الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

أعباءُ الفقه

أ. عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

 

يسعى كثيرون لتحقيق فضيلة ( الفقه في الدين )، و يجهدون لنوالها، حيث جاءت بها النصوص مُبَيِّنَةً فضلها و مكانتها، و من ذلك قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: (مَن يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدين)  رواه البخاري.

و السعايةُ في تحقيق ذلك ليست من الأمور ذوات السهولة و اليُسْر، و لا من الأعمال التي تُنال بالركون نحو الدَّعة، بل هي ذات أعباءٍ كبيرة، و ذات متاعب و إجهاد، و في بيان ذلك يقول ابنُ القيم يرحمه الله حالَ ذكره لاحتجاج الفقهاء بصحيفة عمروِ بن شعيب عن أبيه عن جده:  «و إنما طعن فيها مَن لم يتحمَّل أعباء الفقه …» أعلام الموقعين 1/35.

فراقَ لي بديعُ التعبير فأحببتُ أن أسيلَ حِبْر اليراع بإيضاحٍ لحقائق هذه اللفظة المُستكنَّة في ظلالها الوارفة.

بعد هاتيك التَّقْدُمة الآنفة فإنَّ من الضروريِّ علمُه أن أعباءَ الفقه نوعان:

الأول: عِبْءُ تأصيلٍ

فإن تحصيل الفقه في شريعة الله وظيفة كبرى، و مهمة عُظمى، بذل النُّجباءُ مُهج أرواحهم في تحصيله، و نقدوا نفيس أوقاتهم في تحرير مسائله، فغدا سائراً فيهم سير الدم في العِرْق، و لم يكونوا قط يستشعرون سهولةً فيه، و لا خفةً في تلقيه، فإنهم كانوا عالمين بشدائده، عارفين بغوائله.

ذلك أنه يتخذُ مساراً دقيقاً، ومسلَكاً صعباً ولا يعني توصيف صعوبته تيئيس من تحصيله، وإنما الشأن توصيف حالٍ ليس إلا، بخلاف غيره من فنون العلوم فإنه في نزولٍ عن دقته.

فالتأصيل الفقهي يُؤخذ عن طريقين:

الأولى: دراسةُ متنٍ فِقهيٍ:

 و تلكَ سابلة معروفة لدى المتفقِّهَةِ، إلا أنَّ لها نَهْجاً كسائرِ متون العلم حيثُ أنَّ المتون المقرَّر دراستُها في الفنون ترْتَكِزُ على ثلاثةِ أصولٍ:

الأصلُ الأوَّل: أن تكون مُعتمدةً في الفنِّ، يقول العلامةُ المَرْعَشِيُ  رحمه الله في" ترتيبُ العلوم " (ص /

80): … «بل المنقولُ من سيَرهم، والمُتبَادَر من كلماتهم في مؤلفاتهم أنهم تناولوا متون الفنون المُعتبَرة، وهي مسائلها المشهورة».

الأصلُ الثاني: أن تكون جامعةً لمسائل الفن، و يؤخذُ ذلك من كلام المَرعشي السابق.

الأصل الثالث: أن تكون مُختَصَرةً غيرَ مُطوَّلَةٍ.

و الدراسةُ للفقهِ عن طريقِ المتون الفقهيةِ أمتنُ من غيرها، لأسباب:

السبب الأول: أنها متون مُحقَّقَةٌ مُنَقَّحةٌ، فقد جرى على مسائلها بحثاً و دراسةً فقهاءُ كلِّ مذهب، فليستْ تأليفاً فَرْدياً في الجنوح بالاختيار، و ليست إلا أنها خُلاصةُ أبحاثٍ طويلةٍ للمسائل.

السببُ الثاني: أنها مُعتَنىً بها عنايةً تُوحي بقيمتها العلميَّة، فكمْ منْ: شارحٍ، ناظم، و مُحَشٍ، و مُتَمِّم، و مُدلِّلٍ، معلِّلٍ، و غير ذلك.

السبب الثالث: أنها أجمعُ للمسائلِ وأرْتبُ، فترى فيها ذكراً لأحكام المسألة على الترتيب الذي يجمعُ للطالبِ فِقهها، فترى تقديم الشروط على الأركان، و الأركان على الواجبات، ثم يليها السُّنن، و ما إلى ذلك.

بخلافِ غيرِها فلا تجدِ فيها تلك الصَّنْعةِ الدَّقيقة.

و هذه الأسبابُ هي التي اختصَّتْ بها متون المذاهب الأربعة الشريفة الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، و أما غيرُها فليسَ فيها شيءٌ من تلكم المناقبِ، بلْ فيها من الآفاتِ ما هو كفيلٌ بردِّها.

الثانية: تقريرُ المسألة الفقهية:

 فإنَّ الفقهاءَ أخذوا في تقرير المسائل الفقهيةِ طريقةً مُحكمةً مُتقَنَةً، أتوا فيها على فروع المسألة وجُزئيَّاتها، و بها تبرأُ ذِمة المُكلَّف، وخلافُ ذِي الطريقة لا يُستفادُ منها علماً ولا فقهاً.

فتقريرُ مسألةٍ عِباديَّةٍ لِتُضْبَط على وَفْقِ ما هو مُقرَّرٌ عند المذهب الفقهي المأخوذِ به تكون من جهاتٍ ستٍّ:

الجهةُ الأولى: شروطُ العبادة.

الجهةُ الثانية: أركان العبادة.

الجهةُ الثالثة: واجباتُ العبادة.

الجهة الرابعة: مُستحبات العبادة.

الجهةُ الخامسة: مُبطلاتُ العبادة.

الجهةُ السادسة: مَكروهاتُ العبادة.

ثُمَّ بعدَ ذلك يكون تحريرُ تلك الجهات السِّت من خلال مناحٍ ثلاثة:

الأولى: صُورةُ المسألةِ معَ حكمها.

الثانية: قيودُ المسألة.

الثالثة: ذكرُ الاستثناءاتِ إن وُجِدَتْ.

و يُلحقُ ذلك و يُتمَّم بشيئين:

أولهما: ضَبطُ الجهاتِ عداً و نحوه.

ثانيهما : دليلُ المسألة، والأدلةُ نوعانِ:

الأول: مُتفقٌ عليها، و هي: الكتابُ والسنةُ والإجماعُ والقياس.

الثاني: مُختلَفٌ فيها، وهي كثيرةٌ، ولكلِّ مذهبٍ مذهبُه في اعتبار الأدلة.

وَ بحْثُها منثورٌ في كُتُبِ أصولِ الفقهِ فَلْتُراجَع.

الثاني: عِبءُ تأهيلٍ

التصدِّي للتفقيه والتعليم من المناقب العظيمة، ومن المرتب التي أولاها العلماءُ اهتماماً وعنايةً، فكانت واضحة المعالم، بَيِّنَةَ الأصول والقواعد، و بالغوا في العنايةِ لِمَنْ يتصدَّى لبيان أحكام الشريعة، وإظهار أسرار الفقه في أعمال المُكلَّفيْن، فأتوا بأصولٍ وقواعدَ معتبَرَةٍ.

فلم يكن أمر التفقيه سبهللاً يسلكه كلُّ متمجهدٍ لا يفقَه ضبطَ اسم العلم، ولا كلُّ متعالمٍ لم يُجاوز عَتَبَةَ البداية، وإنما هو على ما ذكرَ من بيان لاهتمام الفقهاء به.

إذا عُلِمَ ذلك فإن التأهُّلَ نوعان:

النوع الأول: تأهيلُ تبليغٍ، و شأنُه تبليغُ العلمِ على وجههِ دونَ إقحامٍ لنفسهِ برأي يرتأيِهِ، أو قولٍ يقولُ به، ويأخذُ بذلك قانون التبليغِ وهو: «إيرادُ اللفظِ كما سَمعهُ من غير تغييرٍ» (فيضُ القدير)  للمُناوي (3/206).

النوعُ الثاني: تأهيلُ استباطٍ، وهذا النوعُ هو المشتغلُ بالاستنباطِ للأحكام من النصوص، والكلام عنه من جهتيْن:

الأولى: حدُّهُ، فهو: الذي يَسْتقلُّ بإدراك الأحكام الشرْعية من الأدلة الشرعية من غيرِ تقليد وتقيد بمذهب أحد الثانية: شروطه، إذِ المُتصَدِّر للاجتهاد شروطٌ، هي:

1. معرفةُ الكتاب، والمُرادُ: إدراك آيات الكتاب، والإلمامُ بمعانيها، والمُتَعَيِّنُ آيات الأحكام.

2. معرفةُ السنة، كالسابق في حدِّ المُراد.

3. معرفة اللغة العربية، والمُشْترَطُ العلمُ بما يتعلَّقُ بنصوص الأحكام.

قال الطُّوْفي يرحمه الله: «ويُشترَط أن يعرف من النحو واللغة ما يكفيه في معرفة في معرفة ما يتعلَّق بالكتاب و السنة مِنْ: نصٍّ، وظاهرٍ ومجمَلٍ، وحقيقةٍ ومجازٍ، وعامٍ وخاص، ومُطْلَقٍ ومقيَّدٍ، ودليل الخطاب ونحوه كـ: فحوى الخطاب، ولحنه، ومفهومه، لأن بعضَ الأحكام يتعلَّق بذلك و يتوقَّف عليه توقفاً ضرورياً.» شرْح مختصر الروضة 3/581.

4. معرفة مواقع الإجماع، وذلك لأمرين:

أ _ التحرُّز من القول بما يُخالفه، ويُلْحق بذلك: إحداثُ قولٍ ثالث.

ب _ التحرُّز من القول بالخلاف أو القول المهجور المتروك.

5. معرفة الناسخ والمنسوخ، حتى لا يستدل بنصٍّ منسوخ.

6. معرفةُ أصول الجرح والتعديل.

قال المرْداوي يرحمه الله: «لكنْ يكفي التعويلُ في هذه الأمور كلها في هذه الأزمنة على كلام أئمة الحديث كأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والدارقُطْني، و نحوهم؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجازَ الأخذ بقولهم كما نأخذ بقولِ المُقَيِّمين في القيم».  التحبير 8/3875 .

7. معرفة أصول الفقه.

فائدتان مُتَمِّمَتان:

الأوْلى: قال الصَيْرَفي يرحمه الله: «ومَنْ عرَفَ هذه العلوم فهو في المرتبة العليا، و من قَصرعنها فمقدارُه ما أحسن، و لن يجوز أن يُحيطَ بجميع هذه العلوم أحدٌ غير النبي عليه السلام وهو مُتفرِّقٌ في جملتهم».

البحرُ المحيط 6/203.

الثانية: قال الشوكاني يرحمه الله:  «ومنْ جعل المقدار المُحتاجَ إليه من هذه الفنون هو معرفةُ مُختصَرَاتُها، أو كتابٍ متوسِّطٍ من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعدَ، بل الاستكثارُ من الممارسة لها والتوسع في الإطلاع على مطولاتها مما يزيد المجتهد قوةً في البحثِ، وبصراً في الاستخراج، وبصيرةً في حصول مطلوبه.

و الحاصلُ: أنَّه لابُدَّ أن تَثْبُتَ له الملَكَةُ القوية في هذه العلوم، وإنما تثْبُتُ هذه الملَكَةُ بطولِ المُمَارَسة، وكثرة المُلازمة لشيوخ هذا الفن». إرشاد الفحول ص 234.

وبعدَ ذكرِ هذه الشروط المُؤَهِّلَةِ للتصدُّر للاستنباط في الشريعة نعرِفُ عِظَمَ الأمر، وخطورة الإقدام على مثل هذا.

فهذان عِبئانِ من أعباءِ الفقهِ، يَبِيْنُ منهما عِظَمُ قيمةِ الفقهِ عند العلماء، ومدى حاجةِ النَّاسِ له، وليس علماً يُؤخَذُ عبرَ حالاتٍ لا يُؤْبَه به فيها، وإنما أمرُه أن يُؤْخَذَ عن: قانون معتَبَرٍ، وبجدٍ وحزمٍ، وأن يكون ذلك مصحوباً بعملٍ في الباطن و الظاهر.

المصدر: موقع صيد الفوائد

 
أ. عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق
تاريخ النشر:2009-04-13 الساعة 09:00:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 1872
مرات الطباعة: 355
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan