الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات أصولية

إغلاق باب الاجتهاد..اجتهاد!!

أ. عمر عبيد حسنة

 

إن مقتضيات الخاتمية ولوازمها الخلود.. والخلود - يعني فيما يعني- أن الرسالة الإسلامية خالدة مجردة عن قيود الزمان والمكان، وتمتلك إمكانية الهداية والإصلاح لكل زمان ومكان وإنسان.

وبعبارة أخرى: الخلود يعني أن الرسالة الإسلامية قادرة على إنتاج النماذج القائمة على الحق في المجالات المتعددة، المجسدة لقيم الوحي على مختلف المستويات، القادرة على تقديم الحلول والأحكام الشرعية لكل المشكلات الإنسانية، ورسم المسار السليم في كل زمان ومكان لحركة الإنسان، فردًا كان أو جماعة.. وتحقيق هذا الخلود والامتداد وتوليد الأحكام للحوادث والمشكلات المستجدة، لا يكون إلا بالاجتهاد، الذي يعني إعمال العقل في نصوص الوحي لاستنباط الأحكام، لذلك يمكن القول: بأن التوقف عن الاجتهاد والعطاء وتوليد الأحكام يعني محاصرة الخلود، وتعطيل الشريعة، والسماح بامتداد (الآخر) لمعالجة مشكلاتنا، والحكم بتاريخية الرسالة الإسلامية وعدم خاتميتها وخلودها.

إغلاق باب الاجتهاد تخاذل

لذلك نرى أن توقف الاجتهاد، أو قفل باب الاجتهاد، على الرغم من أنه اجتهاد غير ملزم، فإنه مناقض لخاتمية الشريعة وخلودها وتجديد فهمها في ضوء معطيات العصر، وتخاذل عن حمل أمانة المسؤولية، والمساهمة السلبية بفصلها عن الحياة من حيث الواقع، مهما كانت دعاوانا عريضة بأن الشريعة خالدة وصالحة لكل زمان ومكان، على مستوى الشعارات، لأننا عمليًا بإغلاقنا باب الاجتهاد مهدنا للوقوع في شرك أعداء الإسلام، وحكمنا بتاريخية الإسلام، وأنه إنما جاء لمعالجة مشكلات عصر معين، انقضى ذلك العصر وانقضت معه الحلول ووسائل العلاج التي لم تعد تصلح، وأن الحياة المعاصرة تقتضي علاجًا آخر مناسبًا لها.

وأعتقد أن مسوغات إغلاق باب الاجتهاد عند من اجتهد في ذلك، سدًا للذرائع بحجة فساد الزمان وانعدام الأهلية، والخوف من دخول الساحة من يحسن ومن لا يحسن، ومن يملك المؤهل والشروط ومن لا يملكها، هو فوق كونه اجتهادًا يلغي اجتهادًا، فإنه محل نظر من الناحية الشرعية، وحكم مسبق على الأمة المعصومة، التي أخبر عنها الصادق المصدوق أنها لا تجتمع على خطأ، بالعقم والعجز، وتعطيل للخلود - كما أسلفنا- وإلغاء للشريعة من مواقع متعددة، وكأن الله الذي أنزل الشريعة الخاتمة الخالدة، وجعل الاجتهاد من مصادر تشريعها ومن لوازم خاتميتها وخصائص خلودها، لا يعرف تقلب الزمان والمكان وفساد العصور - والعياذ بالله!!- وكأننا هنا بإغلاق باب الاجتهاد نساهم بشكل سلبي في إلغاء الخاتمية ومحاصرة الخلود باجتهاد ظني، وقد قال تعالى: )وخاتمَ النبيّينَ(، ونوقف عمليات التجديد والتصويب، ونؤذن بعودة الجاهلية، ودخلوها الساحة من جديد بخروجنا منها، بذرائع غير مقنعة وحالات استثنائية نعممها على الزمان والمكان.

أما ذريعة أن فتح باب الاجتهاد سوف يسمح بممارسة الاجتهاد لمن يحسنه ومن لا يحسنه - وهذا أمر طبيعي في كل المجالات- فالقضية محل نظر، حيث لا يستطيع أحد أن يملك توقيف عقول الناس وحجرها ومنعها من النظر والاجتهاد الفقهي والفكري؛ لأن العقل سوف يواجه مشكلات لا بد أن يتعامل معها بصورة من صور التعامل.

ومن ناحية أخرى، فإن إغلاق باب الاجتهاد منعًا لذريعة الفساد والعبث، لم يمنع من الاجتهاد وتوليد الأحكام وخاصة في مجال الفتاوى السياسية، أو فقه السلطان، وتفصيلها على الأحوال السياسية المتناقضة والرغبات والأهواء المتقلبة، حتى أصبحت أشبه بما يسمى: (فتاوى تحت الطلب)، بحيث أصبح الكثير ممن يمارس مثل هذا النوع من الاجتهاد والفتوى، يحاول أن يتعرف قبل أن يتورط عن رغبة السلطان، ليتم تفصيل الفتوى على المقاس المطلوب.. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.

إن مجال الاجتهاد مثل سائر المجالات يدخله الغث والسمين، والمؤهل ومدعي التأهيل، لكن الكثير من الاجتهادات سوف تطرد من الساحة ولا يكتب لها الصمود والبقاء والتطبيق لتهافتها وسقوطها.. فوعي الأمة وعصمتها كفيل بإسقاط كل فتوى واجتهاد لا تصيب الصواب ولا يتحقق صاحبها بالعلم والصلاح.. ولا تتلقى الأمة إلا عن أهل الثقة والخبرة، فكم من العبث تاريخيًا مورس على الأحكام الإسلامية ولم يكتب له الحياة والاستمرار.. فالله يحمي دينه ويحفظه، ويهيئ من يدفع عنه، ويوفق ويكتب القبول لمن ينصره.

لذلك أعتقد أن الخوف من دخول ساحة الاجتهاد من لا يحسن ذلك مبالغ فيه جــدًا، ولا يجوز أن ينتــهي إلى الحــكم بإغـــلاق بــاب الاجتهاد، لأن الحــق والصواب قادر على هزيمة الباطل.. والشر من لوازم الخير.. والتدافع بين الحـق والبـــاطل من ســــنن الحــياة.. ولا يصــح إلا الصحيح.

فليجتهد الناس بحسب إمكاناتهم.. وإذا كان الإنسان غير مؤهل للنظر والاجتهاد فسوف يكون مرفوضًا من أهل العلم والخبرة والمجتمع بعامة، لأنه يحمل عملة رديئة مزيفة لا تشتري شيئًا.. فوعي الأمة كفيل بمحاصرة الخروج والانحراف.

والإسلام دين حياة كامل.. والمسلم معرض بقدر علمه واستطاعته لقدر من النظر في الحل والحرمة لممارساته، بعيدًا عن الكهانات الدينية، فالقضية قضية علم يحاصر الجهل مهما ادعى الجاهل أنه عالم. ونحن هنا لا ندعو لأن يدخل الساحة من يحسن ومن لا يحسن، وإنما نقول: بأن الذي لا يحسن سوف يخرج عمليًا من الساحة لأن بضاعته مزجاة.. وبعض ما يمكن أن يترب على دخوله من مخاطر وإصابات، قد تكون مطلوبة ليأخذ الناس حذرهم، وهذه الإصابات لا يمكن أن تعادل المفاسد والإصابات الكبرى التي تترتب على إقفال باب الاجتهاد.

شروط الاجتهاد..متجددة

وناحيـة أخرى لا بد مـــن التـــوقف عنــــدها في هذا المجـــال، وهي ما تواضع عليه العلماء من أدوات الاجتهاد وشروطه المطلوب توافرها فيمن يقدم على عملية الاجتهاد.

وفي ضوء أن هذه الشروط في معظمها اجتهادية، شأنها شأن الكثير من القواعد الأصولية، وحيث إنه لم يتوفر لها إجماع يمنحها قدرًا من القطعية، لذلك تبقى باستمرار محلاً للنظر والاجتهاد، حيثما تطورت أدوات البحث.. ذلك أن بعض الشروط التي قد تبدو ضرورية في عصر له أدواته العلمية والمعرفية، قد تتراجع أهميتها وقيمتها في عصر آخر، إضافة إلى أن الأمة جميعها مخاطبة ببذل الجهد والاجتهاد لإقامة الأحكام الشرعية والتعبد لله، كل بقدر استطاعته العلمية والجسمية والمالية، وأن التشاور والحوار والمناقشة والمثاقفة والمجادلة كفيلة إلى حدٍ بعيد بتصفية الاجتهادات الواهية والمغرضة والمنحازة والمذهبية والطائفية، وهكذا، وسوف لا يمكث في الأرض إلا الصالح الذي ينفع الناس.

ونحن هنا لا نقول بإطلاق الحبل على الغارب، وإشاعة الفوضى، وإلغاء قيمة التخصص التي نلح دائمًا على توفرها، وإنما نرى أن فتح المجال للفكر والاجتهاد المحكوم بقيم الكتاب والسنة، وعصمة عموم الأمة وغيرتها وحرصها على دينها، ومدافعة العلماء العاملين مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه و سلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) (أخرجه البيهقي، وصححه الإمام أحمد والعلائي)، يشكل سدًا أمام العابثين، وسوف لا يحمل من المخاطر ما يحمله إغلاق باب الاجتهاد، حيث لم يغلق عمليًا إلا على أهل التقوى والصلاح والخوف، أما أولئك الذين احترفوا كسر الحواجز وتوهين القيم والعبث بتراث الأمة، وتحريف الكلم عن مواضعه والتأويل الفاسد، فلم يمنعهم شيء من علم أو دين. والواقع شاهد على ذلك، وقد تكون المشكلة أننا نرفض الكهانات في الإسلام ويمارسها بعضنا عمليًا.

ولسنا بحاجة إلى معاودة القول: بأن إغلاق باب الاجتهاد يلغي عقل الأمة ويحد من مسيرتها، ويحاصر خلود الشريعة من الامتداد بأحكامها، ويفسح المجال لامتداد (الآخر)، ويشيع من الرعب الفكري ما يشل الحركة الذهنية بشكل عام، علمًا بأن إغلاق الباب أيضًا لم يحل دون التحريف والانحراف، الذي ما كان ليكون لو ملئت الساحة بالخير والصواب، فتغييب الخير يعني الإيذان بحضور الشر.

وقد يكون من المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، وقد حصل من التقدم في مجال الاتصالات ووسائلها ما لم يخطر على البال حتى في عصر الخيال العلمي، لدرجة أن الإنسان أصبح يرى ويسمع العالم من مكانه، كما حصلت ثورة معلوماتية هائلة وتطور في أدوات ووسائل الحصول على المعلومة وحفظها واسترجاعها، إضافة إلى عمليات التصنيف والأرشفة التي تجعل الإنسان في الصورة المحيطة لكل ما يريد، قد يكون المطلوب إعادة النظر في شروط الاجتهاد، التي اجتهد العلماء في وضعها في عصور معينة في ضوء رؤيتهم، وظروف عصرهم، وأدواتهم المعرفية، ودرجة تدوين العلوم، ووسائلهم في الحفظ، وما كان من أهمية الاعتماد على الذاكرة.

وأعتقد أن الوضع قد يكون تغير كليًا اليوم، فاللغة مدونة بمفرداتها ومعانيها ومجازاتها وقواعدها، فمعاجمها ومصطلحاتها موجودة ومسهلة لدرجة كبيرة، وأية مسألة من مسائلها ومفردة من مفرداتها يمكن الحصول عليها والوصول إليها بسهولة، والقرآن محفوظ بالصدور والسطور، وأشكال الحفظ والاستدعاء لا تحصى، وهي ما تزال تتطور يوميًا، ومؤلفات الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وأسباب النزول، وما إلى ذلك من العلوم كلها متوفرة أمام الباحث، لدرجة أنها أصبحت مكشوفة وميسرة لعموم المتعلمين، والحديث استقر ومُيّز صحيحه من ضعيفه وموضوعه; وحسنه ومتواترة، والبحوث في هذا المجال استوفت التوثيق من حيث الرواية ودرجة الحديث، وبالإمكان اليوم بضغطة (زر) الحصول على نص الحديث ودرجة صحته ومصدره في الكتب المعتمدة (كتب الصحاح)، وما على الباحث إلا النظر والدراية، وهكذا الكثير من الشروط الاجتهادية المطلوبة للاجتهاد، أفلا يقتضي ذلك كله إعادة النظر بهذه الشروط التاريخية، التي جاءت ثمرة لرؤية خاصة، في عصر معين له أدواته المعرفية وظروفه الفكرية؟!

وبالإمكان القول: إن هذه الشروط التي تكاد تكون مستحيلة التوفر، وإن بدا أنها تسدد الطريق إلى الصواب، فإنها ساهمت بغلق باب الاجتهاد، ولم تؤد إلى تذليل طريقه، فهي أقرب للاستحالة، والحكم على عقل الأمة بالعطالة والإلغاء منها إلى المساعدة على النمو والامتداد.

ويمكن أن نقول: بأن الإسلام أصيب ولا يزال على يد أبنائه والمنتسبين إليه أكثر من إصابته من الخارج أو من (الآخر)، بل لعلنا نحن الذين ساهمنا بسذاجة بتقوية أعداء الإسلام وتقويض الكيان الإسلامي، وحال المخلصين منا شبيه بحال الأم التي تحول بين الطبيب وابنها المريض حتى لا يتـــألم من تناول الــدواء، فيؤدي الأمر إلى موته أو إلى استمرار مرضه.

انتهى عصر المجتهد المطلق

وقضية أخرى في هذا السياق; وهي: أن التشعب المعرفي حتى في المجال والموضوع الواحد، وشيوع الاختصاص الذي أصبح سمة العصر، لم يعد يسمح، ولا يمكن معه لأي إنسان بالغًا من الذكاء ما بلغ، بالغًا من العمر ما بلغ، أن يدعي الإحاطة بكل شيء، والإجابة عن كل شيء، والاجتهاد في كل شيء.. والذي يدعي معرفة كل شيء والإجابة عن كل شيء نخشى أن نقول: (لا يعرف شيئًا)! والذي لم يؤدبه الإسلام فلتؤدبه المعرفة وأخلاقها، حتى لا يقفو ما ليس له به علم.

لذلك فإن قضية المجتهد المطلق والرجل الملحمة ولى عهدهما، وبالتالي لا بد من إعادة النظر بالشروط العامة، والتحول إلى الشروط الخاصة والمطلوبة لكل شعبة من شعب العلوم والمعارف. إضافة إلى أن إمكانية النظر الفردي تبقى قاصرة وغير محيطة; حيث لا بد من الاجتهاد الجماعي الذي يجتمع له الخبراء المتخصصون والفقهاء المتمرسون بمعرفة الوحي، ويغيب عنه المتحمسون غير المتخصصين، لأن مجالهم آخر.

وقد تكون الإشكالية الذهنية أو الثقافية -إن صح التعبير- أن بعض الذين يدافعون عن شروط الاجتهاد التعجيزية، ويصرون على عدم إعادة النظر فيها، بالرغم من تطور أدوات الاجتهاد، هم أنفسهم يرضــون لأنفسهم أن يتطــاولوا على قضايا ليــست من اختصــاصهم ولا حتى من اهتمامهم، ولا تتوفر فيهم أدنى شروطها، بل لعل الكثير منهم يغادر اختصاصه النوعي، من طب وصيدلة وهندسة وعلوم، الذي يمكن أن يكون في خدمة الفقه - بالمعنى العام- ليتحول إلى واعظ أو باحث أو خطيب متحمس في قضايا قد لا يختلف فيها كثيرًا عن المتلقين، الأمر الذي أثمر العجز والتخاذل والمراوحة في الموقع الواحد، والاجترار والإعادة للقضايا لأكثر من نصف قرن دون أي قدرة على المراجعة والتقويم، وحتى الإفادة من التجربة الذاتية.

أين الفقه الاجتماعي؟

وبالإمكان القــول: إن الفــقـه التــشريعي والفقــه العبــادي وكـــل ما يتعلق بقضايا الحلال والحرام قد استبحر وأُنْضج وقُورن وَرُجِّح وأصِّل، حتى إنه لم يدع استزادة لمستزيد، وأنه استقر واستمر.. وهذا الفقه التشريعي والعبادي هو الذي يشكل المحور الأساس للتدين والسلوك، أما فيما وراء ذلك من الفقه التربوي والسياسي والاجتماعي والدولي فيما يسمى بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، أو المعرفي بشكل عام، فهو أقرب إلى الفقه الفكري أو الرؤية الفكرية التي تكاد تتطور يوميًا بإيقاع سريع في ضوء المعطيات المعاصرة والمشكلات الاجتماعية والتربوية وإلغاء الحدود وكمية التبادل المعرفي الذي يرتكز على التجارب الميدانية التي تتعاظم وتتسع فيها معارف العقل المستهدي بالوحي، فلا نعتقد أنها بحاجة للضوابط والشروط الاجتهادية نفسها.

لذلك ففتح باب الاجتهاد على مصراعيه اليوم، بات لا يشكل خطورة على قيم الشـــرع، وإنما يساهم بإطلاق العقل من قيوده الموهومة باتجاه تحقـــيق الرؤية الإسلامية في العـــلوم الاجتماعية، واستشعار أهمية التخصصات في شعب المعرفة جميعًا، وأن تحصيل هذه التخصصات التي تعتبر من الفروض الكفائية الغائبة هو دين واجتهاد فكري مثاب عليه صاحبه، وبذلك يعود الارتباط المفقود بين العلم والدين، وتنضبط المسيرة العلمية بضوابط الوحي وأهدافه، ويقبل المسلم على اكتساب المعارف، والاجتهاد في توليد الرؤى الشرعية بدافع الثواب ووازع العقيدة والدين، ويصبح خطابه في مجال اختصاصه مقنعًا ومسموعًا.

في ضوء هذه الرؤية لقضية الاجتهاد، ومجالاته، وأبعاده، وأهدافه التي تقتضي إعادة النظر في الشروط الاجتهادية والأدوات المطلوبة، التي قدمها العلم للمجتهد، يمكن إعادة النظر أيضًا في مناهج وشروط بناء الملكة الفقهية، أو ملكة الاجتهاد، حيث لا بد أن يسبق الفكرُ الفعلَ، والنيةُ العملَ. فما هي المجالات التي سوف نرتادها ونجتهد فيها، وما هي الأهداف التي نريد تحقيقها، وما هي الكيفية التي نتوصل بها إلى تحقيق الأهداف، وما الشروط والمعارف المطلوب توفيرها للفقيه المفكر في كل اختصاص، إلى جانب الشروط العامة المطلوبة لشعب المعرفة جميعًا ؟؟

أزمة الدراسات الشرعية

ذلك أنه من المؤلم والمحزن حقًا أن الدراسات الفقهية والشرعية بشكل عام تعاني، لأنها تخرج حفظة وحملة فقـه في الأعم الغــالب، ولا تخرج فقهاء.. تخرج نقلة يمارسون عملية الشحن والتفريغ والتلقين، ولا تخرج مفكرين ومجتهدين يربون العقل وينمون التفكير.. تخرج من لا يستطيعون تجاوز المثال الذي أتى به الأقدمون، إلى تنزيل القاعدة على واقع جديد، أو توليد حتى مثال معاصر غير القديم.

وليست الدراسات العليا في معظمها - والأصل فيها أنها قائمة على البحث والدراسة والمقارنة والتقويم والترجيح- بأحسن حالاً، لأنها امتداد لعقلية النقل والشحن والتفريغ، بعيدًا عن الإبداع والتفكير والابتكار.

فالناظر إلى الكثير من رسائل وبحوث الماجستير والدكتوراة في الجامعات الشرعية الإسلامية بشكل عام، يجد أطنانًا من الورق، يعظم كمها ويتضاءل كيفها، لم تحرك ساكنًا، ولم تحقق رؤية تغير من واقع الأمة، وإن كانت ترتقي بالمواقع المادية وأحيانًا الاجتماعية لأصحابها، الذين أصبحوا حملة الألقاب العلمية! هذا إن لم تكن في بعض الأحيان وسيلة توبيخ مستمرة لحملتها.. ويكفي استعراض الكثير من العناوين والمضامين لهذه الرسائل التي قد تبلغ عشرات الألوف للدلالة على عقــــل الأمة وحــــالها.. فإذا كنا لا نستطيـع تجاوز المثــال بعــد، ولا نمتلك إمكانية التقويم الثقافي والفقهي، فكيف تبني مؤسساتنا ومناهجنا ملكات فقهية?! وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود إبداعات أو إضاءات وفتاوى أنارت للأمة الطريق واحتفظت بالأمل.

لذلك فمشكلة المعاهد الشرعية، ودورها في تخريج الفقهاء والعلماء، والمساهمة في تنمية وبناء الملكة الفقهية، ذات أبعاد متعددة ومثيرة ليس أقلها ما تعانيه من غربة الزمان والمكان، وذلك على أهمية دورها التاريخي في حفظ العلم الشرعي ونقله، والحفاظ على الهوية والأصالة، بكل مقوماتها، والاحتفاظ بالأمة، والآمال المعقودة عليها.

فقد انتهت إلى حالة لم تستطع معها أن تفكر في تطوير مناهجها وخططها لتواكب مستجدات العصر، بحيث تستطيع أن تؤهل الطالب للتعامل والاجتهاد في قضايا عصره، من خلال رؤية ومرجعية شرعية متينة، بل بقيت مقتصرة على الطريقة القديمة ذاتها بمناهجها وموادها التعليمية، وقد تستهلك وقت الطالب وعقله في شرح المختصرات واختصار الشروح والمطولات، وحفظ الأراجيز، وبذل الجهد الذهني الكبير في فك رموز العبارات ومستغلقاتها، وصرف الجهود على قضايا لم تبق لها سوى القيمة التاريخية إن بقيت، وعدم ملاحظة - أثناء العملية التعليمية- نمو مدارك الطالب وتطور ملكاته وتوافق المعلومة مع إمكاناته العقلية وحاجاته العملية، واعتماد طريق التلقين والتلقي بعيدًا عن التفكير والمشاركة، بل لعل المنافسة والمشاركة والمقارنة الفقهية تشكل سببًا في نبذ الطالب وتأنيبه.

وعلى العموم، فقد بقيت طرائق التعليم وأساليبه ومعلوماته تدور في هوامش عقل المؤلف أو الشيخ، ونظراته الفقهية ومذهبه، أي أن الحركة التعليمية كل مدارها عقل آخر لا يجوز أن يُخرج عنه، لذلك فهي في أحسن الأحوال تنتج نسخًا مكررة مقلدة يمكن أن تغني عنها النسخ الأصلية.. وغالبًا ما يسود العملية التعليمية في معاهد التعليم الشرعي الاستغراق في الفروع والمسائل الجزئية، بعيدًا عن تكوين المنهج وتشكيل النظرة الكلية وبناء الملكة الفقهية القادرة على النظر، على الرغم من أن بعض أسماء هذه المعاهد: (كليات)، لكنها تفتقر إلى النظرة الكلية والرؤية المنهجية.

إضافة إلى أن بعض الدارسين في هذه المعاهد يعاني من غربة المكان، فأقل ما يمكن أن يقال: إنه لم يؤهل لعصره، ولم يسلم مفاتيح التعامل مع الواقع من الناحية الشرعية.. فقد يحمل الفقه المكتوب ويحفظ متونه، لكنه لا يفقه شيئًا عن الواقع، فهو خارج المجتمع الذي يعيش فيه.. وجهله لمشكلاته وقضاياه ومداخله وثقافته قد يجعل مداخلته ساذجة وسطحية في كثير من الأحيان، ويجعل خطابه (صيحة في واد).. حتى العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تشكل الرؤية المطلوبة ودليل العمل للوصول إلى الأمة وتوصيل رسالة الإسلام لها، قد لا تشعر بعض المعاهد بأهميتها! ذلك أن أمر استيعابها وتدريسها قد يحتاج إلى جهود، وترافقه احتمالات الخطأ، وهذه مشكلات لا تحتاجها عمليات التعليم القائمة على الشحن من كتب السابقين والتفريغ على رؤوس المعاصرين.

وقد أدت هذه الغربة عمليًا إلى لون من الانشطار الثقافي، وخروج بعض معاهد العلم الشرعي من قلب المجتمعات لتعيش على هوامشها غير الفاعلة، وساهم إلى حدٍ بعيد بتدعيم مؤسسات التعليم الذي يصطلح على تسميته بالتعليم المدني، الذي أبصر المجتمع وخطط لاحتلاله، وهيأ الطالب لوظائفه ومسؤولياته، الأمر الذي انعكس بدوره أيضًا على مدخلات المعاهد الشرعية، حيث أصبح لا يُقبِل عليها في غالب الحال إلا أصحاب المعدلات المتدنية، الذين لم يجدوا مكانًا لهم في مؤسسات التعليم المدني، إلا من رحم الله من المتميزين القادرين على اجتياز العقبة وإدراك أهمية الفقه في الدين، وإبصار عاقبة الأمور، على الرغم من أنه قد يصاب هؤلاء مع الأسف ببعض النماذج من القائمين على أمر التعليم الشرعي دون مؤهلات صحيحة فيسيئون إلى تطلعاتهم، ويحبطون عقولهم، ويقتلون طموحهم، ويساهمون بعجزهم وتفتيت معارفهم، وبعثرة قدراتهم، والقضاء على ملكاتهم. وبــذلك تصــبح مخرجـات المعاهــد الشرعــيــة (ضغـثًا على إبــاله)، كما يقول المثل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: مقدمة كتاب (تكوين الملكة الفقهية) لكتاب الأمة (72) الصادر رجب 1420 هـ.

 
أ. عمر عبيد حسنة
تاريخ النشر:2010-01-03 الساعة 15:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 3082
مرات الطباعة: 586
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan