الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

طرق الإنجاب في الطب الحديث وحكمها الشرعي

د. بكر أبو زيد

 

لاشك أن نعمة الولد من أهم النعم التي منَّ الله بها على الإنسان، ولا يعرف قدرها إلا من حُرمها، والله يبتلي من يشاء من عباده بعدم الإنجاب؛ قال تعالى: )لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ( [الشورى: 49-50]، وقد ظهر في العصر الحديث مجموعة من الوسائل الطبية للتغلب على هذه المشكلة، من أمثال أطفال الأنابيب، والحقن المجهري، وغيرها من الوسائل، ونظرًا لما يحوط هذه المسألة من أهمية ومنعًا لاختلاط الأنساب الذي حرمه الشرع؛ فإنه من الضروري دراسة الأمر بعناية وروية.

ولابد في بداية البحث من بيان بعض القواعد الشرعية التي تساعد على فهم هذه المسألة، وأخذ الرأي الفقهي فيها على أساس من التأصيل العلمي الرصين.

القاعدة الأولى

«تواتر علم الناس وعملهم على أن عملية الإنجاب في سيرها الفطري والشرعي تبدأ من التقاء عضوي التناسل بين الزوجين، فيعلق حيوان الزوج المنوي ببويضة زوجته أمشاجًا في رحمها في ذلك القرار المكين، لتنمو خلال عدة مراحل حيث تتكاثر الخلايا، ويُنفخ فيها الروح حتى تنتهي عملية الحمل بولادة المولود, بإذن الله تعالى» (الطب الإسلامي، أحمد شرف الدين، ص391).

قال الله تعالى: )وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ( [المؤمنون: 12-14]، وقال تعالى: )فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ( [الطارق: 5-6]، وقال تعالى: )أَلَمْ نَخْلُقْكُّمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ( [المرسلات: 20-23].

وقال تعالى: )إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا( [الإنسان: 2]، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق؛ فقال: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) [متفق عليه، رواه البخاري، (3208)، ومسلم، (6893)].

القاعدة الثانية

لكل مولود بأبيه صلة: تكوين ووراثة، وأصل ذلك الحيوان المنوي فيه، وله بأمه صلتان؛ الأولى: صلة تكوين ووراثة، وأصلها البويضة منها، الثانية: صلة حمل وولادة وحضانة، وأصلها الرحم منها. فهذا هو المولود المتصل بأبويه شرعًا وطبعًا، وعلى هذه الصلة تترتب جميع الأحكام الشرعية التي رتبها الله تعالى على ذلك، فإذا كان الحيوان المنوي من رجل غريب متبرع لزوجة رجل ما؛ فهذا أمر أصبح مقطوع الصلة عقلًا وواقعًا، وطبعًا وشرعًا.  وإذا كانت البويضة من امرأة غريبة متبرعة لزوجة رجل آخر لقحت فيها، فحينئذٍ انفصمت إحدى الصلتين قطعًا، وهي البويضة من الزوجة ذاتها، وهذا معلوم الانقطاع عقلًا وواقعًا، وطبعًا وشرعًا.  وإذا كان مجموع الخلية الإنسانية الحيوان المنوي من الزوج، والبويضة من الزوجة، لكن زُرعا أو لُقحا في رحم امرأة أجنبية متبرعة، فالصلة الثانية للأم وهي الحمل والولادة منفصمة عقلًا وواقعًا، وطبعًا وشرعًا.

وعليه فإذا انقطعت الصلتان من الزوجة فهي ليست أمًّا بأي حال من الأحوال، ولا قائل بالأمومة من المسلمين ولا من سائر البشر أجمعين، وإذا تحققت الصلتان كانت أمًّا طبعًا وواقعًا وشرعًا، قال الله تعالى: )وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ( [المؤمنون: 12-13]. وبإجماع المسلمين، الضروري من الدين أن القرار المكين رحم الأم الشرعية لا غير، قال الله تعالى: )وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى( [النجم: 45-46]. والنطفة المحترمة من جميع الوجوه هي التي من الزوجين، وهي محل الامتنان من الله على عباده، ولهذا قال سبحانه ممتنًا على مريم عليها السلام: )مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا( [مريم: 28]، وقال تعالى: )وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا( [النحل: 78]، وقال تعالى: )إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ( [المجادلة: 2]، وقال تعالى: )يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ( [الزمر: 6].

وقال تعالى: )وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ( [النجم: 32]، وقال تعالى: )حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ( [لقمان: 14]، وقال تعالى: )حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا( [الأحقاف: 15].

فالأم في هذه الآيات هي الأم الشرعية، والأب المذكور في آيات كريمة وكثيرة من التنزيل هو الأب الشرعي، فالأبوة والأمومة الشرعية هي مجموع الهيئة الحاصلة للمولود، الذي وقع لقاحه وتكوينه بماء أبويه على فراش الزوجية، فحملت به أمه في بطنها مستقرًا في رحمها قراره المكين، فهذا هو المولود الذي يكتسب الأبوة والأمومة الشرعية، ومتى اختلت واحدة من هذه الصلات الثلاث، فالحال كما علمت قبل في صدر هذه القاعدة مفصلًا، والله أعلم.

القاعدة الثالثة

«التدافع بين المضار والمنافع، فحيث وقع التغلب فالحكم للغالب منهما حلًّا وحرمة، وحيث استويا صار مجال نظر الفقيه؛ وعليه فصور من التلقيح الصناعي تخضع لهذه القاعدة فيخرج عليها بالمقابلة بين مفاسده ومنافعه، وهذا ما سنراه بإذن الله تعالى في بعض صوره التي يمكن تخريجها على هذه القاعدة» (الطب الإسلامي، أحمد شرف الدين، 3/398).

القاعدة الرابعة

تفيد النصوص أن جسد الإنسان ومنافعه مملوكة له، لكن ليس له حق التصرف في هذا الملك إلا في حدود الشرع، فتصرفه منوط بالمصلحة شرعًا، فكما أن نعمة النظر مملوكة له، فليس له مد نظره إلى ما يحرم النظر إليه، وكما أن الشهوة مركبة فيه، وشُرع له إطفاؤها بماء الزوجية أو ملك اليمين، حرم عليه إطفاؤها بماء الزنا واللواط والاستمناء, وكما ملكه الشرع أن يطأ لطلب الإنجاب من ماء الزوجية، حرم عليه الإنجاب من غير ماء الزوجية ووعاء الحمل، فتدبر والله أعلم.

القاعدة الخامسة

إن مواطن الحاجات والضرورات قد لا يُفتى بها فتوى عامة، وإنما إذا ابُتلي المكلف استعلم من تسوغ فتياه لدينه وعلمه.

القاعدة السادسة

المتعين إخضاع الواقع لشريعة الله, وعليه فلا يجوز العكس إجماعًا.

القاعدة السابعة

حفظ النسب والعرض من مقاصد الشرع الأساسية، وهما من الضروريات الخمس التي دارت عليها أحكام الشرع وهذه القاعدة سد منيع للتلاعب بالخلية الإنسانية والبنية الآدمية، فلنقل: ما حجم الاضطرابات والشكوك، وعوامل التجريح والخدش التي ستحدثها هذه النازلة في الآدميين؟ وما آثارها على النظام الاجتماعي وترابطه؟؟

وما مدى صدمات المستقبل التي سيواجهها الإنسان؟ وما مدى أضراره العارضة الهادمة لبنيته؟ وما مدى سحق الطفل الأنبوبي والمولود الصناعي للمولود الطبيعي؟ وأخيرًا ما مدى سحق هذا للأخلاق والفضائل والكرامة والتكريم من الرب الرحيم بعباده، بمسار هذا الآدمي في جوهر نظيف يحمل الشرع الحنيف؟

قال الله تعالى: )وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ( [المائدة: 49]، وعليه فإن كل ما يقضي أو يغالب حفظ الأنساب والأعراض محرم شرعًا.

القاعدة الثامنة

«واجب حملة الشرع من أهل العلم تمحيص مكتسبات العلم الحديث على ضوء التنزيل؛ منعًا للمسلمين من التلبس بشطحات وهفوات العلم الحديث» [الإنجاب، ص(141-142)]، وواجب أهل الإسلام عدم الإقدام إلا بعد الفتيا من علماء الشريعة المستضيئين بنورها، والتولي عن هذين الواجبين سقوط في الحضر، قال الله تعالى: )فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ( [المائدة: 49].

الحكم الشرعي في المسألة

ولبيان الحكم الشرعي في هذه المسألة لابد من الحكم على كل صورة من صورالتلقيح على حدا، والتلقيح نوعان؛ داخلي وخارجي، والداخلي له أسلوبان والخارجي خمسة أساليب وهاك بيانها:

في التلقيح الاصطناعي الداخلي

الأسلوب الأول:

أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجل متزوج، وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته أو رحمها، حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيًّا بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما ثم العلوق في جدار الرحم بإذن الله، كما في حالة الجماع، وهذا الأسلوب يُلجأ إليه إذا كان في الزوج قصور لسبب ما عن إيصال مائه في المواقعة إلى الموضع المناسب.

الأسلوب الثاني:

أن تؤخذ نطفة من رجل وتُحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر، حتى يقع التلقيح داخليًّا ثم العلوق في الرحم كما في الأسلوب الأول، ويُلجأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيمًا لا بذرة في مائه، فيأخذون النطفة الذكرية من غيره.

في التلقيح الاصطناعي الخارجي

الأسلوب الثالث:

أن تؤخذ نطفة من زوج، وبويضة من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبار طبي بشروط فيزيائية معينة، حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تُنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة، لتعلق في جداره وتنمو وتتخلق ككل جنين.

ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده طفلًا أو طفلة، وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي الذي يسره الله، ووُلد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكورًا وإناثًا وتوائم، تناقلت أخبارها الصحف العالمية ووسائل الإعلام المختلفة، ويُلجأ إلى هذا الأسلوب الثالث عندما تكون الزوجة عقيمًا بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها ورحمها (قناة فالوب).

الأسلوب الرابع:

أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من زوج، وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة ليست زوجته ـ يسمونها متبرعة ـ ثم تُزرع اللقيحة في رحم زوجته، ويلجأون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلًا أومعطلًا، ولكن رحمها سليم قابل لعلوق اللقيحة فيه.

الأسلوب الخامس:

أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار، بين نطفة رجل وبويضة من امرأة ليست زوجة له ـ يسمونهما متبرعين ـ ثم تُزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى متزوجة، ويلجأون إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة فيها عقيمًا؛ بسبب تعطل مبيضها لكن رحمها سليم، وزوجها أيضًا عقيم، ويريدان ولدًا.

الأسلوب السادس:

أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين، ثم تُزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها، ويلجأون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل لسبب في رحمها، ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفهًّا، فتتطوع امرأة أخرى بالحمل عنها.

الأسلوب السابع:

هو السادس نفسه إذا كانت المتطوعة بالحمل هي زوجة ثانية للزوج صاحب النطفة، فتتطوع لها ضرتها لحمل اللقيحة عنها، وهذا الأسلوب لا يجري في البلاد الأجنبية التي يمنع نظامها تعدد الزوجات، بل في البلاد التي تبيح هذا التعدد.

هذه هي أساليب التلقيح الاصطناعي الذي حققه العلم لمعالجة أسباب عدم الحمل.

الحكم الشرعي

فما كان من هذه الصور فيه الماءان أجنبيان، سواء في أجنبية الحيوان المنوي والبويضة أم أحدهما، فإذا حملت الزوجة من مائين أجنبيين أو من بويضتها وماء أجنبي، فهو حمل سفاح محرم لذاته في الشرع تحريم غاية لا وسيلة قولًا واحدًا، والإنجاب منه شر الثلاثة فهو: ولد زنا، وهذا ما لا نعلم فيه خلافًا بين من بحثوا هذه النازلة، وهذا ما توجبه الفطرة السليمة، وتشهد به العقول القويمة، وقامت عليه دلائل الشريعة، وقد أبان الشيخ محمود شلتوت عن مجامع الاستدلال في هذا في فتاويه [ص(328-329)]، بما يشفي ويكفي فيحسن الرجوع إليه فإنه مهم.

وأما الصور التي فيها تلقيح ماء الزوجة بعد انفصام عقد الزوجية بوفاة أو طلاق أو كان الرحم أجنبيًّا مستعارًا، فهذان الفرعان يشملهما حكم الفرع الأول، وهو التحريم لعدم قيام الزوجية في الفرع الثاني، ولاختلال رحم الزوجية في الفرع الثالث، الذي هو من دعائم الهيئة الشرعية المحصلة للأبوة والأمومة، وقد أثبتت الإحصائيات والأخبار العالمية الموثقة وجود أعداد غير قليلة من القضايا والمنازعات على المواليد من هذه الطرق بين ذات الرحم وذات الماء، وبين ذات الرحم وصاحب الماء، وهكذا في سلسلة مشاكل طويلة الحلقات في ذات البنية الآدمية،كما أثبتت وجود ربع مليون طفل لا يُعرف لهم أب نتيجة التلقيح الصناعي.

وأما ما كان فيه الماء من الزوجين في رحم الزوجة ذاتها ـ ذات البويضة ـ حال قيام الزوجية بتلقيح داخلي أو خارجي، وهذا الفرع محل خلاف كبير بين علماء العصر على أقوال:

الأول: التحريم فيهما.

الثاني: الجواز فيهما بشروط.

الثالث: الجواز في الداخلي دون الخارجي بشروط.

الرابع: التوقف.

الخامس: أنه من مواطن الضرورات فلا يُفتى فيه بفتوى عامة، وعلى المكلف المبتلى سؤال من يثق بدينه وعلمه.

هذا مع اتفاق الجميع على أن هذا الطريق يحف به عدد من المخاطر والمحاذير، وبيانها على ما يلي:

المخاطر والمحاذير

1- ففي النسب: الاحتمال الكبير بحدوث الخطأ، بأن تؤخذ عينة من شخص وتُنسب لشخص آخر، فإذا استُبدل عمدًا أو خطأ ماء رجل أو بويضة امرأة بآخر؛ تحقق هدم المحافظة على النسب، وحفظه من ضروريات الشرع.

2- وفي العرض: فإن هذا المولود الذي حصل بطريقة يكتنفها الإخلال؛ سيعرض هذه البنية الإنسانية إلى توجيه الشكوك حولها، وتوسيع دائرة الكلام في الوسط الاجتماعي تصريحًا أو تعريضًا، والمحافظة على العرض من ضروريات الشرع.

3- وقد أثبت الواقع الأليم المطالبة بوجود بنوك المني مراكز لحفظ المني، وهذه سوق جديدة للمتاجرة بالنطف، ووجود طراز جديد لاسترقاق بني الإنسان، وعند قيام ذلك فإن عامل الحصول على المال ـ ونحن في عصر المادة ـ سيدفع من لا خلاق له بالتغرير بالرجل العقيم، بأن ماءه يصلح للإنجاب فيأتي محله بماء رجل آخر سليم من العقم، وهذا ليس ببعيد أبدًا؛ فهو امتداد لإفساد قديم عُرف في مصر باسم الصدفة، وهي طريقة بدائية، تقوم على أساس من التضليل، ذلك أن المرأة التي تشتكي عدم الإنجاب تذهب إلى من نصبت نفسها للعلاج، فتمدها المتطببة بصدفة فيها ماء رجل أجنبي لتضعها في قبلها فتحملها على أساس أنها دواء، وترتب لها أن يواقعها زوجها بعدها وتخبرها بأنها ستحمل بإذن الله تعالى؛ وبالفعل حملت المرأة ففوجئ زوجها بهذا، لأنه يعلم أنه عقيم لا يُولد له؛ فرُفعت القضية للمحكمة وانكشفت القصة قصة الصدفة، واتضح أن الولد من ماء أجنبي، فهو منفي النسب من زوجها.  فهذه القصة عملت عملها تحت ستار العلاج على شكل شعبي، واليوم تأتي نفس النتيجة على مستوى الطب الحديث بالتلاعب العضوي في الخلايا الإنسانية، بل في هذا تجسيد لطموحات أخرى أخذت تُستغل في: الحيوان، والنبات، وبدأ تطبيقها على الإنسان في عدة مظاهر منها:

1- بحث التحكم في جنس الجنين يكون ذكرًا أو أنثى.

2- إشباع الرغبة بجهاز إلكتروني.

3- تكاثر الخلايا الجسدية بتحويلها إلى خلايا جنينية.

4- وجود إنسان مجتر بخلط خلاياه مع خلايا بهيمية.

والنتيجة؛ إن هذه نتائج وخلفيات تالية لا يسوغ التمهيد لفتحها ودخولها على النوع الإنساني بصفة عامة، ولا على المسلمين بصفة خاصة، وعليه؛ يتعين سد أي وسيلة إلى هذا، وأن هذا الطريق من طرق الإنجاب هو عتبة الدخول للخوض في هذه البلايا.

5- إن هذه الطرق موصلة إلى المواليد التوائم، ومعلوم ما في هذا من مضاعفة الخطر على المرأة في حملها ووضعها؛ ذلك أن الطبيب عندما يشفط من مبيض المرأة مجموعة من البويضات قد تصل إلى اثني عشر بويضة، يضعها في أنبوب الاختبار لتلقيحهن، والطبيب إذا أدخل بويضة واحدة؛ فإن نسبة النجاح ضئيلة جدًّا لا تتجاوز 10%، ولهذا وللتطلع لنجاح اللقاح فإنه يدخل بويضتين فأكثر، وقد يحصل بإذن الله تعالى نجاحهما، فتعيش الأم تحت الخوف والخطر، ومعلوم أن الإنسان لا يسوغ له التصرف في بدنه بما يلحقه الضرر والهلاك.

6- ومن وراء هذه المخاطر مشكلة أثارت ضجة كبرى في الغرب هي، أنه من مزاولة العملية المذكورة يبقى لدى الطبيب في المختبر مجموعة من البويضات الملقحة مجمدة (الأجنة المجمدة)؛ تحسبًا لفشل العملية ليقوم بإعادتها مرة ثانية، وهكذا، لكن في حال نجاحها ما مصير هذه (الأجنة المجمدة)؟ فهو سبيل لنقلها إلى أجنبي عنها، وهذا ينسحب عليه الحرمة القطعية كما في النوع الأول من طرق الإنجاب، فقد وُجد مجموعة من النساء يُلقحن من ماء رجل واحد، فكأنهن أبقار يلقحن من ثور واحد، وهو سبيل لتنميتها في المختبر وإجراء تجارب طبية عليها، وفي هذا اعتداء على الحرمة الإنسانية.

7- أثبت الطب ازدياد نسبة تشوهات الأجنة بطريقته الحديثة هذه؛ وذلك أن الطب الحديث اكتشف في الطريق الطبيعي الشرعي للإنجاب وجود مقاومة للحيوانات المريضة والمصابة في صبغتها، وهذا ما يفتقده التلقيح الصناعي.

8- بل ثبت في الواقع الأليم الظالم، وجود شركات لبيع الأرحام وتأجيرها، وشركات لبنوك المني وبيع مني العباقرة والفنانين، وشركات لبيع الحيوانات المنوية والبويضات، وقد ثارت قضايا أمام القضاء بأنها مثلًا رغبت ماء رجل أبيض فولدت أسود أو بالعكس، أو أنها حصلت على ماء رجل مصاب بمرض جنسي، وهكذا مما يثبت أن الطب الغربي أخذ بتقدمه الجنوني إلى أعمال الانهيار الأخلاقي والكيان الإنساني من أساس بنيته، والله سبحانه لم يمن على عباده بخلقه لهم إلا بطريق الإنجاب الشرعي السليم من الشوائب في النسب والعرض.

9- إن في طريق الإنجاب هذه أبشع صورة للتعري وفحص السوءة أو السوأتين من رجل أجنبي عنها، بل وربما فريق عمل لها، وعمل الإنجاب لا يُحتسب ضرورة يُباح في سبيلها هذا التبذل والهبوط، هذه مجموعة من المخاطر والمحاذر التي تحصل فعلًا في هذه الطريق، ويرتقب حصولها فيكون سببًا ووسيلة إليها.

وعليه؛ فيظهر أن من نزع إلى المنع من باب تحريم الوسائل وما تفضي إليه من هتك المحارم، فإنه قد نزع بحجج وافرة، وما لبس المسلم في حياته ولآخرته أحسن من لباس التقوى والعزة، وعيشه في محيط الكرامة الإنسانية وسلامة بنيتها ومقوماتها، لتعيش في جو سليم من الوخز والهمس، محافظًا على دينه وعلى نفسه، وكما يحافظ على ماله من الربا وغباره، يحافظ على نسبه وعرضه من آثاره الضارة عليهما بالشكوك والأوهام، التي تصرع شرفه وعزته، وأخيرًا تخل بتماسك أمته وحفظها وصيانتها.

وقد عُلم من مدارك الشرع أن جملة من المحرمات قد تُباح في مواطن الاضطرار, والضرورة تقدر بقدرها، وعليه؛ فإن المكلف إذا ابتُلي بهذه فعليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصدر: موقع لواء الشريعة

 
د. بكر أبو زيد
تاريخ النشر:2009-02-03 الساعة 09:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1339
مرات الطباعة: 496
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan