الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » أخلاق وتزكية

النظر العقلي وأثره في تزكية النفوس

د. معاذ سعيد حوى

 

علم تزكية النفس من العلوم المهمة التي بعث لأجلها النبي (ص) (ويزكيكم) وهذا العلم فيما آل إليه بعد النبي (ص) هو كسائر العلوم؛ منه صواب راجع إلى الحق الذي شرعه الله ورسوله  ومنه خطأ ودخن وانحراف دخل عليه، وقد شكل هذا الخطأ والانحراف إشكالات وموروثات عَقَّدَت علم التزكية من جانب، وأخرجته عن شموليته من جانب آخر، وقَصَرته على جوانب معينة في النفس، وعلى جوانب معينة في أعمال الإنسان. وعلم التزكية في الأصل يطهر النفس، ويرقيها في كل جوانبها، في صفاتها وأعمالها وظاهرها وباطنها.

كما شكلت الانحرافات التي دخلت علم التزكية حاجزاً دون طلب علم التزكية الصحيح الشرعي، فنَفَر كثير من الناس من التزكية جملة، خوف الوقوع فيما دخل على علم التزكية من أخطاء وباطل وانحراف.

ومن أعظم الأخطاء التي أصابت علم التزكية: الادعاء بأنه أذواق لا علاقة للعقل والعلم بها، وهذه قضية خطيرة ليست من الصواب في شيء، وهي تفتح باب الهوى والدعوى، وتفتح باب المزيد من الانحراف عن الحق، فكان لا بد من التحذير من ذلك، وبيان مدى ارتباط العقل ونتائجه الفكرية بسائر أمور التزكية.

وعلم التزكية حينما ابتعد عن العقل والمنطق الصحيح السليم الشرعي، فَقَد الضوابط والقواعد التي تحفظه عن الانحراف وتسدد مسيرته، فلا بد من بيان ارتباط السلوك والتزكية في كل مراحلها، وأطوارها، وأعمالها، وأحوالها، وثمراتها، بالعقل والفكر الصحيح، والحقائق المعقولة.

وأهم المعقولات التي يدركها العقل هي التي تسمى العقائد، وتسمى الحقائق، وتسمى العلم الثابت اليقيني، وهي تشكل الأصل والأساس لكل شيء في حياة الإنسان، فمن كانت عقائده منحرفة لانحراف الفكر والعقل عنده، ضل في حياته وشؤونه كلها بقدر انحراف عقائده. ومن كانت عقائده سليمة تمثل الحقائق الثابتة، الناشئة عن فكر سليم، ورجوع إلى الوحي الذي يخضع له العقل السليم، ويشهد له بالصحة، من كانت عقائده كذلك كان أهلاً للاستقامة والتزكية في نفسه، وسائر شؤونه.

وليس مقصودنا حينما نتكلم عن النظر العقلي أن نتحدث عن ذات العقل، وإنما نتحدث عن نتائج استعمال العقل، وهي تلك المعقولات والمدرَكات والأفكار والعقائد والحقائق التي يدركها العقل وينتجها بفكره ونظره.

ولا يجوز أن يتوهم من عنوان البحث أن النظر العقلي حاكم على الشرع، ولا أنه غير الشرع الصادر عن الوحي، وإنما من المقررات الثابتة عند جميع العقلاء والمؤمنين والعلماء، أن الشرع لا يمكن أن يكون مخالفاً للحق المعقول، وأن العقل لا يمكن أن يكون مخالفاً للشرع المنقول، وما كان متخالفاً أو متناقضاً في ظاهره، فهو راجع إلى توهم المناقضة الناتجة عن خطأ في نسبة شيء إلى الشرع وهو ليس منه، أو خطأ في نسبة ذلك الشيء إلى العقل وهو ليس منه، أي ليس من نظره وفكره الصحيح. فالعقل يوصل إلى كثير من الحقائق المطلوبة، لكنه محتاج إلى الشرع في تكميل معرفة الحقائق وما ينبني عليها، ولما كان العقل يدل على صدق الوحي، فاتباع الوحي لا يخرج العقل عن إدراكه.

وبهذه الاعتبارات نقول: العقل موصل إلى الشرع، والشرع حاكم على العقل وغير مناقض له.

ولكن لماذا تبدأ التزكية بالنظر العقلي ونتائجه الفكرية والاعتقادية؟ للإجابة عن هذا التساؤل نلاحظ أن التزكية لا تتكامل إلا إذا كانت تشمل جوانب ثلاثة: منهج تزكية العقل، ومنهج تزكية القلب، ومنهج تزكية الجسد، وهذه الجوانب يُبنى بعضها على بعض؛ فالجسد تابع للقلب، والقلب تابع للعقل، ونستطيع أن نتبيّن كيف يٌبنى بعضها على بعض، وكيف يتولد الفعل عن القلب، وكيف يتولد ميل القلب عن إدراك العقل. فالنفس التي نزكيها تتركب من: الروح، والعقل، والقلب، والجسد، لكن لما كان التكليف الشرعي يتعلق بالعقل والقلب والجسد، ويتوجه الشرع بالخطاب إلى هذه العوالم الثلاثة من عوالم النفس، فإن تزكية النفس التي أمرنا بها تقتصر على هذه الجوانب.

ونلاحظ أن بعض الناس يهتم بالتزكية فيما أمر الله به في حق الجسد، وعنده تقصير في بناء ميول القلب وأهوائه بناءً صحيحاً فيتعب نفسه، ولا يكاد يستفيد، ومنهم من يتعب قلبه ويحاول إنشاء رغبات سليمة لكنه يجد معارضة، لنقص في التصور عن الحقائق التي تصنع الرغبات، ولنقص في إدراك المصالح الحقيقية، التي قد تتعارض مع المصالح القاصرة الصغيرة.

وقبل أن نبين أهم الحقائق التي تشكل أساساً فكرياً اعتقادياً للتزكية في أهم جوانبها، لا بد أن نذكر تصوراً عن التزكية، وتصوراً عن العقل وتفكيره، وما يتعلق بهما، ثم نتكلم عما يشكل أساساً منطقياً فكرياً لتزكية النفوس.

معنى تزكية النفس وأهميتها وأثرها على المجتمع

أصل التزكية والزكاء والزكاة -لغوياً- يدور حول عدة معاني، هي: الطهارة، والنَّماء والزيادة والبَركة، والمَدْح، والصلاح، وكلها قد استعمل في القرآن والحديث. فأما مدح الإنسان نفسه فقد ذمه الله تعالى، وأما باقي المعاني فهي داخلة في معنى التزكية المطلوبة شرعاً، والتي نتحدث عنها، وهي تتضمن جانبين: جانب التطهير، وجانب النماء والزيادة، وكلاهما عامل في صلاح الإنسان.

ولا يخرج معنى التزكية اصطلاحاً عن معناه اللغوي، فهي: طهارة الإنسان من السوء، والنماء والارتقاء في الخير. وإنما يوصف الإنسان بالصلاح بقدر ما يكون عنده من الطهارة والارتقاء.

وهذا التعريف هو وصف لحقيقة التزكية من حيث هي، وتطلق التزكية ويراد بها عملية التزكية وفعل التزكية، فتكون التزكية عندئذ بمعنى: التطهير من السوء والترقية في الخير، فبقدر ما يَطْهُرُ الإنسان ويرتقي؛ يكون مُزكىً أو زَكِيّاً.

وطهارة الإنسان من السوء تشمل: طهارة عمله وقوله، وظاهره وباطنه، ونفسه وقلبه وجسده، واعتقاداته ونياته وعباداته ومعاملاته وأخلاقه وأحواله، وتشمل كذلك الفرد والمجتمع، وترقية الإنسان في الخير. وحيثما ذكرت التزكية في القرآن الكريم فهي شاملة لهذين المعنيين: التطهير والترقية، كما بيّن ذلك كثير من المفسرين.

وإذا أراد الإنسان أن يطهر نفسه؛ فإنه يطهرها من: الكفر والشرك والنفاق والرياء، ومن أمراض القلوب، ومن المعصية كبيرها وصغيرها، ومن البدع والشبهات والشهوات، ومن الأخلاق المذمومة.

وإذا أراد الإنسان أن يرقّي نفسه؛ فإنه يرقيها بالإيمان واليقين، وبالسريرة الصادقة، وبالأعمال الصالحة فرائضها ونوافلها، وبالأخلاق الحميدة والمعاملات المشروعة.

وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتعطي الإنسان الخير كله في الدنيا والآخرة، فبيّن الله للعبد العلمَ الصحيح، وبيّن العمل المطلوب، وهيّأ وسائل ذلك، وبعث الرسل، وهيّأ لهم خلفاء يرشدون إلى فعل الخير وترك الشر. فأعطى دينُنا كلَّ الاهتمام لِتطهير الإنسان من سيئاته وإصلاحه وترقيته، وقد سمّى الله تعالى حال الإنسان بهذا الاعتبار تزكيةً، فقال سبحانه: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (آل عمران: 164)

فكما جاء النبي r ليتلوَ علينا ما أوحى الله إليه، ويعلمَنا ما في القرآن والسنة من علم وحكمة وأحكام؛ فقد جعل الله من وظيفته تزكية النفوس.

وبيّن الله تعالى أن فلاح الإنسان ونجاته متوقفة على التزكية، فقال سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) (الأعلى: 14) (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس: 9-10) (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) (طه: 76)

ومما ينبغي أن تحدثه التزكية في المسلم، أن تحول الاعتقاد من كونه اعتقاداً في الذهن فحسب، إلى عمل يعيشه، والتزكية هي التي تنقل علم الاعتقاد، ومعرفةَ الله، والعلم بالفقه والأحكامِ إلى واقع، من خلال تطهير النفس، وتنقيتها، وجعلها قابلة للعمل بما يقتضيه العلم، فكم من إنسان عالم بالعقيدة يعلم بأن الله يسمع ويبصر؛ وهو يعصيه. وكم من إنسان يعلم أن الصلاة فريضة وهو لا يصليها، ماذا أفاده فقهه وعلمه؟ فلا بدّ من تطهير للنفس لتصل إلى الانتفاع من العقيدة والفقه.

وإذا زكّى الإنسان نفسه صار إنساناً طيباً، صالحاً، جميل الأخلاق، جميل الحال، صالحاً بين يدي الله، محبوباً عند الناس، مرتاح الضمير، سليم التفكير، سعيداً في دنياه وأخراه. ومما يدل على الحالة النفسية الطيبة التي يتمتع بها من زكّى نفسه بالإيمان والعمل الصالح قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (محمد: 2) كما يدل على سعادته في حياته قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97) ومما يدل على حب الناس له ما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله إذا أحب عبداً وضع له القبول في الأرض.

إن التزكية مطلوبة من كل فرد في المجتمع المسلم، ولا يمكن أن ترى الأثر العظيم لتزكية النفس حتى تظهر في المجتمع كله، فتظهر حقيقة العبودية فيه لله، وحقيقة الاستقامة، وحقيقة الخلق الراقي والأدب الرفيع، وحسن المعاملة، وغير ذلك.

والتزكية إذا وجدت في المجتمع المسلم؛ فإنها وحدها من أعظم وسائل الدعوة إلى دين الله، فإن الناس إذا رأوا جمال خلق المسلم وحسن معاملته وأدبه وطيب كلامه؛ ينجذبون إليه ويميلون إلى دينه الذي تربى عليه، وأوصله إلى هذا الجمال والرُّقيّ، فالإسلام دخل كثيراً من البلاد -كشرق آسيا وبعض إفريقيا- بأخلاق تجار المسلمين وحسن معاملتهم وصدقهم. ولا يمكن أن تقوم حضارة راقية إلا على معاملة طيبة وأخلاق راقية، وكل حضارة تنقصها الأخلاق والمعاملات الصالحة فهي مهددة بالزوال. وأذاها لشعوب الأرض وإفسادها وتهديدها بالدمار، سيكون أكبر من الخير الذي تقدمه أو تسعد به البشرية.

معنى العقل ووظيفته وتزكيته

1. معنى العقل:

لما كان هذا البحث يتناول قضية التزكية، وأنها ينبغي أن ترجع إلى العقل وتفكيره ونظره، وما يدركه من حقائق تمثل العقائد الصحيحة التي يجب أن يؤمن بها الإنسان، فلا من بيان معنى العقل وتفكيره، وأثر هذا التفكير في التوصل إلى الحقائق، وأنه لا بد أن نزكي العقل كما نحرص على تزكية غيره، فهو أولى بالتزكية والتطهير والترقية؛ لأنه هو الذي يوجه غيره من عوالم الإنسان وفق ما يتوصل إليه من حقائق.

العقل لغة: الحِجْر، والنُّهى ضِدُّ الحُمْق، والمَعْقُول: ما تَعْقِله وتدركه بقلبك، والعَقْلُ: التَّثَبُّت في الأُمور، وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه، وعَقَلَ الشيءَ يَعْقِلُه عَقْلاً: فَهِمه، والعقل: المنع، لمنعه صاحبه من العدول عن سواء السبيل.

يفهم من هذه المعاني للعقل أنه به تدرك الأمور وتفهم، وبه تميز الأمور، فيُعرَف به ما فيه مصلحة الإنسان، وما فيه مفسدته، فيكون سبباً في البعد عن المهالك، وسبباً في البحث عن المنافع.

أما من الناحية الاصطلاحية، فقد أورد العلماء للعقل تعريفات كثيرة، بعضها يجعل العقل هو الروح؛ لأن العقل لا إدراك له بلا روح، وبعضها يجعله هو القلب؛ لأن محل العقل القلب، وبعضها يجعله هو الإنسان؛ لأن العقل هو ما يميز الإنسان عن غيره. وأكثر ما يستعمل العلماء العقل اصطلاحاً في معانيه اللغوية، وهو الأقرب لتعريف حقيقته.

والذي أرجحه جمعاً بين معاني التعريفات التي اطّلعت عليها، أن يعرف العقل بأنه: هو اللطيفة التي يدرك بها الإنسان العلوم والمعاني والأشياء، وبها يميز بين الحق والباطل، والنافع والضار. ومعنى قولنا: (لطيفة) أي أن العقل أمر معنوي موجود لكنه غير حسي، وإن ارتبط بموضع حسي من الجسد.

ذكرت لفظة العقل ومشتقاتها في القرآن الكريم والسُّنة الشريفة كثيراً، وغالباً ما تطلق على أحد أمور ثلاثة: العقل: من حيث هو آلة لإدراك العلم، والعقل: من حيث عملية الإدراك والتعقل التي توصل لإدراك العلوم، والعقل: بمعنى العلم الذي يستفاد بالعقل.

ويأتي العقل بمعنى الشيء الذي به يعقل الإنسان، ويدرك العلم والمعاني والحقائق؛ فكل موضع رفع فيه التكليف عن العبد لعدم العقل، فالعقل فيه بهذا المعنى. قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقيظ، وعن الصبي حتى يحتلم.)

ويأتي العقل بمعنى استعمال العقل في عملية التعقل والفهم والإدراك والتمييز؛ فعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله يُعيدُ الكلمة ثلاثاً، لتُعقَل عنه، أي لتفهم عنه، وورد استعمال التعقل في القرآن بهذا المعنى كثيراً فمن ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (البقرة: 76) أي لماذا لا تستعملون عقولكم، لتعلموا ما يجب عليكم أن تعلموه.

وقال تعالى ذاكراً قول الكافرين يوم القيامة: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك: 10) فهؤلاء لم يستعلموا عقولهم، ففاتهم معرفة الحق، ونتج عن ذلك أن تكون حياتهم وأهواؤهم وأعمالهم كلها خاطئة خاسرة.

ويأتي العقل بمعنى المعقول والمعلوم الذي يدرَك بالعقل: ومنه قوله تعالى: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الأنعام: 151) أي لتعرفوا ما هو معقول يفهمه العقل ويدرك صوابه وأنه حق وخير. وقوله سبحانه: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: 43) أي وما يعلمها. وقال: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف: 3) أي لعلكم تعرفون ما يُدرَكُ بالعقل.

وكل موضع ذم الله فيه الكفار بعدم العقل فالمقصود فيه عدم علمهم لما يجب أن يعلموه بعقولهم، وذلك مثل قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) (البقرة: 171) أي لا يعرفون ما يجب أن يعرفوه بعقولهم، وذلك لأنهم لا يستعملون العقل.

والقرآن يستعمل العقل بهذا المعنى كثيراً، وينفي وجوده عن الكافرين، ولا ينبغي أن يُظَنَّ أنه ينفي عنهم العقل الذي به التكليف، لذلك قال سعيد حوى رحمه الله: "ويطلق العقل في الشريعة على شيئين: أولاً: على ما هو مناط فهم الخطاب، وإذا وجد فقد أصبح الإنسان مكلفاً ضمن شروط. ثانياً: على قبول خطاب الشارع والعمل به، وذلك هو العقل الشرعي. وعلى هذا يحمل قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك: 10) (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (الحشر: 14) (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا) (الأعراف:179)"

2. المهمة الأساسية للعقل هي التَّفكُّير أو التفكر للوصول إلى العلم:

بالعقل يمكن تحصيل العلم، ولذلك نجد النصوص القرآنية كثيراً ما تتوجه إلى الكافرين والغافلين تطالبهم بالتفكير للوصول إلى الحقائق. قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) (الأنعام: 50) (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) (الروم: 8) وغيرها الكثير.

والتَّفكُّر هو نظر العقل في الأدلة بترتيب أمور معلومة في الذهن ليصل من خلالها إلى علم أمر مجهول عنده. قال سعيد حوى رحمه الله: "وللدماغ تكليفه: وهو أن يفكر فيربط الأسباب بمسباتها، ويربط الأدلة بمدلولاتها؛ ليصل إلى الحقيقة، وللقلب تكليفه: وهو أن يقبل الإسلام الذي أوصل إليه العقل، وأن يستنير بنور الإسلام."

وقال: "وللإنسان دماغ هو محل التفكير والمحاكمات، وقد يكون محل خزن المعلومات، وهو محل إدراك الخطاب، وهو مخزن الحواس ومركز الإحساس، ومنظم الجملة العصبية، إلى غير ذلك من المهام، وهناك الروح التي تعطي الجسد والقلب والدماغ الحياة."

وقال: "والعقل هو مناط التكليف، وهو الجهة التي يدرك فيها الإنسان فحوى الخطاب، وهو وسيلة الانسان للمعرفة، وهو (أي العقل) مفطور على معان، فعنده بدهيات مستقرة، وله قوانين مغروسة، وهو يصل إلى المعرفة من خلال التعليم والاستقراء أو الاستنتاج، ومن ههنا وجد علم المنطق الاستقرائي والاستنتاجي، فأن يتعرف الإنسان على علم المنطق للتعرف على قوانين العقل، وعلى ما هو بدهي، وعلى ضوابط الاستنتاج الصحيح، والاستقراء الصحيح، فهذا القدر لا حرج فيه."

3. تزكية العقل:

تدل النصوص على أن طريق الهداية يبدأ من القلب، "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب" ، وتدل نصوص أخرى على أن الجانب الذي إذا فاتت العناية به فاتت الهداية والخير والصلاح هو جانب العقل في القلب، قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: 179) وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46)

إن استعمال العقل على وجهه الصحيح، والاستفادة منه في الوصول إلى الصواب والحق؛ هو تزكيته، بأن يطهره من التفكير المنحرف والنتيجة المنحرفة الخاطئة، وأن يلازم استعماله في التوصل إلى الحقائق والانتفاع منها.

وتزكية العقل تكون باستعماله؛ فمن خلق سوياً غير مجنون ولا مختل في عقله، فعقله فيه القدرة على معرفة الحق والصواب وطريق الهداية، فعلى الإنسان أن يستعمل العقل فيما أعطي من قدرة على التفكير والتمييز والوصول إلى الهداية. واستعمال العقل لا بد أن يكون استعمالاً سليماً منطقياً، حتى يصل إلى النتائج السليمة، وذلك من خلال البدهيات التي أوجدها الله في عقل الإنسان، ومن خلال جمع الحقائق المعلومة الثابتة ثم استنباط نتيجة صحيحة منها، وباستعمال براهين وحجج وأدلة سليمة تدل على النتيجة، ومن خلال الاستقراء والاستنتاج، وبالاستفادة من الحقائق التي توصل إليها الآخرون.

وتكون تزكية العقل بتوجهه إلى طلب الحق والهداية؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: 17) أي إنك إذا سلكت طريق الهداية، بحرصك على الحق، وبطلبك الهداية إليه، وبسلوكك سبيل معرفة الحق، وبحرصك على العملِ به؛ فإن الله يوفقك فيهديك إلى ما لم تكن قد عرفته ولا اهتديت إليه، ويوفقك إلى مزيد من أعمال التقوى. والعقل إذا استُعمِل ينفع صاحبه، لكنه إن اقتصر على التفكير به في جوانب دنيوية ولذَّات ومصالح قريبة، وأهمل التفكير به في الأمور المهمة والمصالح الكبرى، وفي البحث عن الحقائق الأولى في الوجود؛ فإنه لا يكون قد استفاد من عقله الاستفادة المطلوبة. والهداية تأتي في القرآن الكريم بمعاني متعددة، أحدها أنها تأتي بمعنى هداية العقل، وإعطائه القدرة على معرفة الحق والبحث عنه، فوُصول العقل إلى الحقائق هداية.

ورغم أن الحقائق الكبرى يمكن معرفة أكثرها وأهمها بالعقل، فالله تعالى لم يتركنا إلى عقولنا وتقصيرنا في استعمالها، بل أنزلها على لسان رسله، تنبيهاً إليها، وتذكيراً بها وتعليماً لها، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) (يونس:108) فما على الإنسان إلا أن ينظر ليجد الحق في هذه الشريعة، ويرى صحتها وصوابها، فإن اهتدى إليه فقد انتفع، وإن أضله وانحرف عنه فقد غوى، وأخطأ الطريق السليم.

والحقائق الكبرى التي يجب أن يهتدي إليها الإنسان ويبحث عنها هي أركان الإيمان، وما يتعلق بها ويُبنى عليها، فإن أخطأها ولم يصل إليها فذلك هو الضلال والانحراف الكبير، فمهما أصاب خيراً وعرف أموراً غير ذلك، فلن ينتفع منها ما لم يصل إلى ما هو أكبر منها وأَهمُ. قال تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً) (النساء: 136)

وما من شيء جاء به النبي r إلا وهو موافق للحق، فجازت تسميته بالهدى، ومن وصل إليه وأدركه فقد اهتدى، ومن لم يصل إليه فقد ضل، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: 33)

وتكون تزكية العقل كذلك بالاستفادة من العوامل المعينة للعقل في الوصول إلى الحق؛ فقد جعل الله تعالى للإنسان وسائل ومنبهات يمكن أن تنبه العقل إلى التفكير، أو تقرب إليه معرفة الحقائق، فبقدر ما ينتفع به منها، يصل إلى الحقائق بصورة أوضح وأسرع. ومن هذه الوسائل:

- نظر العقل في الآيات الكونية والآيات القرآنية، ودلالاتها: فالتفكر في آيات الله التي بثها في الكون، تثير العقل وتفكيره ليهتدي إلى الحق، أي إلى معرفة الحقائق الثابتة الموجودة، قال تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة: 242) وقال سبحانه: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد: 17) فنبه بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) على أن الآيات المبثوثة في الكون تثير العقل وتحركه نحو التفكير في الحقائق وإدراكها.

- خضوع العقل للمعجزات: يقول الله سبحانه: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة: 73) إن نظر الإنسان في المعجزات الخارقات للعادة التي أيَّد الله بها رسله عليهم الصلاة والسلام، توصله إلى أنهم حق مرسلون من عند الله، فما أجرى على أيديهم ما لا يستطيعه الخلق جميعاً إلا ليدلنا على أنهم مرسلون من عنده، وصادقون فيما يقولون، وفيما يخبروننا به عن الله، فالذي يلتفت إلى هذا، فيعرف أن ما أنزل من عند الله حق، فهو ذلك اللب والعقل والقلب: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) (الرعد: 19) فبدلاً من أن نبقى في غفلتنا أو ندعي عجز عقولنا عن الوصول إلى الحقائق، أرسل الله الرسل لينبهونا إلى الحق، ويخرجونا من غفلتنا: (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) (يس: 6)

- الرجوع إلى الوحي في معرفة الحقائق: ما دام قد ثبت بالمعجزة صدق النبي، وأنه صادق ولا يأتي بشيء من عنده، وإنما يأتي به من عند الله بالوحي، فلزم عقلاً أن يستسلم الإنسان لما يأتي من جهة الوحي؛ لأنه من عند الله، والله عز وجل أعلم منا وأعلم من جميع خلقه، فكيف نقدم علمنا وما استنبطته عقولنا على ما جاءنا من عند خالقنا؟ وليس ما جاء به الوحي -من كتاب أو سنة- مخالفاً لما تصل إليه العقول، وإنما هو مثير للعقول ومنبه لها على الحقائق، ودالاً لها على أشياء لا يمكن أن تصل إليها، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: 2) فما أنزل القرآن ليصرفنا عن عقولنا، بل لعلنا نعقل ونهتدي به إلى الحق. وما جاء به الوحي ولم تدركه العقول، فعلى العقول أن تسلم له؛ لأنه لا يتصور أن يكون خطأً لأنه من عند الله الخالق العليم الحكيم.

- الاستفادة ممن أخذ عن الوحي وتعلم منه: ومن أخذ عن الأنبياء وتبعهم وحمل علمهم من العلماء والدعاة والوعاظ الصادقين، فهم كذلك هداة إلى الحق، يقربون إلينا ما يمكن أن يهتدي إليه العقل، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (السجدة: 24) فالعاقل يستفيد منهم ويأخذ عنهم ما اهتدوا إليه من الحق، ويختصر على نفسه طريق الوصول إلى الحقائق، ويسألهم عن الحق فيدلونه، قال تعالى: (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرا) (الفرقان: 59) وقال سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: من الآية7) كما يستفيد الإنسان من علمهم المكتوب في كتبهم.

- الرجوع إلى الله تعالى الذي يملك العقول ويقدر على هدايتها: إذا وصل الإنسان إلى معرفة الخالق من خلال العقل أو الوحي، وأدرك أن الله هو المالك لكل شيء، وهو الذي بيده كل شيء، فعليه أن يتوجه بعقله إلى طلب الهداية منه، فهو يملك العقل وغيره ويملك هدايته. ورجوع العقل إلى الله وإنابته إليه من أعظم الأسباب التي تعطي الهداية، قال تعالى: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) (الرعد: 27) (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (الشورى: 13) وقال تعالى في الحديث القدسي: "فاستهدوني أهدكم،" فالله تكفل بهداية من يطلب الهداية منه.

- تَنَبُّه العقلِ عند الأحداث والبلايا التي توقظ العقل: جعل الله تعالى في هذا الكون وفي خلقنا من الأحداث والمواقف ما يوقظ العقل وينبهه، فمن ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر: 67) إذ ختم الله الآية بقوله (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) تنبيهاً لنا أن في مراحل حياتنا وفي موتنا ما ينبه العقل، ويوقظ العاقل، ويلفت نظره إلى غيب يؤثر في عالم الشهادة، يمكن أن تدرك العقول أثره ووجوده. والمواقف المنبهة لعقل الإنسان والموقظة له كثيرة، منها: موت قريب أو صديق، أو دفن ميت، أو حادث، أو مرض مفاجئ، أو خسارة تجارة، أو بلاء كبير، أو شيب الشعر، أو غير ذلك، قال تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ) (فاطر: 37)

- تَنَبُّه العقل من خلال الأثر الفطري في نفسه: فالله تعالى فطر النفوس وخلقها على حب الحق والميل إلى العبادة، فمن لم تتأثر فطرته بالمؤثرات السلبية والعوامل الخارجية المفسدة، كان قريباً في نفسه من الحق، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30)

وتكون تزكية العقل بمنع الأسباب والمؤثرات التي تحول دون استعمال العقل والفكر، أو تحول دون وصول العقل إلى الحق. ومن ذلك:

- عدم التكذيب بالحق ورفضه حينما يصل إليك أو تتوصل إليه؛ فالحق لا يجوز أن يجعل باطلاً، ولا يجوز لإنسان أن لا يقر به، وأي تكذيب للحق فهو رفض للصواب والخير، واختيار للباطل والشر، وإذا كان تكذيباً بالحقائق الكبرى فهو الكفر، لذلك كتب الله أن الهداية لا تدخل قلوب المكذبين والكافرين: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر: 3) وأعظم الظلم عدم الاعتراف بالخالق وحقِّه.

- عدم رفض أي حقيقة ثابتة؛ ذلك أن الهداية تحتاج إلى رغبة في معرفة الحق، وعزم على قبوله حين معرفته، فإذا تردد الإنسان في الواضحات، ولم يؤمن بها رغم وضوحها وثبوتها، فقد صادم عقله وتخلى عنه، وأعلن عدم الرغبة في الحق، فلا يهتدي بعد ذلك إلى خير ولا إلى حق، فهو كاذب حينما يدعي أنه يريد الحق في شيء وقد تخلى عنه فيما بان له واتضح، لذلك كتب الله تعالى أن لا يهدي من رفض الحق بعدما ظهر له، قال تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 86)

- عدم ترك العقل لقول الآخرين؛ فمن العوامل المضللة للعقل أن يعظم الإنسان الآخرين، آباءً أو غيرهم، ويعظم أقوالهم واعتقاداتهم، ويترك استعمال عقله وفكره. ولو استعمل عقله أو استمع إلى الوحي لعلم فساد اعتقادهم، وبُعدَهم عن العلم والحقيقة. وهذا التقليد للآخرين بغير هدى ولا علم يفقد الإنسان الهداية، لذلك فقد ذمَّه الله تعالى فقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) (البقرة: 170)

- ومنه الحذر من إلقاءات الشيطان ووساوسه وتشكيكاته؛ فالشيطان عدو، وظيفته الوسوسة بالشر والباطل، قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر: 6) وواجب الإنسان أن يحذر من الخواطر التي يلقيها الشيطان ليشوش على الحقائق ويثير الشبهات ويزين الباطل، قال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام:121)

والشيطان يستدرج الإنسان بأوهام لا حق فيها، فالعاقل يحاكم كل وساوسه، ولا يتبعه في أي فكرة، ولا أن ينطق بمنطق الشيطان الأعوج، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 208)

- ومنه عدم الغفلة عن استعمال العقل؛ فكثير من الناس يعيش عمره، ولم يفكر في أن هناك حقائق يجب أن يبحث عنها أو يفكر فيها، قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء: 1-3) ومنهم من يكون غافلاً عن استعمال عقله أصلاً، وغافلاً عن أهمية هذه الحقيقة أو تلك، لكنه لو نُبِّه يمكن أن ينتبه ويفكر، فيهتدي إلى الحق، فهذا غافل العقل. ومنهم من يكون غافل القلب عن أهمية الحقائق، رغم أنه يدركها بعقله، فذلك لو سمعها لم يلتفت إليها، ولم يتجاوب معها، ولم يقدِّرها، ولم يهتم بها.

وغالباً ما تنشأ الغفلة بنوعيها عن مسايرة البيئة التي نشأ فيها ومتابعتها وتقليدها من غير تفكير، كما تنشأ عن انشغال الإنسان بحاجاته الجسدية وغرائزه وشهواته ودنياه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ) (محمد:12) وقال: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) (التكاثر: 1)

ورضاهم بالدنيا، وحبهم لها، واكتفاؤهم واستمتاعهم بها، جعلهم غافلين لا يتطلعون إلى غيرها، ولا يفكرون في حقيقة أهم منها، قال تعالى: (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) (يونس:7) يعيشون في غفلة عن حقيقة أمرهم، فلا يعرفون من هم، ولا ما وظيفتهم المطلوبة منهم في حياتهم، ولا ينتبهون إلى من أوجدهم، ولا يلتفتون إلى مآلهم ونهاية حياتهم، فيعيشون حياتهم أشبه بحياة الحيوان، ويفكرون بمثل تفكيره، يظنون الحياة للمتعة والترفه والأكل والشرب واللهو، (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: 179) وقد وصفهم الله تعالى بالغفلة ليبين أن سبب حالهم من عدم الفقه والإبصار والسمع هو غفلتهم، فلا يخرج الإنسان من حالته التي هي دون الحيوان إلا أن يترك غفلته ويستيقظ، فكان أول الطريق السليم لسعادة الإنسان أن يطهر نفسه من غفلته باليقظة والانتباه إلى شأنه وما هو مطلوب منه.

ومن رحمته سبحانه أنه يُمهِل خلقه حتى يصلهم الإنذار والتنبيه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: 15) (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (الأنعام: 131) فإذا بقيت الغفلة رغم تنبيه العقل لم ينج الغافل من العقاب والعذاب، قال تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ) (فاطر: 37)

- ومنه أخيراً الحذر من تضييع العقل وتغييبه بالمُسْكِرات والمخدِّرات، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المائدة: 91) فالله تعالى لم يقبل لنا شيئاً يذهب عقولنا ويغيبها؛ إذ بقاؤها سبب في بقاء الهداية، ومن رضي بزوالها فقد رضي بالباطل والانحراف عن الحق.

نستخلص من ذلك أن استعمال العقل بالنظر والتفكير على وفق المنهج الصحيح الموافق للوحي أو المؤيد به؛ يعطي علماً ومعرفة بالحقائق، التي تشكل في مجموعها القيم الكبرى التي هي أساس الثقافة الصحيحة، فهي تُكَوِّن القواعد الأساسية والضوابط في حياة الإنسان على كل مستوىً، سواء على مستوى باطن الإنسان أو ظاهره، قوله أو فعله، ما يخصه وما يعم المجتمع، ما يتعلق بالمؤمنين وما يتعلق بغيرهم، وما يكوِّن النظرة الصحيحة إلى الدنيا، وما يدعو إلى استعمال الدنيا على الوجه الصحيح، الذي ينشئُ حضارة ذات أخلاق وتقدم، وما يكوِّن النظرة الصحيحة إلى الآخرة، والإعداد لها، والتأهل لنعيمها الدائم.

النظر العقلي في موضوعات التزكية وجوانبها

إن لكل جانب من جوانب تزكية النفس أساساً من النظر العقلي يرجع إليه، ويُبنى عليه، فما يعقله العقل ويدركه من الحقائق والعلوم هو الأساس الصحيح لسواه، ففي هذه الحقائق أساس للإيمان بها، وفيها أساس للقلوب وتوجهاتها ورغباتها، وفيها أساس للرجوع إلى حكم الله، وفيها أساس للعبادات، وفيها أساس للأخلاق، وفيها أساس للمعاملات، وفيها أساس للحضارة التي يجب أن تكون في البشرية، وغير ذلك.

1. ربط القرآن بين العقيدة وأحكامه التي بها تزكية النفوس:

لقد ربط الله تعالى في آيات كثيرة بين الإيمان، والأعمال، والأخلاق، والاستقامة عليها، وتحقيقها، فنجد كثيراً من الأحكام يبدأ الأمر بها بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) فما لم يكن إيمان بالحقائق والعقائد، لا يمكن أن يتجاوب الإنسان مع أمر الله وحكمه. ومن نماذج ربط الأحكام بالإيمان:

قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة: 228) فما لم يكن في الإنسان إيمان بالحقائق الكبرى كالإيمان بوجود الله وحسابه في الآخرة، لا يمكن أن يوجد التزام تام بمثل هذا الحكم.

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة: 278) فوجه الخطاب بترك الربا إلى المؤمنين، ثم ختم الآية بما يدل على أن من كان مؤمناً لا يمكن أن يتخلف عن هذا الأمر الرباني.

2. معرفة الحقائق أساس للإيمان بها، ولا تزكية إلا مع الإيمان:

فالحقائق المعقولة هي التي يجب أن نؤمن بها ونصدق بها؛ لأنها حق ثابت، ومالم يكن الإيمان بها موجوداً فلا قيمة لمعرفة هذه الحقائق، ولا قيمة للعلم بها؛ لأن معرفته بأنها حقائق يقتضي التصديق بها والإيمان بها. وما لم يكن إيمانٌ فلا تزكية؛ لأن أعلى التزكية أن تطهر اعتقادك من الباطل، وكيف تزكو نفس وهي تُنكِر الحقائق العظمى في الوجود مثل: حقيقة وجود الله وألوهيته وربوبيته وصفاته، أو حقيقة إرسال الرسل وإنزال الكتب، أو حقيقة اليوم الآخر.

وإذا وجد الإيمان فعنه يمكن أن ينشأ ما سواه من عبادة، ومعاملة، وأخلاق على الوجه الصحيح المطلوب، وإذا لم يوجد الإيمان فلا قيمة لما سواه، فلو أن إنساناً صلّى وصام وحسَّن أخلاقه، لكنه كان صاحب اعتقاد باطل يكفر به؛ ما فائدة عبادته وخُلُقه ؟ قال تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ) (المائدة: 5) فإذن أول ما نزكي به أنفسنا ونصلحه وننتبه إليه، هو شأن الاعتقاد والإيمان بالحقائق المعقولة، حتى نكون مقرين لله بالربوبية والألوهية وسائر صفاته التي تليق بكماله وجلاله، ولذلك كانت الخطوة الأولى في تزكية النفس هي معرفة العقائد الحقة، ومعرفة أدلتها، والإيمان بها.

وبناءً على ما سبق فإن أهل أَيِّ دين أو ملة مهما وجد عندهم من الأخلاق والمعاملات الحسنة وأوصاف التزكية؛ فإنها ما لم تكن مبنية على الاعتقاد الحق في الله، فهي صورة تزكية لكنها ليست حقيقة ولا قيمة لها، لذلك لا تتصور التزكية مع دين غير دين الحق، فلا تزكية لكافر على أي ملة كان، مع وجود عقائد باطلة عندهم، ومع عدم خضوعهم وإذعانهم للإسلام الحق.

3. بيان منطقية التزكية في جوانبها المختلفة، وابنتائها على الإيمان بالحقائق:

إنّ النظر العقلي والأساس المنطقي يقود إلى التسليم بأنّ الحكم لله وبلزوم عبادته. فالإيمان بالله وصفاتِه، له الأثر الأكبر في إيجاد التزكية والصلاح عند الإنسان في فكره، وقلبه، ونفسه، وقوله، وعمله، وخلُقه، فالعقيدة الحق هي التي الأساس الذي تُبنى عليه التزكية. وحتى يكون بناء التزكية صحيحاً، لا بد أن تكون المقدمات الإيمانية واضحة، وثابتة، ويقينيةً عند طالب التزكية؛ فالإيمان بوجود الله، أعظم حقيقة في الوجود، ويجب أن ننشئ حياتنا بناءً عليها، وذلك على الوجه الآتي:

- لما كان الله هو الخالق لكل شيء، فالوجود كلُّه له وكلُّه ملكه.

- ما دام الله هو ربنا وخالقنا ومالكنا، فوجب أن نتخذه إلهاً لنا نعبده (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) (يونس:3) وما دام غيره ليس برب لنا فكيف نعطيه الألوهية، وكيف نعبده وهو مثلنا: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (المائدة: 76) هذا هو الأساس العقلي الذي يقوم عليه تشريع العبادات، والعبادات هي أهم الأعمال التي تزكو بها النفس بعد الاعتقاد الحق، وبعد وجهة القلب السليمة.

- مالك الشيء أحق بأن يَحْكُم في ملكه، فالله أحق بالحكم في كل مخلوقاته. وما دام هو مالكنا وحده؛ فليس لأحد لا يملكنا أن يتدخل في طريقة حياتنا، ولا أن يحكم علينا، ولا أن يُشَرِّعَ لنا، بل المالك الخالق هو الذي له الحق في أن يحكمنا ويأمرنا بما يشاء، ويشرع لنا ما يريد (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ) (يوسف: 40) (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف: 54)

- ما دام الله هو الحاكم الآمر، الذي يستحق وحده أن يحكم، فلا بدَّ من طاعته في حكمه باتباع أمره وترك نهيه، والاستقامة على ذلك هو الذي يحقق التزكية على كمالها.

- لما كان أمرُه واجبَ التنفيذ، ونهيه واجبَ الترك؛ فلا بد أن نتعلم أحكامه من الأوامر والنواهي ونفهمها، لنُطبِّقها، وهذا العلم ينبغي أن يؤخذ من المصدر الذي أرسله إلينا والرسول الذي يبلغنا عنه، فنأخذ العلم من كتاب الله وسنة نبيه الصحيحة الثابتة عنه، ومما استنبط منهما أو بُني عليهما. فطلب العلم راجع إلى اعتقادنا بأن الله هو الحاكم المطاع، وطلب العلم جزء مهم من التزكية؛ لأن العمل بما تزكو به النفوس لا يكون إلا بعد العلم به.

- رجوعنا إلى القرآن الكريم وإلى الرسول r، متوقف على الإيمان بصدق الرسول، فلزم التأكد من وجود الصدق عنده، ولزم التأكد من تأييده بالمعجزة التي تقطع الشك به، فإذا أيده الله بمعجزة لا يقدر عليها البشر جميعاً فقد انقطع الشك، ووجب الإيمان بصدقه في كل ما ينسبه إلى الله ويبلغه عنه، ووجب طاعته فيه مما صحت نسبته إليه.

- حكم الله يشمل كل شيء في حياتنا، من أحكام تتعلق بقلوبنا ونياتها وأمراضها، ومن أحكام تتعلق بألسنتنا وأقوالنا، ومن أحكام تتعلق بجوارحنا وأعمالنا، ومن أحكام تتعلق بالعبادات فرضاً أو نفلاً، ومن أحكام تتعلق بالمعاملة مع الناس، مع الأفراد ومع المجتمع، على مستوى العلاقات الصغيرة في العائلة والجوار، وعلى مستوى العلاقات الكبيرة التي تحكم المجتمع المسلم، والتي تحكم التعامل مع غير المسلمين، ومن أحكام تحكم إقامة العمران والحضارة والتقدم، وغير ذلك. ومن تعلم كل أحكام الله ظاهراً وباطناً، وعمل بها جميعاً؛ فقد صارت نفسه متصفة بكل صفات التزكية.

ولا شك أن في كل أمر ونهي مصالح ومنافع يدركها العقل، ولكن سواء أدركها أو لم يدركها، فما ذكرناه كافٍ لإقناع العقل بوجوب الطاعة لله عز وجل. فإذا أدرك العبد هذه العقائد وعمل بمقتضاها، فذلك الذي يعطي حقيقة التزكية ويوصل إلى أحسنها؛ إذ سيكون بذلك موحداً، ومخلصاً لله، وعالماً بأحكامه، ومستقيماً على أحكامه في كل حال.

4. النظر العقلي أساس لتحديد أهداف التزكية:

إنه لا يمكن أن يكون الإنسان مخلوقاً عبثاً، وهذا أمر يدركه العقل ويدرك أدلته، فما دام الإنسان قد خلق لأمر ومقصد فلا بد أن يبحث عن هذا المقصد، ويتعرف عليه، والذي قد أخبر عنه الوحي بأنه العبودية لله الخالق، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)

ووجود هدف عند الإنسان يسعى إليه، هو الذي يشكل الدافع الأقوى للأعمال التي توصل إلى ذلك الهدف، وبقدر حضور الهدف عند من يزكي نفسه، تتولد همة إلى الأعمال الصالحة، وعفة عن الأعمال السيئة.

وأهداف التزكية كلها تدور حول معنى العبودية، لكنها بالالتفات من زوايا متعددة إلى ما تتضمنه العبودية من صفات قد تُسمّى بتسميات أخرى، فنقول: هدفنا مقام الإحسان، أي أحسن العبودية، أو نقول: هدفنا مقام الصديقية، وهي أحسن العبودية وأعلاها، أو نقول: هدفنا رضا الله، وإنما يكون رضاه بالعبودية له، أو نقول: هدفنا الجنة، والجنة تحصل بالعبودية؛ فعلاً للطاعات وتركاً للمعاصي، وهكذا.

5. أثر التعقل في الوصول إلى مقامات التزكية العليا:

إن العقائد المعقولة بالعقل فضلاً عن أنها تُنشئ أساس التزكية، فإن حضورَها في الذهن وتَذَكُّرَها والعمل على مقتضاها دائماً، يوصل إلى أعلى مقامات التزكية، وثمراتها العظيمة، ومنها:

- الإخلاص لله قائم على الحقيقة الآتية: حينما نعلم أن الله هو وحده الذي يستحق أن يعبد، وهو وحده الذي يستطيع أن ينفعنا أو يضرنا، فكيف نعمل عملاً نتوجه به لغير الإله المعبود بحق، وكيف نرجو بشيء من عملنا نفعاً ممن لا يملك النفع، فلا بد أن نتفانى في طاعة مولانا حتى لا يخطر في بالنا رياء لغيره؛ لأن مصالحنا كلها راجعة إلى الله.

- حب الله قائم على الحقيقة الآتية: الله تعالى هو المتصف بصفات الكمال والجمال، وهو المحسن المتفضل على جميع خلقه، فيجب أن نحبه لأجل ذلك، ولا بد أن نبني على حبه كل حب وكل علاقة؛ لأن مصالحنا ترجع إليه ومتوقفة على فضله، فعلاقتك الأهم هي التي يجب أن تكون أساس العلاقات الأخرى مع الخلق جميعاً، فنحب من أحب اللهُ ونواليه ونصاحبه، ونبغض من أبغض اللهُ ونتبرأ منه ونفارقه. وهذا يقتصي ذكره والحضور معه وترك معصيته.

- إن صفات الله تعالى وأسماءه هي من أعظم الحقائق التي يتوصل إليها العقل، ويدركها بنظره أو من خلال الوحي، والإيمان بها يشكل الأساس الأعظم لكل مقام قلبي من مقامات التزكية، تلك المقامات التي تظهر آثارها في عمل الإنسان، وقوله، وعبادته، وسلوكه، وخلقه، ومعاملاته. فالإيمان بأن الله تعالى هو الغفور والعفو والتواب والحليم؛ يقتضي التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى على الدوام والإنابة إليه. والإيمان بأن الله تعالى: عظيم، جليل، جبار، قهار، قادر على أن ينتقم ممن خالفه، يقتضي الذلة لله والخشية والخوف منه. والإيمان بأن الله تعالى يعلم ما يفعل خلقه ويسمعهم ويبصرهم؛ يقتضي المراقبة والأدب مع الله، وأن لا نعصيه. والإيمان بأن الله تعالى قادر على رحمة خلقه، ويعفو عنهم ويهبهم ويعطيهم؛ يقتضي الرجاء من الله. والإيمان بأن الله تعالى هو العظيم والمنتقم والجبار والقهار والجليل؛ يقتضي الخوف من الله. والإيمان بحقيقة أن الله تعالى هو الوكيل والقادر والمهيمن والنافع والضار والمعطي والمانع والمغني والهادي، يقتضي التوكل على الله، والاعتماد عليه، والاستمداد منه وحده، وعدم الاعتماد على الأسباب. والإيمان بأن الله تعالى هو الباقي الوارث، يقتضي الزهد في ما سواه من الدنيا والمال والشهوات والخلق؛ لأنهم إلى فناء، ويقتضي التعلق به وبما عنده، وأن لا نأخذ من الدنيا إلا قدر حاجتنا وحاجة من كلفنا الله به من: أهل، أو دعوة، أو جهاد، أو إقامة حكم الله، أو غير ذلك.

وهكذا فكل اسم من أسماء الله نعتقده ونقول به، يتطلب منا حالاً قلبياً يوافقه، ويؤثر في حياتنا ويوجهها، ويعطينا أوصافاً، نصير بها من أهل التزكية والصلاح، بقدر ما نعرف هذه الحقائق عن الله ونفهمها ونتذكر معناها.

6. النظر العقلي الموجب لمجاهدة انحراف القلب وأمراضه:

إن الحقائق العلمية والمعقولات التي يعقلها العقل، ويدركها ويفهمها ويدرك صحتها وأنها حقائق، لا تكفي وحدها لصناعة التزكية في الإنسان، بل لا بد أن يتجاوب في قلبه ونفسه معها. وما لم يجعل ميله القلبي والنفسي إليها، فإنها تصير كالمعدومة المجهولة عند من يميل بقلبه إلى خلافها.

فإذا كان قلب الإنسان لا يريد الخير والحق، وإنما يريد شهواته وغرائزه ومصالحه القريبة، سواء كانت خيراً أو باطلاً، فإن وجهة القلب هذه تجعله منحرفاً عن الحق رافضاً لتلك الحقائق، أو متغافلاً عنها، أو غير مذعن لها، بل قد يدعي أنها ليست بالحقائق وأنها باطل رغم ظهورها، كل ذلك ينشأ عن انحراف القلب وميله الباطل وهواه، وقد نبه الله إلى ذلك بقوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية: 23) فبيّن الله تعالى أن وجود العلم لم يمنع من الضلال، بسبب وجود الهوى، الذي يسيطر على الإنسان حتى يصير إلهاً مطاعاً من دون الله.

وقال تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة: 75) فبين الله تعالى أنهم رغم تعقلهم للحق لم يتبعوه، بل حرفوه وكذبوا بما أدركوا صوابه وأحقيته.

وقد أخبرنا الله سبحانه بها عن كثير ممن انحرفوا عن الحق إلى الباطل رغم علمهم ومعرفتهم بهذه الحقائق. فإبليس كان يعلم أن الله حق، وأنه الرب، فقد خاطبه بعد عصيانه بقوله: (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر: 39) وهو يعلم أن ما سيصنعه باطل وعصيان لله، ويعلم أن أمر الله لا يجوز أن يخالف، لكن وجود انحراف في القلب مرض جعله يغطي كل هذه الحقائق، ويسير طريق المخالفة لله، فما الذي جعله يفسق ويخرج عن أمر الله ؟ إنه مرض الكِبْر، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقر: 34) فبكبره كان كافراً، ولم ينفعه علمه ومعرفته بالحقائق.

وثمود قوم صالح، دلهّم الله على الحق والهدى، لكنهم مالوا إلى إغفال الحقيقة وكأنهم لا يرونها، قال تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (فصلت: 17)

وكثير من رجالات قريش عرفوا أن النبي محمد r حق، لكن حجبهم رغبتهم في متابعة الآباء تعظيماً لهم سواءً كانوا على الحق أو الباطل، قال تعالى: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (الزخرف: 22) ورفضوا الحق تعظيماً لكبرائهم ولأنفسهم، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف:30-31)

واليهود كانوا يعلمون أنّ الله سبحانه سيرسل نبيّاً ويعلمون صفاته، فلما جاء النبي محمد بالأوصاف التي يعلمونها، أنكروا ما يعلمون، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة: 89) وكل ذلك راجع إلى مرض في قلوبهم متمثل في استعلائهم على الأقوام الأخرى غير اليهود، فكلما أكرم الله غيرهم بشيء حسدوهم وأبغضوهم، وعملوا على إخراجهم عن الهداية كما أخرجوا أنفسهم، قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة: 109)

ومن خلال هذه النماذج يتبين لنا أن العقل، وما يدركه من علم، وما يعرفه من حقائق، لم يكن مانعاً وحده من الانحراف، إذا انحرفت وِجهة القلب ومالت عن الحق، وفي ذلك خطورة عظيمة، فهي لا تؤدي إلى المعصية فحسب، بل كانت سبباً في الكفر أحياناً.

وبناء على ما سبق يتبين أن القلب هو المُعَوَّلُ عليه في الهداية، ولا يكفي العقل والعلم، وإن كان لا بد من استعمال العقل، ولا بد من العلم الحق لحصول الهداية، فإذا وجد العلم بالحقائق يمكن أن يتجه القلب اتجاهاً صحيحاً أو خاطئاً، ووجهته هي التي تحدد الصلاح والتزكية، أو الفساد، وهذا ما قرره لنا النبي r بقوله: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب."

والواجب أن يكون اتجاه القلب متوافقاً مع العقل والعلم، فيكون سليماً، أما إذا خالف العقل والحقائق والعلمية، وبنى عواطفه وميوله وأهواءه على أساس آخر، فقد انحرف وفسد، ووجب على الإنسان أن يضادّ هذه الميول، ويخالفها، ويجاهد نفسه فيها؛ ليرد هوى القلب إلى مراد الشارع الذي يقتضيه العقل السليم.

ومن هاهنا كانت المجاهدة توصل إلى الهداية كما يوصل الإيمان إلى الهداية، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)(العنكبوت: 69) والمجاهدة في حقيقتها رجوع إلى العقل والحق، ذلك أن الإنسان كلما دعته نفسه وهواه إلى فعل أمر تشتهيه وتتلذذ به، ردها إلى ما يقضي به العقل، من أن مصلحة الآخرة ونعيمها، أعظم وأولى بالرعاية من المصالح الدنيوية، ولذاتها الصغيرة الفانية، حتى إذا استقر على هذه المجاهدات، ولم يترك النفس على هواها؛ فقد أثبت بذلك أنه لا يتبع إلا الحق، ولا ينحرف عنه، فيعينه الله ويشرح صدره بالحق الذي حَمَل نفسه عليه وأجْبَرها عليه؛ لأنه قد أثبت بمجاهدته أنه لا يريد إلا حكمَ اللهِ الحقَّ، ولا يقبل الباطل والهوى.

7. النظر العقلي الدال على منطقية تشريع الأخلاق:

الأخلاق كلها ترجع إلى العقائد وإلى ما يدركه العقل ويراه منطقياً، وهي ذات أهمية كبرى؛ لأن أكثرها فرائض؛ فالصدق فرض، والوفاء فرض، والصبر والحلم فرض، والعفة فرض، والتواضع فرض، وهكذا، لكنها غير متعلقة بالأعمال بقدر ما هي متعلقة بالنفس واتصافِها بهذه الأخلاق، فلو صدر فعل الصدق أو التواضع أو الكرم مثلاً من غير أن يكون له رسوخ في النفس، فلا قيمة له أخلاقياً، ولو اتصفت النفس بهذه الأخلاق فهي معتبرة وينتفع منها صاحبها، ولو لم تظهر فعلاً على الجوارح عند عدم وجود ما يقتضي ظهورها.

والله تعالى ربط لنا بين الأخلاق والعقائد، في مثل قوله: (أرأيت الَذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ؟ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) (الماعون: 1-7) فأبان أن إنكار اليوم الآخر والتكذيب به، سبب في فقد خلق الرحمة والشفقة والإحسان والتعاون، كما هو سبب في التهاون في العبادة وعدم الإخلاص. وذلك أمر منطقي يدركه العقل، فإن الإيمان بأنه لا بد من يوم يجازى فيه المحسن والمسيء، أمر يدركه العقل، ويقتضي اعتقاد ذلك وإدراك العقل له، أن يترك ما يكون جزاؤه أليماً، ويحرص على ما يكون جزاؤه حسناً.

ونجد أن النبي r يربط لنا أيضاً بين الأخلاق والإيمان بالله واليوم الآخر، في مثل قوله : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره.)

وإذا نظرنا في الأخلاق تفصيلاً، نجد لكل منها الأساس العقلي الذي يستدعيها، فالصدق -مثلاً- يرجع إلى إثبات حقيقة يحكم بها العقل، وهي أنه لا يصح أن يُجعل الحق باطلاً ولا العكس، والصبر يرجع إلى حقيقة يحكم بها العقل، وهي أنه إن صبر الإنسان أو جزع لا يستطيع أن يغير البلاء الذي وقع، ويرجع إلى حقيقة يدركها العقل من خلال الشريعة، وهي أن الدنيا محل للاختبار، فلا ينبغي أن يندفع الإنسان في ردة فعل حتى ينظر في عواقبها، وينتبه إلى أنها اختبار يراد منه قياس خلقه وصبره، والصبر في فعل الطاعات وترك المعاصي، راجع إلى نفس المنطق العقلي في وجوب الاتباع فيها.

وخلق الكرم والإنفاق مبني على عقيدتك بأن الله هو الرزاق، وأن بذل المال لله لا ينقص الرزق، فكيف يبخل في شيء لا يضره بذله، كما أن الكرم مبني على التوكل على الله والثقة به، فالله قد وعد بإعطاء من أعطى وبذل وكَرُمَ مثل ما بذل وزيادة، والله قادر على إنفاذ ما وعد؛ لأنه مالك لكل ما في الوجود وقادر على التصرف فيه، فثقة المؤمن بأن الله قادر على أن يخلف المتصدق والمنفق الكريم، واعتماده على الله أكثر من اعتماده على الأسباب؛ يقتضي أن لا يخاف من الكرم والبذل فيما فرضه الله أو ندب إليه. ووجوب الاعتماد على الله والثقة به وبوعده أمر معقول يدركه العقل، ذلك أن الله قادر وصادق، فلا يخاف من الإنفاق إلا من شك في صدقه في وعده، أو شك في قدرته على إعطاء المنفق.

كما أن في البذل والكرم والعطاء -سواء كان زكاة أو صدقة أو ضيافة أو غيرها- رحمة وإحساناً بالغير، ولا يخفى ما فيها من المصلحة المتبادلة بين الخلق، والبعد عن الأنانية التي تصنع الكراهية، وتذهب بالتعاون والألفة في المجتمع الواحد.

وخلق الشجاعة مبني على الثقة بالله والاعتماد عليه والحضور معه، فكيف يخاف وهو في كنف القوي، وهو مع الحفيظ سبحانه، وكيف يكون جباناً عن كلمة الحق، وجباناً عن مقارعة الباطل؛ وهو يعلم أن الله هو الذي يملك ما في السموات وما في الأرض، ولا يملك أن يؤذيه أحد إلا بإذن الله "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك،" ولا يملك أن يميته عدو (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) (آل عمران:154) وهذه أمور معقولة.

كما أن ترك الأخلاق المذمومة والرذائل له أساسه العقلي الذي يعتمد عليه، فمثلاً: ترك الظلم راجع إلى حقيقة الصدق، فلا يصح منع صاحب حق من حقه، ولا الاعتداء عليه، كما هو راجع إلى أمر آخر معقول، وهو أن الظلم سبب في هدم النظام، وهو مفسدة تفوت مصالح العباد، فلا يصح أن يأخذ أحدهم ما ليس له لمصلحة، ولذة لنفسه بغير حق، ويفوت مصلحة العموم في حفظ حقوقهم ومصالحهم الثابتة لهم.

8. النظر العقلي الدال على معقولية تشريعات المعاملات:

من جوانب تزكية النفس حسن المعاملة، وجريانها وفق الأحكام التي أمر الله بها. ويدخل في ذلك المعاملات المالية والأحوال الشخصية والعلاقات الدولية وغير ذلك. وتشريعات المعاملات في جملتها قائمة على الأخلاق، فالله تعالى أباح ما فيه مصلحة للعباد، وحرم ما فيه مفسدة لهم وضرر، وأقام أحكام هذه المعاملات على العدل ومنع الظلم، وعلى الصدق والوضوح ومنع الغش والجهالة، وعلى التآلف ومنع ما يؤدي إلى الخصومات والبغضاء. وهذه جميعاً أمور يدرك العقل حسنها ومصلحتها.

فالربا -مثلاً- وهو استبدال مال بمال أكثر منه بغير وجه حق، حُرِّم لما فيه ظلم واستغلال؛ إذ هو جشع من الأغنياء واستغلال لحاجة الفقراء، يزداد معه الغني غنى والفقير فقراً، وهذا يتنافى مع مبادئ الرحمة والإحسان والتعاون، التي يدرك العقل حسنها.

وحُرمت علاقة الزنا؛ لأنها تفتح باب الشهوة وتُخرِج عن العفة، وتقطع الرحم، فكيف يتولى والد ولداً لا يدري أهو منه أم من غيره، ولا يمكن أن تقوم على هذا الأساس الفاسد أسرةٌ لتحقق مصالح الإنفاق والسكينة والتعاون والمودة، وإذا لم يوجد والد يتكفل الأولاد، صار على الأم عبئان، عبء الحمل والإرضاع والرعاية، وعبء الإنفاق والعمل خارج البيت، وذلك تكليف لها فوق طاقتها، وراحة للرجل الذي لا ينفق إلا على نفسه؛ لأنه لا يعترف على أولاد المرأة الزانية، وليس هذا من العدل، وفي عدم رعاية الأب والأم لهم تضييع للأولاد، وهذا فساده ظاهر. أما جعل الإنفاق والعمل حقاً على الرجل، ففيه توزيع للمهام بين الرجل والمرأة، ولا يمكن أن يحصل ذلك إلا باشتراكهما الحقيقي في الأبوة، وذلك لا يكون إلا عند الاقتصار على الزواج دون الفاحشة.

بالإضافة إلى أن العمل بأوامر الله هو مصلحة واضحة، يدرك العقل وجوبها -كما بينا سابقاً- فطاعته مطلوبة في المعاملات وغيرها، حتى لو لم تدرك العقول مصالحها التفصيلية.

ومن أمثلة المعاملات وارتباطها بالعقل وما يدركه، علاقات السلم والحرب، ويدخل فيها الدعوة والنصح والإرشاد للآخرين، وهو أمر معقول؛ إذ إن ألوهية الله تقتضي أن يكون جميع خلقه عبيداً، فلا يصح أن يقول أحد أنا أعبده وما لي ولغيري، فواجب أن تكون سبباً في تعبيد الخلق جميعاً لله تعالى، والقيام بهذا الواجب سبب في إنقاذ الناس من النار، وهي مصلحة ظاهرة معقولة للآخرين، كما أنها تعود على الداعي والناصح بالمصلحة؛ لأنها سبب في صلاح البيئة حوله، مما يعينه أكثر على تزكية نفسه، والعلاقة مع الآخرين، وإقامة المصالح بينهم؛ إذ لا يصح أن تفوت المصلحة مع الخالق، لذلك لا يجوز إقرار أهل الباطل الذي خرجوا عن أمر الله، ووجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا بالغوا في المنكر إلى حد يفوت مصلحة الإيمان على الخلق، وجب جهادهم.

والجهاد فيه تضحية بالمال وتضحية بالنفس، وهو أمر منطقي معقول؛ إذ لا يصح لمخلوق أن يقر مخلوقاً آخر على معارضة خالقه، ولا يصح أن يقره على الباطل والفساد، خاصة وقد طلب الخالق من كل مخلوق أن يكون سبباً في هداية غيره، وسبباً في منع غيره من الباطل. ويظهر لك جمال الجهاد ومنطقيته، وما فيه من رحمة، إذا علمت أن المجاهد يبذل ماله ونفسه ويضحي بهما لينقذ غيره من النار، فيتحمل الأذى والجرح إحساناً إلى غيره، بأمر ربه.

والجهاد يشكل أهم أسباب الاستقامة والتزكية؛ إذ إن المجاهد يحس بأن الموت يمكن أن يأتيه في جهاده، فلا يبقى في تفكيره شهوة ولا عصيان، ويكون حريصاً على الطاعة والاستقامة والخلق، فبيئة الجهاد تربي على أسمى صفات التزكية وأعمالها. والمجاهد لا يتواني عن الجهاد خوفاً من الموت، لأمر معقول يعلمه، وهو أن الله هو المحيي وهو المميت، فإذا قاتل في سبيل الله وجاهد لا يأتيه الموت إلا بقدَرِ الله، فالقتال والعدو لا يقرب أجلاً، والنوم في البيت والجبن والاختباء لا يؤخر أجلاً.

والمعاملات والعلاقات بين الناس والعلاقة مع الكون هي أمور أحوجنا الله إليها واختبرنا بها، فلم يخلقنا الله كالملائكة لا يحتاج بعضنا بعضاً، وإنما جعل من عبادتنا تلك العلاقات وكيف نقيمها وماذا نهدف بها.

والهدف الأسمى لهذه العلاقات والمعاملات في دين الله أن تنشأ حضارة ذات قيم أخلاقية، راجعة إلى الحق الذي تدركه العقول، تحقق مصالح العباد، التي تعينهم على إقامة أحكام دينهم وعباداتهم وإصلاح ما من شأنه نفعهم في آخرتهم. فالعاقل يسعى لعمارة الدنيا على الوجه الذي يحقق له حاجاته، ويختصر عليه التعب، ويعينه على إقامة عبادته على أفضل وجه، العبادة بمعناها العام الذي يشمل العبادة الخاصة الفردية والعامة الجماعية، ويشمل المعاملة مع الخلق والعلاقات بينهم.

ولا يستطيع كل إنسان أن يقوم بكل حاجاته، فاحتاج الناس أن يقوم بعضهم بحاجة بعض، فلم يكن النظر في حاجة الإنسان إلى حاجته نفسه، بل النظر إلى حاجات الخلق جميعاً، ومجموع القيام بهذه الحاجات هو الذي يجب أن يشكل الحضارة، التي تنطلق من الاعتقاد الحق وتنضبط بالسلوك السليم الراقي، وتحقق حاجات الجميع بأيسر سبيل. لذلك فإقامة الحضارة والعمران أمر معقول، راجع إلى حاجة الجسد إلى ما سُخِّر له في هذا الكون، وإلى حاجة البشر إلى التعاون فيما بينهم لتحقيق حاجاتهم مجتمعين، "إن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً."

والعمران والتقدم في أسباب المدنية منه ما هو حد واجب، وهو ما يتحقق به قضاء حاجات الإنسان وبقاؤه ونصرته للحق الذي يعينه على تحقيق المصالح الأخروية، والقيام بهذا الحد هو من التزكية، وما زاد على ذلك فلا يجوز أن يكون على حساب الواجبات الدينية، وليس من المنطق أن يقدَّم على الاجتهاد في الطاعة التي بها مزيد النعيم في الآخرة؛ إذ لا يستوي عقلاً نعيم الدنيا القليل الزائل بنعيم الآخرة المقيم.

فليس من المنطقي أن أبني الدنيا وأسرف في الترفه فيها، لأخسر الربح الأخروي والمزيد من النعيم، وذلك الذي ذمه الله تعالى بقوله: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) (الأحقاف: 20) فعدّ العمران الزائد عن الحاجة، الشاغل عن الآخرة استكباراً، وقال تعالى محذراً من اتخاذ كل ربح لعمران الدنيا، بل تتخذ منه ما يعطيك آخرتك (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77) فالآخرة هي المقصود والمبتغاة بما أعطاك الله من مال ودنيا وعقل وجاه وقوة وسمع وبصر، والدنيا تأخذ منها نصيبك، وهو حاجتك والقدر الذي طالبك به الله لغيرك، وهذا النصيب يصير آخرة بالنية الصحيحة وبالرجوع إلى حكم الله في ما أعطاك.

وليس من المنطقي ولا الشرعي أن أقصر في: العمران، والتقدم، وبناء الحضارة، عن القدر الذي أحافظ به على بقاء الإنسان، وقدرته على القيام بمصالحه الحقيقية الأخروية، فلا يجوز لأحد من الناس أن يقصر في الأسباب التي تعين على بقاء الناس، وقضاء حوائجهم الجسدية الشخصية، ومن حوائجهم ما يعينهم على طاعتهم لله.

وعلى ضوء هذه المعاني مجتمعة تفهم حقيقة الزهد، فمن فهم الزهد على أنه الانفصال عن العلاقة الدنيوية فقد أخطأ، وربما قهرته الحاجة، فجاء التعلق بالدنيا من جهة حاجته ليخرجه عن زهده الذي يدعيه، ومن تعلق قلبه بالدنيا وشهواتها بدعوى حاجته إليها فقد جعل الدنيا هدفه ومقصوده، وذلك جهل بهوان الدنيا وأنها مطية لا مقصد، وهذا الذي بشر بالنار (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (الشورى: 20)

إن الزهد من أعظم أسباب التزكية؛ لأن الإنسان لا يُقبل على ربه، ولا يلتفت إلى آخرته، ما دام في قلبه تعلق بالدنيا وشهواتها، فوجب الزهد، لكن ما ذكرناه من حاجات الإنسان الشخصية وحاجات أهل الإيمان جميعاً، لا يجوز الزهد فيها، بل هي مما أمر الله به، فالالتفات إليها جزء من الإقبال على الله، وجزء من الاستعداد للآخرة.

9. النظر العقلي في الأذواق والكرامات:

إن لتزكية النفس ثمرات تنتج عنها، منها تلك المقامات التي ذكرنا أنها تقوم على الأساس العقلي الاعتقادي، ومن تلك الثمرات: المعارف والعلوم والفهوم، ومنها ذوق حلاوة الإيمان وطعمه، ومنها الكرامات التي يجريها الله على يد أحبابه وأوليائه، ومنها حياة القلب وبصيرته وإحساسه من سمع وبصر، وكل ذلك فيه نصوص تشهد له، وليس هنا محل بيان أدلة ذلك، وإنما نريد أن نبين الأساس المنطقي لكل من المقامات والمعارف والكرامات.

أما المقامات كالإخلاص والتوكل والخشية والرجاء والحب، فقد بيّنا أساسها الذي يولدها من المعقولات التي يدركها الإنسان ويعتقدها، وطبيعي أن تبدأ أحوالاً، تذهب وتجيء، تبدأ ضعيفة ثم تقوى وتزداد، ويزداد ثباتها ومدة حضورها في النفس بقدر وضوح المعقولات التي تنشؤها وبقدر تذكرها، لذلك ذكّرنا الله كثيراً بها وأمرنا بالتذكر (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأنعام: 152) حتى إذا قويت واستقرت سميت مقاماً، لإقامة الإنسان فيها أو إقامتها واستقرارها عنده.

أما المعارف والعلوم والأذواق الناشئة عن التزكية والإحسان والتقوى، فهي لا تخرج عما يدركه العقل، وهي راجعة إلى العقل، ومُدْرَكة به، ومهما ارتقت هذه الفهوم فهي لا تخرج عن الحق الثابت في الشرع.

ومخطئ من يتوهم أنها خارجة عن العقل، بل يكاد يكون منحرفاً، بل يمكن أن يكون فاسقاً إذا كان يُخرج النصوص عن معانيها الحقيقية باسم الفهوم والمعارف والعلوم اللدنية، بل يمكن أن يكون زنديقاً إذا ادعى خلاف الحقائق العلمية الاعتقادية الشرعية المعقولة.

وكل ما في الأمر أن بعض من أعطي فهم بعض المعاني الدقيقة الراقية، قد لا يكون أعطي القدرة على التعبير عنها، فإذا عبّر عنها أخطأ في تعبيره، وهو يقصد معنى صحيحاً، فيقع في الخطأ، بل ربما يقع في الكفر، جهلاً منه وقصوراً عن التعبير الصحيح عن المعلومة الصحيحة، لذلك وُصف النبي r بأن (نَذِيرٌ مُبِينٌ)(الذاريات: 51) لأنه أعطي القدرة على إبانة جميع ما يريد التعبير عنه من الحق.

وإذا كان قد أعطي الفهم وأعطي التعبير الصحيح، قد لا يكون السامع قادراً على الفهم لضعف في استعمال إدراكه وعقله، أو لذنوب تغطي عنه إدراك بعض المعاني والحقائق. وقد أشار النبي r إلى هذا الأمر حينما قال لابن مسعود: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة،" فما يُحدّث به قد يكون صحيحاً واضحاً لكن العلة في المستمع، وكذلك قال علي : "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله،" فالناس قد يُكَذِّبون الإنسان الذي يحدث بشيء لم يفهم عنه، ولا يُكَذِّبون الله ورسوله r، ومع ذلك فقد قال علي: أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن ما يتكلم به يكون صحيحاً عند الله وعند رسوله r، لكنه لما خرج مخرجاً غير واضح أو موهم لمخالفته للشرع والعقل؛ فإن الناس ينكرونه، وينكرونه على قائله، ولكنه لما كان صحيحاً عند الله ورسوله فكأنما كذبوهما، لأنه حق عندهما.

والبعض لا يقدر على التعبير الصحيح، فيتعلل بأنها معارف، وعلوم لدنية، وأذواق، لا طاقة لبيانها إلا بالذوق، ولا تدرك إلا بالذوق، وليس الأمر كذلك، فإن كل ذوق يمكن التعبير عنه تعبيراً صحيحاً، وإن لم يكن التعبير كالذوق ذاته، فمعلوم أن إدراك الإنسان بعينه وبصره ليس كإدراكه الشيء نفسه بالعلم، ومعلوم أن إدراك الإنسان لحلاوة الطعام أو مرارته بذوق اللسان؛ ليست هي نفس إدراكه لهما بالكلام عنهما والعلم بهما، لكن مع كونه ذوقاً لا يتم إدراكه الكامل إلا بذوقه؛ يمكن التعبير عنه تعبيراً يقربه ويكون صحيحاً لا يتنافى مع حقائق العقل والشرع.

أما الكرامات -والأذواق القلبية منها- فإنها ثابتة شرعاً، والعقل والعلم يقضي بجوازها وجواز حصولها، فالعقل لا ينفيها ولا يردها، ذلك أن إثبات الكرامات راجع إلى الإقرار بقدرة الله، وإثبات القدرة لله أمر معقول ثابت، والله تعالى قد شاء أن يكرم عباده ويؤيدهم بما هو خارج عن العادة، ثمرة إقبالهم عليه وكرماً منه، وتأييداً لدينه وانتصاراً لأهل الدين الحق، وتصديقاً لهم ولاعتقادهم، وقد ثبت ذلك بالشرع، والشرع ثابت صدقه وكونه من عند الله، فالعقل لا ينفي حصول الكرامات لأهل التزكية والتقوى والولاية، سيما وهي راجعة إلى فضل الله وعطائه وقدرته ومشيئته.

والكلام على ثبوت الكرامة في ذاتها، يختلف عن مسألة تصديقها أو إنكارها، فثبوتها وإمكان حصولها أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين، وعليه أدلة صريحة في الكتاب والسنة، أما مسألة تصديقها أو إنكارها، فذلك فيه تفصيل:

فإذا رأى الإنسان خارقة للعادة فإنه قد يشك فيها بسبب احتمال التباسها بالسحر ونحوه، والضابط الأهم في هذه المسألة أن الخارقة إذا صدرت عن الصادق الولي التقي، فالأصل عدّها كرامة، وإن صدرت عن الفاسق العاصي فاحتمال كونها استدراجاً أو سحراً يزداد. وإذا رويت للإنسان ففيها الاحتمالان السابقان، ويضاف إلى ذلك أن للسامع أن يطلب صحة الإسناد والرواية، فإن شك في صحة الرواية لم يجب عليه التصديق بما يُدعَى أو يُروى بأنه كرامة، بعد النظر في تقوى من جرت له أو على يديه.

وإذا توافرت دواعي التصديق هذه، فلا ينكرها بعد ذلك إلا من كان ضعيف الإيمان قليل اليقين، وهذا ما يشعر به حديث النبي  حينما جاءه رجل أراد أن يركب على بقرته، فالتفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث، فتعجب الرجل وأخبر النبي r فقال الناس: سبحان الله، أي تعجبوا، فقال النبي: "فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما،" فأبان بذلك أن أهل الإيمان واليقين يصدقون بمثل ذلك، ولا يستغربونه لأنه راجع إلى قدرة الله.

وكما لا يجوز الإنكار مع توافر دواعي تصديقها، كذلك لا ينبغي التهاون في تصديقها عند عدم توافر دواعيه، فلا ينبغي المبالغة بقبول أي رواية تروى في الكرامات من غير تثبت وتأكد من وقوعها.

خاتمة

إنّ تزكية النفس تطهير لها من كل سوء وترقية للنفس في الخير. وهي تشمل تزكية العقل والقلب والجسد، والجزء الأهم في التزكية هو تزكية العقل؛ لأنه الأصل الذي تبدأ منه التزكية، فالقلب والجسد ينبغي أن يرجعا في تزكيتهما إلى الحقائق التي يدركها العقل. ويمكن أن تدرك أهمية التزكية من خلال قوله تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: (وَيُزَكِّيكُمْ) (البقرة: 151) ومن كون التزكية لا تقتصر آثارها على الفرد بل تمتد إلى المجتمع.

ومن مسائل التزكية أنه لا بد من منع الأهواء النفسية والميول القلبية من الطغيان على الحقائق المعقولة، فمعرفة الحقائق وحدها لا يكفي؛ لأن القلب قد يتدخل في رد تلك الحقائق المعقولات لمرض فيه كالكبر والحسد والهوى، وقد نبه القرآن إلى ذلك من خلال قصص عمن كفروا وكذبوا بالحق.

وأهم الأمور التي تُبنى عليها التزكية وتُعدّ أساساً لتزكية القلب والجسد: هي الأمور التي يمكن التوصل إليها بالعقل من إثبات وجود الله، وإثبات كونه الرب المتصرف، وإثبات ألوهيته، وأحقيته في الحكم في خلقه وملكه، وإثبات وجود حكمه في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعن هذه الحقائق المعقولة تنشأ العبادة وتنشأ الاستقامة والحرص على الكتاب والسنة.

وقناعة الإنسان وإيمانه بأن الله تعالى هو الخالق المالك، يقتضي من الإنسان أن يذعن لله ويرجع إلى أحكامه. وإيمانه وقناعته بأن المصالح والمنافع التي يحتاجها كلها ترجع إلى الله، فليس أحد يعطيه وينفعه أكثر من الله، وقناعته هذه تُنشئ المحبة، والولاء والبراء، فأساس كل صلة بالخلق مبني على الصلة بالله، فلا يصح أن توجد صلة تفسد عليك صلة العبد بالله وعلاقة الإنسان به، أو تسبب غضب الله الذي بيده كل حوائجنا وخيرنا.

وإيماننا بأن الله وحده هو الذي يستطيع أن ينفعنا أو يضرنا، وهو الذي يملك ثوابنا أو عقابنا؛ يدفعنا إلى الإخلاص لله، فإن التوجه بالعمل لغيره لا يترتب عليه نفع، ولا يندفع به شر. وهذه الأمور السابقة: الإخلاص والحب لله ولمن يرضاه والاستقامة، هي من أهم أمور التزكية وعنها تنشأ أهم مسائل التزكية.

وكل اسم من أسماء الله نعتقده ونقول به، هو حقيقة تتطلب منا حالاً قلبياً يوافقها، يؤثر في حياتنا ويوجهها، بقدر ما نعرف هذه الحقائق عن الله ونتذكر معناها، وكل حال من هذه الأحوال هو صفة محمودة، إذا تحققنا بها نصير به من أهل التزكية والصلاح، فالأحوال والمقامات التزكوية: كالإخلاص والتوكل والزهد والشكر والخوف والرجاء والحب والرضا والتسليم، كلها ترجع إلى العقائد والمعقولاث الثابتة، وتنشأ عنها أعمال ظاهرة صحيحة.

والأخلاق التي شرعت لضبط المعاملات بين الخلائق، شرعت كلها على أساس منطقي، فيدرك العقل جمالها وصحتها والحاجة إليها، وكل خلق ممدوح له من الحقائق الفكرية ما يقتضيه، وكل خلق مذموم له من الحقائق الفكرية ما يقتضي تركه.

ومسألة إقامة الحضارة وعمارة الكون، أمر ينشأ عن حاجة الخلق إلى التعامل مع بعضهم ومع الكون، ولا يمكن أن تنفك البشرية عن حاجتها إليه، وما شرعه الإسلام في هذا الشأن فهو أمر معقول منطقي، وهو حاجة الجسد إلى ما سُخِّر له، وحاجة البشر إلى التعاون فيما بينهم لتحقيق حاجاتهم، ومن العمران ما هو واجب، وهو ما يتحقق به قضاء حاجات الإنسان، وبقاؤه، ونصرته للحق الذي يعينه على تحقيق المصالح الأخروية، والقيام بهذا العمران الواجب هو من التزكية ولا يضادها، وما زاد عن هذا الحد فلا يجوز أن يكون على حساب الواجبات الدينية، وليس من المنطق أن يقدَّم على الاجتهاد في الطاعة التي بها مزيد النعيم في الآخرة؛ إذ لا يستوي عقلاً نعيم الدنيا القليل الزائل بنعيم الآخرة المقيم.

ولا يمكن أن تكون الحقائق والمعارف التي تنشأ عن التزكية خارجة عن حد العقل، بل كلها راجعة إلى العقل، ومدركة به، ولا يصح الإيهام بأنها فوق طور العقل وإدراكه. أمّا مسألة الكرامات والأذواق عند أهل التزكية فإنّها ترجع إلى قدرة الله وعطائه، ولا ينبغي المبالغة فيها بقبولها من غير تثبت وتأكد من وقوعها.

المصدر: مجلة إسلامية المعرفة (بتصرف)

 
د. معاذ سعيد حوى
تاريخ النشر:2009-09-17 الساعة 17:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2209
مرات الطباعة: 532
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan