما ماثله وساواه.

وهكذا قل في جميع المسائل القياسية أعني أنها تنبني على أساس فكرة أن الشارع يقصد... نعم حرم هذا ولكن يقصد هذا وهذا..، فيتناول التحريم الواحد محرمات كثيرة، والواجب الواحد تلتحق به واجبات كثيرة؛ فالقياس هو نظر إلى المقاصد، إلى ما قصده الشارع، فندخله في الحكم المنصوص.

مراعاة المصلحة في اجتهادات الصحابة

إذن هؤلاء الأئمة ـ أئمة المذاهب، وأئمة الفقه والعلم بصفة عامة- يستمدون أصولهم ومناهجهم التشريعية المقاصدية بالتحديد من الصحابة. فالعمل بالمصلحة التي اشتهر بها مالك، هو في الحقيقة عند جميع المذاهب، كما قال القرافي والزركشي؛ وهذا هو التحقيق لكن مع تفاوت وبأسماء مختلفة . والجويني يقرر في عدد من كتبه أن الشافعي يأخذ بالكتاب والسنة والإجماع، ثم قال: قبل أن يأخذ بالقياس ينظر في الكليات، والكليات هي المصلحة وعمدتها وعمودها. والحنابلة يقولون بالمصلحة، والحنفية أخذوها بأسماء أخرى كالاستحسان وغيره...

ولكن من أين يأتي العلماء الذين يريدون أن يدافعوا عن المصلحة وحجية المصلحة والمصلحة المرسلة بالأدلة؟

قد يأتون باستدلالات جزئية كثيرة، ولكن الذي يحسم المسألة في النهاية هو فعل الصحابة؛ فقد وجدنا الصحابة يقولون بها، ووجدنا الصحابة مسترسلين في رعاية المصالح والتمسك بها، وبناء الأحكام عليها، وبناء سياستهم عليها، دون أن يطلبوا أو أن يجدوا بالضرورة دليلاً خاصاً ينص على المصلحة.

وقد ذكر الإمام الشاطبي في "الاعتصام" عدداً من أمثلة العمل بالمصلحة المرسلة عند الصحابة، وتعتبر هي الأساس الذي بني عليه العمل بالمصلحة المرسلة فيما بعد. والمصلحة المرسلة ما هي أيضا إلا بناء على أن هذا هو المقصود الشرعي، بناء على علمناه من حرص الشرع على حماية المصالح وجلبها وتنميتها ورعايتها...

ومثالنا الشهير جدا الشهير من الناحية التاريخية، والشهير أيضا من حيث مكانته وأهميته، هو قضية جمع المصحف، وتوحيد المسلمين على مصحف واحد. فحينما فكر عمر- رضي الله عنه- في المسألة- وهو إمام الفقه المقاصدي- ذهب إلى أبي بكر الخليفة وقال له: يا خليفة رسول الله إن القتل قد استحرَّ بالقراء... يعني حفظة القرآن اشتد بهم القتل، وخاصة بعد معركة اليمامة التي استشهد فيها سبعون صحابياً من القراء، سبعون صحابيا من حفظة القرآن في معركة واحدة. ويعني: إذا استمر هذا الأمر-وهذه سنة الله- سيقتل هؤلاء القراء الذين تلقوا كتاب الله من رسول الله بعضهم، وسيموت من يموت، وهكذا يتعرض حفظ القرآن للخطر وللتنازع والاختلاف...، فلذلك يجب جمعه وجمع الناس على نصه المجموع الموحد.

فقال أبو بكر لعمر- رضي الله عنهما-: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله مشروعية العمل، وتأسيسه على هدىً. فقال عمر- ما جواب عمر؟ - لم يقل له سمعت رسول  قال كذا، أو جاء في الحديث كذا، أو قال الله تعالى كذا. لا! قال: هو والله خير.

لم يفعله رسول الله صحيح، ولكن هو والله خير، ونحن احتجنا إلى هذا الخير.

فبقيت بينهما المراجعة وحجة عمر هي هذه: هو والله خير. وطبعا حين يقول هو خير، فهو يحيل على الأصل العام في القرآن؛ يقول تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا الله وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( إذا كان خيراً فيجب أن يُفعل، فهو مأمور به، وستتوقف عليه مصلحة عظيمة وكبيرة، وبعدمه ينفتح باب فتنة وشقاق وخلاف واندثار للدين.

فهذا كله دار في النقاش ودار في الأذهان بين عمر وأبي بكر، فانشرح صدر أبي بكر بهذه الحجة؛ هي أنه هذا خير أي مصلحة كما نعبر الآن، فاستدعى أبو بكر - كما هو معلوم- زيد بن ثابت الذي رشحه لهذه المهمة الجليلة- وكان من أحفظ حفاظ القرآن - وأمره أن يجمع القرآن من الصدور ومن السطور معاً، فكان يجمع من الحفظ الصدري والحفظ الكتابي. فلما أمره قال زيد - رضي الله عنه-: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟ فحاججه بما حاجج به عمر أبا بكر، فانتهى إلى النتيجة نفسها فكان ما كان مما هو معروف .

والمهم عندنا اليوم أن هذا عمل بالمصلحة لا أقل ولا أكثر؛ على أساس أن هذا من مقاصد الشارع ويخدم مقاصد الشارع، ولا نص فيه بعينه؛ بمعنى لو أردنا أن نـخَرِّجه على الأحكام الجزئية ونلتمس له الأدلة الجزئية ونزنه بالميزان الجزئي، ربما نقول هذه بدعة - كما يسارع إلى ذلك كثير من الناس- ولكن إجماع الصحابة يكفينا عن أي رد أو مناقشة.

إذاً فالأئمة والفقهاء والمجتهدون حين أسسوا الفكر المقاصدي والأسس المقاصدية كانوا دائما يستحضرون فعل الصحابة في نوازل كثيرة.

وكذلك المسألة التي عرضت في خلافة عمر وهي قتل جماعة لواحد. وطبعا لجأ عمر وتبعه في ذلك من تبعه من الصحابة والأئمة والمذاهب إلى مقاصد الشرع وكليات الشرع في حفظ النفوس وحفظ الدماء وحفظ الأمن، بينما لو تحرينا الاستدلالات الجزئية لكان هذا غير مقبول؛ لأنه ينافي أولا النص الجزئي وينافي القياس الجزئي، والقياس الجزئي يعني أن النفس بالنفس والمساواة والمماثلة، بينما في تصرف عمر - رضي الله عنه- تم العدول عن فكرة المماثلة وعن النفس بالنفس إلى شيء آخر وهو حفظ الأمة، وحفظ الأمن في الأمة، وحفظ الأرواح في الأمة،وهذه قضية كلية ونظر مصلحي لا أقل ولا أكثر؛ فهنا دخلت "المقاصد العالية" كما قال ابن عاشور، أي ما يعبر عنه اليوم بالمصلحة العليا للأمة...

وكذلك قضية تضمين الصناع فليس في أصول الإسلام أن المؤتمن ضامن، الأمين الذي توضع في يده أمانات وأموال وكنوز ونفائس وأشياء من هذا القبيل، ولا يكون متاجراً ولا مضارباً ولا شريكا في ذلك، فهذا لا يضمن إذا تركت عنده؛ على أساس أنه مؤتمن عليها. فالصُناع في الأصل مؤتمنون تأتي أحدهم بالثوب ليخيطه، أو بالذهب غير المصوغ ليصوغه، أو بأي مواد ليصنعها، حديدا ليصنع منه سيوفاً، أو يصنع منه آلات أو صناديق إلى آخره؛ مما يؤتى به إلى الصُناع ليصنعوه، فإذا سرقت منهم، أو ضاعت أو احترق المكان، يقولون: هذا خارج عن إرادتنا! فيكونون مُعفَيْن من أي تبعة، أي معفيين من الضمان. هذا هو الأصل، الأصل أن المؤتمن لا ضمان عليه، لكن تطور الأحوال وظهور بعض الصناع قد يأخذون ذلك أو يأخذون منه أو يقصرون فيه، ثم يزعمون أنه قد وقع ونزل وقدر و...و..و... إلى آخره، فإذا لم نُضمِّنْهم سيستشري هذا الأسلوب وتفقد الثقة وتضطرب المعاملة...

إذن تذاكر الصحابة كعادتهم في هذه الأمور ذات الطابع الجديد، تشاوروا وتذاكروا وكان الرأي - كالعادة وفي كثير من الأحيان- الذي أخذوا به هو رأي علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- وهو أنه لابد من تضمينهم. فما حجته على تضمينهم؟ قال: لا يُصلح الناس إلا هذا .

ليس ثمة آية ولا حديث ينص على هذا، ولكن الصلاح المطلوب والرعاية المطلوبة لمصالح الناس وحقوقهم تقتضي هذا، وبدونه سندخل في مشاكل عويصة فأخذ الصحابة بهذا.

فإذاً: القياس وهو ذو أساس مقاصدي أخذ من الصحابة، والمصلحة المرسلة أخذت من الصحابة، وسد الذرائع أخذ من الصحابة.

نعم، هناك نصوص فيها تنبيهات وإشارات وعمومات، ولكن كما يقال دائماً الاستدلال بدليل واحد بآية أو جزء من آية أو حديث واحد، قد يكون ظني الدلالة أو ظني الثبوت، هذا النوع من الاستدلال يكون مثاراً للتجاذبات والاحتمالات والمجادلات، لكن حينما نأتي بعمل الصحابة أي بفهمهم الجماعي وتطبيقهم الجماعي، ينحسم الأمر.

ميزة الإجماع السكوتي في عصر الصحابة

وهذه الأمور التي ذكرتها ويحتجون فيها بالصحابة، قد يذكرون الإجماع من الصحابة عليها. ولكن هب أن هذا الإجماع لم يكن، فحسبنا إذا ما أجمع عليها كبراء الصحابة، وفقهاء الصحابة، والخلفاء الراشدون من الصحابة، فهذا يكفي وزيادة!

على أن الإجماع عند الصحابة كان سهلاً ميسوراً، ولذلك يسهل حتى على العلماء أن يقولوا أجمع الصحابة؛ لأن الصحابة معدودون، وعادة المراد بالصحابة ليس هو مائة ألف أو مائتي ألف، المقصود من لهم شأن في العلم والإفتاء وهم بضع عشرات في أوسع الحالات، وهؤلاء مجموعون معرفون يتلاقون أحيانا صباح مساء.

ثم شيء آخر هنا، وهو أن الصحابة إذا سكتوا فقد أجمعوا، وغيرهم إذا سكتوا لم يجمعوا؛ لأن غيرهم أصبحوا يخافون، وأصبحوا يستحيون، وأصبحوا يراعون مشايخهم وأمراءهم وأرزاقهم وأمنهم وسلامتهم، وهذا غير وارد عند الصحابة: أن يسكتوا خوفاً أو طمعاً. فإذا سكت الصحابي فهو موافق. فلذلك الإجماع السكوتي للصحابة إجماع. بينما الإجماع السكوتي لغير الصحابة وفي العصور اللاحقة ليس إجماعا. فإذا تداول الرأيَ عشرة أو سبعة أو خمسة من كبار الصحابة وشاع الخبر في المدينة، والمدينة ليست هي المدينة اليوم، المدينة تعني بضعة آلاف من السكان. فإذا تداول الصحابة أمرا شاع ولم ينكره أحد منهم، فهذا يعد إجماعا، وإذا أنكر أحد أو اعترض فيقال المسألة خالف فيها فلان، فثمة مسائل خالف فيها ابن عباس، ومسائل خالفت فيها عائشة، وهكذا.

فهذه توضيحات لابد منها لما قدمته من أقوال عن الصحابة وفقههم وقيمة منهجهم واجتهاداتهم. وهو ما ينبئنا عن القيمة المرجعية لفقه الصحابة وكون المذاهب المتبعة في الأمة قد تأسست وتأصلت على ذلك.

المصدر: موقع الريسوني

 
د. أحمد الريسوني
تاريخ النشر:2009-12-03 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3049
مرات الطباعة: 685
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan