الاستيطان في عهد حكومة نتنياهو

 

 
 

 


عبقرية الإسلام

 

يعود المفكر الإسلامي طارق رمضان المثير للجدل بعد الأحداث الإرهابية التي عرفتها أوروبا خلال السنة الماضية

 
 
 

يتحدث الدكتور،خليل جهشان،عن الفترة الممتدة من الستينيات مروراً بالسبعينيات باعتبارها \"فترة سد الفراغ،فلم يكن هناك شيء

 
 
الأكثر قراءة
الأكثر تعليقاً
 
الرئيسية » علوم إسلامية » دراسات فقهية

التكييف الشرعي للحقوق المعنوية وأحكامها الفقهية

أ. محمد صديق

 

الحقوق المالية المعنوية من القضايا المستجدة التي برزت بشكل واضح؛ نتيجة تطور الحياة المدنية والاقتصادية والثقافية والعلمية، فكثرت الأمور المعنوية ذات القيمة المالية، التي بات موضوع اختصاص أصحابها ومدى سلطاتهم عليها محل بحث ومناقشة. وقد انتهت كثير من القوانين الوضعية ـ على اختلافٍ بينها ـ إلى تقرير هذا الاختصاص، وتحديد سلطات أصحابها عليها، وقد أوجب ذلك ضرورات تشجيع النشاط الإنساني المبدع بكل صوره وحماية مكتسباته، ومنع صور التلاعب والتحايل والاستغلال لجهود الآخرين، وأي إثراء غير مشروع على حسابهم. وقد درس فقهاء الشريعة الإسلامية المحدثون هذا الموضوع، وبينوا استيعاب قواعد الفقه الإسلامي له، وأوضحوا حرص الشريعة على حماية هذه الحقوق وتنظيم أوضاعها بما يكفل تحقيق المصالح المشروعة، وصيانة قواعد العدالة، وحماية الحقوق من كل مظاهر الاستغلال والتلاعب. وأعرض فيما يلي المقصود بالحقوق المعنوية، وبعد ذلك أبين تكييفها الشرعي، ثم أنقل قرار المجمع الفقهي فيها، مبينًا الإشكالات عند أهل القانون، ثم الإشكالات عند الفقهاء.

الحقوق المعنوية بين الشرع والقانون

الحقوق المعنوية: هي كل حق لا يتعلق بمال عيني ولا بشيء من منافعه، ومن أمثلتها في الزمن السابق؛ حق القصاص، حق الولاية، حق الطلاق، ومن أمثلتها في عصرنا الحاضر: حق التأليف، حق الاختراع، حق الاسم التجاري، حق العلامة التجارية. والحق المعنوي نوع من أنواع الحق المالي، وهو الذي يمكن تقويمه بالمال، فهو يعطي لصاحبه قيمة مادية تقدر بالمال أو النقود، والحق عمومًا في نظر فقهاء الشريعة: اختصاص ثابت في الشرع يقتضي سلطة أو تكليفًا لله على عباده أو لشخص على غيره. ويتجه الأستاذ مصطفى الزرقا في كتابه "المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي"، إلى ترجيح تسمية هذا النوع من الحقوق بحقوق الابتكار؛ لأن اسم الحقوق الأدبية ـ أحد المسميات المشهورة لهذا النوع من الحقوق ـ ضيق لا يتلاءم مع كثير من أفراد هذا النوع، كالاختصاص بالعلامات الفارقة التجارية، والأدوات الصناعية المبتكرة، وعناوين المحال التجارية مما لا صلة له بالأدب والنتاج الفكري.

 أما اسم حق الابتكار؛ فيشمل الحقوق الأدبية كحق المؤلف في استغلال كتابه، والصحفي في امتياز صحيفته، والفنان في أثره الفني من الفنون الجميلة، كما يشمل الحقوق الصناعية والتجارية مما يسمونه اليوم بالملكية الصناعية؛ كحق مخترع الآلة، ومبتدع العلامة الفارقة التي نالت الثقة، ومبتكر العنوان التجاري. وقد عرف القانونيون الحق المعنوي: بأنه سلطة لشخص على شيء غير مادي، هو ثمرة فكره أو خياله أو نشاطه؛ كحق المؤلف في مؤلفاته العلمية، وحق الفنان في مبتكراته الفنية، وحق المخترع في مخترعاته، وحق التاجر في الاسم التجاري والعلامة التجارية وثقة العملاء.تبين مما سبق، أن الأمر عند أهل القانون ضيق جدًّا، وأما الأمر في الفقه الإسلامي فيختلف؛ ذلك أن دائرة الملك في الشريعة أوسع منها في القانون، فلا تشترط الشريعة أن يكون محل الملك شيئًا ماديًّا معينًا بذاته في الوجود الخارجي، إنما هو كل ما يدخل في معنى المال من أعيان ومنافع على الراجح من أقوال الفقهاء، والذي معياره أن يكون له قيمة بين الناس، ويُباح الانتفاع به شرعًا، وهو ما تقرر وفق اصطلاح جمهور الفقهاء.

أقسام الحقوق في الفقه الإسلامي

 تنقسم الحقوق إلى ثلاثة أقسام: حقوق الله، وحقوق العباد، وحقوق مشتركة.

 أ- فحقوق الله يقصد بها تعظيم الله تعالى، وتتميز بأنه لا يجوز إسقاطها بعفو أو صلح أو تنازل ولا يمكن تغييرها، ولا تورث، ويجوز التداخل فيها؛ كمن زنى مرارًا، واستيفاؤها يكون من قبل الحاكم.

 ب- وحقوق العباد بضدها، ويُقصد بها مصلحة الشخص؛ كحفظ ماله، واستيفاؤها منوطٌ بصاحب الحق.

 ج- والحقوق المشتركة وهي التي يجتمع فيها حق الله وحق العباد؛ كالقذف، وعدة المطلقة، والحكم في هذا القسم أن يُلحق بما غلب عليه؛ فالقصاص مثلًا يغلب فيه جانب العبد فيجوز العفو فيه والصلح عليه.

 وحقوق العباد تنقسم باعتبار المحل إلى أقسام:

 أولًا ـ من حيث المالية تنقسم إلى:

 1- حقوق مالية، وهي التي تتعلق بالأموال ومنافعها:

 وقد قسمها ابن رجب إلى خمسة أقسام:

 أ‌-   حق الملك.

 ب‌-  حق التملك؛ كحق الشفيع في الشفعة، وحق الأب في مال ولده.

 ت‌-  وحق الانتفاع؛ كوضع الجار خشبة على جدار جاره إذا لم يكن ضرر على الجار.

 ث‌-  وحق الاختصاص؛ وهو ما يختص مستحقه بالانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته، وهو غير قابل للشمول والمعاوضات، ومنه مرافق الأملاك؛ كالطرق والأفنية، ومسيل المياه والأسواق، والجلوس في المساجد، فالجالس أحق بمجلسه إلى أن يقوم.

 ج‌-  وحق التعلق لاستيفاء الحق؛ مثل تعلق حق المرتهن بالرهن، وقال القرافي: (تمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط، وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل فيباشر بنفسه ويمكِّن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية) [الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، (2/2281)].

 2- الحقوق غير المالية:

أي التي ليس محلها المال؛ كحق القصاص، وحق الحضانة، وحق الولاية على النفس، وحق المرأة في الطلاق إذا حصل موجبه.

 ثانيًا ـ من حيث تعلقها بالشخص تنقسم إلى:

 1- الحق الشخصي: وهو ما يقره الشرع لشخصٍ على آخر، ومحله إما أن يكون قيامًا بعمل كالنفقة، أو امتناعًا عن عمل كحق المودع على الوديع في عدم استعمال الوديعة.

 2- الحق العيني: ما يقره الشرع لشخص على شيء معين قائم بذاته؛ كحق تصرف المالك في ملكه، وحق الارتفاق المقرر على عقار لصالح عقارٍ آخر؛ كحق المرور والمسيل ووضع الخشب.

التكييف الشرعي للحقوق المعنوية

 اختلف المتأخرون في التكييف الشرعي للحقوق المعنوية، والراجح في ذلك: أن الحقوق المعنوية هي حقوق غير مادية، ذات قيمةٍ مالية معتبرة شرعًا وعرفًا، ولها شبه كبير بالمنافع.والحق المعنوي قسيم للحق العيني والحق الشخصي؛ لأن الحق العيني عبارة عن سلطة معينة تُعطى لشخصٍ معين على شيء معين، وهذا الشيء المعين لابد أن يكون ماديًّا، ولما ظهرت الحقوق المعنوية اعتُبرت نوعًا مستقلًا من أنواع الحقوق المالية؛ لما تتصف به من خصائص تميزها عن الحقوق العينية والشخصية نتجت من كون محلها غير مادي.

 خامسًا ـ حكم بيع الحقوق المعنوية:

 اختلف العلماء في حكم بيع الحقوق المعنوية؛ فمنهم من أجاز ومنهم من حرمها.

 القول الأول: الحرمة:

 يقول الدكتور أحمد الحجي الكردي بعدم اعتبار حق التأليف؛ وبالتالي عدم حل المقابل المالي لهذا الحق؛ لما يلي:

 1- أن اعتباره حقًّا يؤدي إلى حبس المؤلف لمصنفه العلمي عن الطبع والتداول إلا في مقابل مال يحصل عليه، وكتمان العلم منهي عنه؛ كما في حديث: (من سُئل عن علم فكتمه؛ ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) [رواه أبو داود، (3660)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (3658)].

 وعلق العجلوني على هذا الحديث بما نقله عن المقاصد؛ فقال: (ويشمل الوعيد: حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع) [المقاصد الحسنة، العجلوني، (1/223)]، وأُجيب: بأن ذلك غير مسلم بدليل الواقع؛ إذ لم يمنع ذلك من طباعة الكتب ونشرها.

 2- أن العلم يعد قربة وطاعة، والقربة لا يجوز الحصول على أجر مالي في أدائها كما كان حال السلف الصالح، وأُجيب: بأن المتأخرين من الفقهاء أفتوا بجواز أخذ الأجرة على فعل الطاعات؛ كالإمامة والأذان وتعليم القرآن.

 3- أن حق المؤلف حق مجرد كحق الشفعة، فلا يجوز الاعتياض عنه، وأُجيب: بأنه قياسٌ مع الفارق؛ لأن حق الشفعة من الحقوق التي أثبتها الشارع لأجل دفع الضرر عن الشفيع فلا يجوز الاعتياض عنها، وأما حق المؤلف فليس لدفع ضرر عن المؤلف بل مقابل جهد فكري وبدني.

القول الثاني ـ الجواز، وهو الراجح:

 وقال به كثير من المعاصرين؛ ومنهم الشيخ مصطفى الزرقا، والدريني، والزحيلي، وغيرهم؛ واستدلوا بما يلي:

1- أن المنفعة ـ والمنافع ما يُستفاد من الأعيان ـ تعد مالًا عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، بدليل أن الأصل في المهر أن يكون مالًا، ومع ذلك يجوز أن يكون المهر منفعة كما يدل على ذلك قصة شعيب وموسى عليهما السلام، وإذا كانت المنافع وهي من الأمور المعنوية مالًا؛ فالإنتاج الذهني أيضًا يمثل منفعةً من منافع الإنسان.

 2- أن العرف جرى على اعتبار حق المؤلف في تأليفه وإبداعه، فأقر التعويض عنه والجائزة عليه، وهذا العرف لا يصادم نصًّا، والعرف له دخل كبير في مالية الأشياء؛ قال السيوطي: (لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يُباع بها، وتلزم متلفه وإن قلت، وما لا يطرحه الناس) [الأشباه والنظائر، السيوطي، (2/118)].

 3- أنه لا يجوز نسبة القول إلى غير قائله لينال خيره ويتحمل وزره، وقد روى الغزالي أن الإمام أحمد سُئل (عمن سقطت منه ورقة فيها أحاديث ـ أي كتبها فيها ـ فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها؟ قال: لا، بل يستأذن ثم يكتب) [إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، (1/442)].

 4- أن المؤلف مسئول عما يكتب؛ بدليل قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد} [ق: 18]، فيكون له بالمقابل الحق فيما أبدعه من خيرٍ عملًا بقاعدة "الغنم بالغرم"، وقاعدة "الخراج بالضمان".

 5- الإبداع الذهني أصل للوسائل المادية من سيارة وطائرة ونحوها، فلابد من اعتبار أن الأصل له صفة المالية.

 6- التخريج على قاعدة المصلحة المرسلة؛ لما في ذلك من مصلحة للمجتمع وللمؤلف والناشر، ومنعه قد يؤدي إلى الانقطاع عن التأليف للتكاليف المالية والذهنية وانعدام الحافز.

 وقد جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الحقوق المعنوية كما يلي:

 (إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت، من 1-6 جمادى الأول 1409هـ، الموافق 10-15 كانون الأول/ديسمبر 1988م، بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع الحقوق المعنوية، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله؛ قرر ما يلي:

أولًا: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العُرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتموُّل الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا يجوز الاعتداء عليها.

ثانيًا: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية، ونقل أيٍّ منها بِعِوَض مالي، إذا انتفى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أن ذلك أصبح حقًّا ماليًّا.

ثالثًا: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها).

المصدر: موقع لواء الشريعة

 
أ. محمد صديق
تاريخ النشر:2009-06-23 الساعة 10:15:00
التعليقات:0
مرات القراءة: 2176
مرات الطباعة: 387
نسخة للطباعة
أرسل إلى صديق
 
 

 
 
 

 

بالنقر على "إرسال" تكون قد قرأت و وافقت على الشروط والقوانين الخاصّة بالتعليق على المواضيع.

 


هل تعتقد أن المصالحة الفلسطينية تلبي طموح الشارع الفلسطيني وتغلق بوابات الانقسام؟
نعم
لا

 

 

 


 

 

 

 

الدراسات والمقالات والآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

[ الرئيسية ] [ من نحن ] [ اتصل بنا ] [ أعلن معنا ] [ ادعم موقعنا ] [ اجعلنا صفحة البداية ] [ أضفنا للمفضلة ]
2020 © مسلم أون لاين ، جميع الحقوق محفوظة - Powered by Magellan