مؤسسة فورد: المساحات المشتركة بين العمل الخيري والبحث الأكاديمي

ريهام أحمد خفاجي


يزداد دور المؤسسات الخيرية أهمية في تمويل العملية التعليمية والحركة البحثية في الولايات المتحدة مع التزايد المطرد لاحتياجات الجامعات ومراكز بحوث العلوم التطبيقية والاجتماعية، خاصة مع تقليص الدعم الحكومي للجامعات وقصره على المجالات ذات الصلة المباشرة باهتمامات الحكومة. وفي هذا الصدد يُثار التساؤل حول دور المؤسسات الخيرية الداعمة للجامعات والمراكز البحثية في بلورة اتجاهات علمية وسيطرة أجندة بحثية معينة على الحركة الأكاديمية في الولايات المتحدة باستخدام قدراتها المالية.

وتعد مؤسسة فورد واحدة من أهم المؤسسات الخيرية الأمريكية ذات الصلة بالعمل البحثي، ومن ثم فقد وقع الاختيار عليها لتكون موضوعا للبحث الذي يحلل دور المؤسسة خلال الفترة (1950-2004) في دراسة علم السياسة ويحاول الوقوف على أهم الاتجاهات البحثية التي دعمتها. وبصفة عامة تندرج الدراسة في إطار دراسات فرع الحكومات المقارنة في علم السياسة، باعتبارها تركز على إحدى مكونات النظام السياسي الداخلي، وهي مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية. وعلى الصعيد المنهجي تطبِّق الدراسة المنهج المؤسسي، وقد استعانت بأداتي دراسة الحالة والمسح الشامل.

تنقسم الدراسة إلى مقدمة وخمسة فصول وخاتمة. تتناول المقدمة الإطار المنهجي للدراسة والمفاهيم المستخدمة فيها. ويركز الفصل الأول على المؤسسات الخيرية الأمريكية، من حيث التعريف والسياق والأدوار والعلاقة مع الحكومة الفيدرالية، وأيضاً يبحث مصادر تمويل الجامعات الأمريكية والصعوبات المالية التي تواجهها. ويتناول الفصل الثاني مؤسسة فورد، من حيث أهدافها العامة وعلاقتها بعلم السياسة، فضلاً عن هيكلها التنظيمي وآليات عملها. ويبحث الفصل الثالث دور المؤسسة في تمويل دراسة مناهج البحث في علم السياسة، بينما يهتم الفصل الرابع بدور مؤسسة فورد في دعم دراسة العلاقات الدولية، وتحديداً دراسات الأمن الدولي ودراسات السياسة الخارجية الأمريكية ودراسات القانون والمنظمات الدولية، خاصة الأمم المتحدة. ويركز الفصل الخامس على دور المؤسسة في دعم دراسات المناطق في الجامعات والمراكز البحثية الأمريكية، من حيث استراتيجياتها في هذا الدعم والقضايا الممولة في مجالات دراسات المناطق. وأخيراً، تعرض الخاتمة رؤية للأبعاد المختلفة لدور مؤسسة فورد في دراسة علم السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتقدم طرحاً حول كيفية استفادة المؤسسات الخيرية في العالم العربي من نموذج مؤسسة فورد في تطوير العمل الخيري، خاصة في دعم بناء مجتمع المعرفة.

المؤسسات الخيرية: الاقتباس الأمريكي للوقف الإسلامي

رسمت الدراسة خريطة عامة للمؤسسات الخيرية الأمريكية، كمنظمات مستقلة مالياً وإدارياً، شهدت صعوداً كميًّا ونوعيًّا ملموساً خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بحيث تنوعت الجهات المنشئة لها وتزايدت قدراتها المالية، فضلاً عن توسع أنشطتها الاجتماعية، مستثمرة مناخاً سياسيًّا واقتصاديًّا ملائماً فيما بعد الحرب العالمية الثانية. وبرغم عدم انخراطها المباشر في الأنشطة السياسية، تمكنت المؤسسات الخيرية من توطيد علاقاتها مع الحكومات الفيدرالية المتعاقبة، بهدف تأمين مصالحها الاقتصادية، مقابل اضطلاعها بأدوار اجتماعية تخفف من الآثار الاجتماعية للنظام الرأسمالي القائم. وفي هذا الإطار، أسهمت المؤسسات الخيرية، خاصة المعنية بالتعليم والبحث العلمي، في مساعدة الحكومة في صياغة السياسات التعليمية وتطبيقها، كما امتد هذا التعاون الحكومي- الأهلي إلى الأنشطة الإغاثية والتنموية خارج الولايات المتحدة. وتمكَّنت المؤسسات الخيرية الأمريكية - بفضل هذه الجهود المحلية والدولية - فضلاً عن شبكات علاقاتها - الممتدة من لعب دور متميز على صعيد الفاعلين الاجتماعيين داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ويتشابه مفهوم المؤسسات الخيرية إلى حد كبير مع مفهوم الوقف في الخبرة الإسلامية، من حيث حبس العين، أي مال يمكن الانتفاع به، والتصدق بمنفعته حالاً أو مآلاً، للصرف منه على جهة من الجهات الخيرية، مثل الفقراء والمساجد والمستشفيات. كما تنشأ هيئة مستقلة لكل منهما، تكون متسقة مع إرادة وشروط المانح، ومسئولة عن إدارة المال المحبوس من جانب، وإنفاذ رغبات المانح الخيرية من جانب آخر. إلا إنه تظهر عدة اختلافات بين النموذجين.

فهناك التباين في منبع النشأة، حيث يرتبط الوقف الإسلامي بفكرة دينية محضة، بينما تغلب على المؤسسات الخيرية المبادرات المدنية والحوافز الحكومية، المتعلقة بالإعفاءات الضريبية، ويستثنى من ذلك بعض الأنشطة الخيرية للمؤسسات الكنسية. ويعزو بعض الباحثين وجود عديد من أوجه التشابه بين مفهوم الوقف الإسلامي والمؤسسات الخيرية الأمريكية إلى انتشار المفهوم الإسلامي للوقف في أوروبا، بداية من القرن السادس عشر الميلادي، كجزء من التفاعل الحضاري بين الغرب والعالم الإسلامي، على خلفية الحروب الصليبية. وقد انتقلت هذه الخبرة مع الأجيال الأولى من المهاجرين الأوروبيين إلى أمريكا، خاصة الفاعلين منهم في المؤسسات الكنسية الأوروبية.

ويلاحظ أن مؤسسة الوقف الإسلامي قد تمتعت في مراحل تاريخية سابقة باستقلالية إدارية عالية، مكَّنتها من تنويع أنشطتها الاجتماعية، مما سمح لها بممارسة دور ريادي في مجتمعاتها. إلا إن تقّلُّص هذه الاستقلالية تدريجياً لصالح هيمنة الدولة على نشاط مؤسسة الوقف تحديداً، والأنشطة الاجتماعية بصورة عامة، قد أضعف الدور الريادي لهذه المؤسسة. وفي المقابل، تمكَّنت المؤسسات الخيرية الأمريكية خلال القرن العشرين من توسيع مساحات حركتها الاجتماعية، وتوطيد أركان دورها المؤثر في المجتمع الأمريكي، بفضل تبني الحكومة الفيدرالية سياسة غير تدخلية في مجالات الحياة العامة.

مؤسسة فورد.. ميلاد نموذج

أسس هنري فورد وولده إدزيل مؤسسة فورد عام 1936 بمنحة مبدئية تقدر بخمسة وعشرين ألف دولار، واقتصر نشاط المؤسسة لما يزيد عن عقد ونصف على دعم العمل الخيري في المناطق المحيطة بمصانع شركة فورد للسيارات داخل ولاية ميتشجان، مخصصة الجزء الأكبر من هذا الدعم لصالح مستشفى هنري فورد ومؤسسة إديسون العلمية. وتولى فورد الابن رئاسة المؤسسة منذ إنشائها وحتى وفاته عام 1943، وخلفه هنري فورد الحفيد، حتى عام 1951. وبعد وفاة إدزيل عام 1943، ثم وفاة والده هنري فورد الأب عام 1947، تلقَّت المؤسسة هبات ضخمة من ميراثيهما في أسهم شركة فورد الأم، مما سمح لها بالتطلع نحو توسع أفقي ورأسي في نوعية أنشطتها ونطاق عملها، ودفع أسرة فورد لتكليف روان جيثير- وهو محامٍ مرموق- برئاسة لجنة لبحث مجالات ونطاق التوسع المتوقع. وقد أوصت اللجنة في تقرير أصدرته عام 1949 بتحول عمل المؤسسة من المحلية إلى المستويين الوطني والعالمي، كما حددت خمسة مجالات لعمل البرامج المقترحة: تأسيس السلام، ودعم الديمقراطية، وتقوية الاقتصاد، ودعم التعليم في مجتمع ديمقراطي، وأخيراً الاهتمام بالسلوك الفردي والعلاقات الإنسانية المتبادلة، ومثلت المجالات الخمسة محاور عمل المؤسسة لعقود تالية.

وقد برهنت الدراسة أن مؤسسة فورد قدمت نموذجاً متميزاً لدور المؤسسات الخيرية في دعم دراسة علم السياسة في الولايات المتحدة، بسبب التلاقي الواضح بين أهدافها العامة وبرامجها التفصيلية من جانب وبين التطور العلمي والعملي لعلم السياسة من جانب أخر. وقد انقسمت استراتيجيات فورد في دعم دراسة السياسة إلى إستراتيجيتين رئيسيتين:

أولاً، تكوين بنية تحتية للبحث السياسي، من خلال دعم إنشاء عديد من المراكز البحثية، سواء المستقلة أو المرتبطة بجامعات أمريكية، وتطويرها في مجالات البحث السلوكي ودراسات الأمن الدولي والسياسة الخارجية الأمريكية والمنظمات الدولية. ويضاف إلى ذلك دور المؤسسة المشهود في توطيد دعائم التكوين المؤسسي لدراسات المناطق في الولايات المتحدة. كما بذلت المؤسسة جهوداً ملموسة في دعم تدريب الكوادر البحثية المؤهلة، وأسهمت في تطوير المادة العلمية اللازمة لعملهم. وبفضل هذه الجهود، استطاعت فورد الإسهام بفعالية في إيجاد مؤسسات حاضنة، بمعنى "مأسسة الدراسات" للباحثين المتخصصين في مدارس فكرية وتوجهات بحثية محددة، مثل المدرسة السلوكية ودراسات المناطق، بما يضمن إنتاج دراسات مرتبطة بهذه التوجهات في المستقبل القريب والبعيد.

ثانياً: دعم مشروعات بحثية تستخدم مناهج بحثية معنية أو تدرس قضايا نظرية وتطبيقية محددة. قامت مؤسسة فورد بتقديم الدعم للعديد من المشروعات البحثية المعنية باستخدام مناهج بحثية أو دراسة قضايا نظرية وتطبيقية محددة، سواء من خلال تمويل إجرائها داخل مراكز بحثية أمريكية أو تمويل مشروعات ومسابقات بحثية تديرها فورد ذاتياً. واحتفظت فورد، من خلال تمويلها المباشر للمراكز المتخصصة، بقدرتها على التركيز على تمويل المناطق المهمَّشة والضعيفة أكاديمياً، مثل الدراسات الصينية في مراحل تاريخية معينة، أو القضايا المهمَلة بحثياً مثل: تحديات بناء الدولة في الدول النامية حديثة الاستقلال، وأعطتها زخماً بحثياً ومالياً إضافياً. واستخدمت المؤسسة عدداً من الآليات التنفيذية من أبرزها: المنح الدورية، والمشروعات المستقلة، والشراكة في دعم الحركة الأكاديمية في العديد من الجامعات والمراكز البحثية الأمريكية.

التفاعل بين رأس مال فورد وعلم السياسة

ساعدت جهود فورد على تحقيق تفاعل أكثر فعالية بين اهتمامات المؤسسة والدراسات السياسية، بما أهلَّها لتحقيق إسهامات ملموسة على ثلاثة مستويات هي المناهج، والمفاهيم، والقضايا المطروحة للبحث. فعلى صعيد المناهج، استطاعت مؤسسة فورد إعطاء دفعة قوية للمدرسة السلوكية واستخدام المناهج الكمية والنماذج الرياضية في دراسة علم السياسة. ونتيجةً لذلك، استبعدت التوجهات السلوكية والمناهج الكمية عديد من الأدوات التحليلية الكيفية مثل دراسات الحالة والتحليل التاريخي، وتوسَّعت الاستقصاءات الكمية كأداة تحليلية "علمية، " سعياً وراء نتائج قابلة للتعميم.

وعلى صعيد المفاهيم، أسهمت مؤسسة فورد في صياغة وبلورة عدد من المفاهيم الهامة في فروع علم السياسة، مثل دراسة القوة كعنصر من العناصر الجوهرية في الممارسة السياسية، وسعت إلى تطوير مؤشرات كمية لقياسها. وساندت فورد الأطروحات السلوكية حول الاحتكام إلى قوى السوق في توزيع مصادر القوة، مثل الثروة والتعليم، بافتراض المساواة في الفرص للجميع.

وفيما يتعلق بالقضايا المدروسة، اهتمت مؤسسة فورد بالقضايا المعاصرة ذات الأهمية النظرية والتطبيقية، فضلاً عن تركيزها على بحث العديد من القضايا المهمَّشة على صعيد الدراسات السياسية في الولايات المتحدة. واستطاعت من خلال تمويل مشروعات بحثية في قضايا تقع في دائرة اهتمامها إحداث تحولات نوعية في الدراسات السياسية، في مجالات الأمن الدولي والسياسة الخارجية الأمريكية والمنظمات الدولية ودراسات المناطق.

وبناءً على ذلك، أثبتت إسهامات مؤسسة فورد في المجالات المتعددة لدراسة علم السياسة فرضية الدراسة وهي أنه كلما ارتبطت فروع علم السياسة بأهداف مؤسسة فورد وفلسفتها العامة، زاد تمويل المؤسسة لهذه الفروع، وبالتالي تزايدت قدرة المؤسسة على توجيه الحركة التعليمية والبحثية بها، من حيث المفاهيم السائدة والمناهج المستخدمة والقضايا المدروسة. كما أن التحول في الأهمية النسبية للأهداف المرحلية للمؤسسة يلقي بظلاله على أولوية فروع علم السياسة المختلفة وآليات تمويلها على أجندة فورد.

المؤسسات الخيرية والسلطة السياسية.. علاقة جدلية

مثلت العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والمؤسسات الخيرية قضية محورية في عمل كلا الطرفين. فرغم أن عدم الانخراط المباشر في الأنشطة السياسية ظل سمة ملازمة للعمل الخيري في الولايات المتحدة، وفقاً للقوانين المنظمة لنشأة وعمل المؤسسات الخيرية، إلا إنه من الصعب قياس مستوى الانخراط غير المباشر لهذه المؤسسات في الحياة السياسية؛ فلاشك أن المؤسسات الخيرية، خاصة الكبرى منها مثل كارنيجي وفورد وروكفلر، كان لديها علاقة ذات وجهين مع السلطة السياسية، الوجه الأول يعكس سعي المؤسسات الخيرية لحماية مصالحها الاقتصادية وتحقيق أهدافها الاجتماعية والتعليمية، والوجه الآخر يمثل محاولات الحكومة الفيدرالية وممثليها المحليين لضبط دور المؤسسات الخيرية الاجتماعي، في إطار السياسات العامة للدولة، بل واستخدام تلك المؤسسات من أجل تحقيق هذه السياسات داخليًّا وخارجيًّا. وكما يعبر روبرت أرفون "فإن المؤسسات الخيرية، مثل روكفلر وكارنيجي وفورد، قد مارست تأثيراً قمعيًّا في مجتمع ديمقراطي، حيث شكلت تركيزاً غير منظم أو محاسب للثروة والقوة (...) وقامت بدور وكالات التهدئة، لإرجاء ومنع أية تحولات ثورية وبنيوية في المجتمع، من خلال المحافظة على نظام سياسي- اقتصادي عالمي المنظور، يفيد مصالح النخبة الحاكمة للمانحين والممنوحين."[1]

وفي هذا الصدد، برزت في إطار نتائج الدراسة عدة قضايا جوهرية هي: معايير ترتيب مؤسسة فورد لأولويات سياستها التمويلية، والظلال السياسية غير المباشرة للأدوار الأكاديمية للمؤسسة، فضلاً عن قضية الحرية الأكاديمية. فبرغم تأكيد القوانين الأمريكية على ضرورة عدم انخراط المؤسسات الخيرية الأمريكية في أي أنشطة سياسية مباشرة، إلا إنه يصعب القول بعدم وجود أبعاد وانعكاسات سياسية غير مباشرة للأنشطة الاجتماعية والأكاديمية المختلفة لهذه المؤسسات. فقد كانت التحولات السياسية الكبرى وارتباطها بالسياسة الخارجية الأمريكية، فضلاً عن الدور الرسالي للمؤسسة، من أهم معايير ترتيب فورد لأولويات سياستها التمويلية. كما عكست جهود مؤسسة فورد الأكاديمية إرادةً واعية للتمويل تهدف إلى إحداث تأثير مباشر في الحركة العلمية باستخدام وسائل غير مباشرة، مما وضع علامات استفهام حول مدى تمتع الجامعات الأمريكية والمراكز البحثية المدعومة بالحرية الأكاديمية والاستقلالية في البحث العلمي.

المؤسسات الخيرية العربية.. دروس عملية للتطوير

وفي هذا الصدد، يمكن تلخيص الدروس المستفادة من تجربة مؤسسة فورد لتمكين المؤسسات الخيرية في العالم العربي من المساهمة في تطوير العمل الخيري:

أولاً: المؤسسية، حيث امتلكت مؤسسة فورد رؤية رسالية واضحة المعالم وأهداف إستراتيجية محددة، ترجمت في صورة برامج وآليات عمل مفصلة. كما ظهر هيكلها الإداري متماسك ومنظم، وامتلك العاملين فيه قدرات عالية على العمل الفردي والجماعي. ولذلك، تمتعت فورد بقدرات مؤسسية متميزة، من حيث قدرتها على التكيف مع المتغيرات المحيطة، في صورة تعديل على برامجها التفصيلية، وتماسك بنيتها التنظيمية الداخلية، وكفاءة توزيع الأدوار الداخلية للعاملين بها. وأثبتت فورد قدرتها على الاستمرار كمؤسسة مستقلة عن أشخاص صانعيها.

ثانياً: استقلال التمويل، فقد حازت مؤسسة فورد وقفية ضخمة، تمكنت من خلال عوائد استثمارها من تأمين دخل مستمر لصالح خدمة أهدافها وتشغيل برامجها. وبالتالي، لم تكن المؤسسة بحاجة إلى تغيير رسالتها أو تعديل برامجها، بما يمكنها من الحصول على تمويل خارجي. وحافظت فورد على إرادتها الحرة، استنادا إلى استقلالية تمويلها، في تحديد أولوياتها وأهدافها الإستراتيجية وبرامجها التفصيلية.

ثالثاً: ضرورة التعامل مع المؤسسات الخيرية باعتبارها مؤسسات اقتصادية تدخل معترك العمل التجاري، وقد تجني من وراء ذلك أرباح أو تتعرض لخسائر. وفي هذا الصدد، يجب فرض الضرائب عليها، كبقية المؤسسات الاقتصادية الأخرى، سعياً وراء استبعاد الراغبين في الحصول على إعفاءات أو تسهيلات ضريبية معينة من الوقف لصالح المؤسسات الخيرية، وإخلاصاً لنوايا الواقفين لصالح الأهداف الخيرية والإنسانية. كما تسمح هذه الإجراءات بحصول المجتمع على حقوقه الضريبية من هذه المؤسسات، باعتبارها مكوناً من مكونات الحركة الاقتصادية في الدولة، عليها واجبات كما أن لها حقوق.

رابعاً: الاهتمام بالتمويل طويل الأجل، حيث سجلت الدراسة تركيز مؤسسة فورد، في كثير من الأحيان، على تقديم المنح لسنوات طويلة وممتدة. ويترجم هذا الاهتمام إدراك فورد لطبيعة الاستثمارات في العنصر البشري والمعرفة العلمية، والتي تقتضي طول الأمد، قبل جني ثمارها.

خامساً: احترام التخصصات، فقد اهتمت مؤسسة فورد بدعم دراسات العلوم الاجتماعية، والأنشطة المدنية المرتبطة بها. وبالتالي، تكون لديها فريق من العاملين المتخصصين، تمكنوا من فهم مواضع التأثير والتأثر في هذه القضايا والأنشطة الاجتماعية. كما استطاعت بتخصصها في تمويل دراسات العلوم الاجتماعية تحديداً إحداث فروق ملموسة في البنية المعرفية لهذه العلوم، والتأثير فيها بحثيًّا وتعليميًّا لفترة طويلة.

البحث الاجتماعي.. أجندة بحثية مقترحة

وفي هذا الإطار، يمكن طرح أجندة بحثية لاستكمال أبعاد أخرى لهذه الدراسة تتكون من ثلاثة جوانب:

الجانب الأول هو محاولة استكمال ملامح دور مؤسسة فورد في دراسة علم السياسة على مستوى العالم، من خلال دراسة توجهات دعمها لمجالات الدراسات السياسية في الدول الأجنبية. فقد أُجريت عديد من المشروعات البحثية بتمويل من المؤسسة في الجامعات والمراكز خارج الولايات المتحدة، وركَّزت على قضايا سياسية واقتصادية متنوعة، وطورت فيها فرضيات ونتائج تستحق الدراسة والبحث. بل إن بعض هذه المشروعات البحثية انعكس، بصورة غير مباشرة، على الأنشطة البحثية داخل الولايات المتحدة. وكان البحث في هذا الاتجاه خارج نطاق الدراسة وقدرة الباحثة، لذا يمكن اعتماد التقسيم الجغرافي أو الموضوعي للبحث في الأنشطة الأكاديمية لمؤسسة فورد خارج الولايات المتحدة.

الجانب الثاني هو السعي لدراسة دور مؤسسة فورد وأثره على الصعيد السياسي-المدني. فقد انعكست الأدوار الاجتماعية للمؤسسة على الواقع السياسي، وكان لها آثار ملموسة. وقد كانت هذه الأدوار في إطار رؤية متكاملة للمؤسسة عن دورها وأولوياتها الاجتماعية وذات صلة بمصالحها السياسية والاقتصادية. ولا يقتصر الدور الاجتماعي للمؤسسة على الداخل الأمريكي، بل يمتد إلى الخارج الدولي، ويمكن استكمال دراسة الإطار العام لرؤية فورد وفلسفتها من خلال فهم واستيعاب هذه الأدوار المتشابكة.

الجانب الثالث: محاولة الاستفادة من نموذج مؤسسة فورد في تطوير العمل الخيري في المجتمع الإسلامي على صعيدين أساسيين؛ الصعيد الأول الاهتمام بدراسة البنية التنظيمية والهيكل الإداري وأساليب الإدارة الاقتصادية وآليات الدعم والتمويل لمؤسسة فورد، كنموذج للمؤسسات الخيرية المتميزة في النموذج الغربي، بغية الاستفادة من الجوانب الإيجابية فيها لتطوير مثيلاتها في المؤسسات الخيرية الإسلامية.

أما الصعيد الآخر فهو لفت انتباه المؤسسات الخيرية الإسلامية المعاصرة إلى أهمية تفاعلها مع عملية إنتاج المعرفة في مجتمعاتها. هذه الوظيفة التي اعتادت الأوقاف الإسلامية الانخراط فيها بفعالية لقرون طويلة خلت. فما زال نموذج الأوقاف الإسلامية يبرهن على قدرته وحيويته في تحقيق الدعم المستقل للحركة العلمية والأنشطة الاجتماعية، وهو ما استفادت منه المؤسسات الخيرية الغربية، مع إحداث قدر من الموائمة لواقعها، في إطار التوظيف العلمي لرأس المال بأبعاد اجتماعية وسياسية.

 

*باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة.

[1] Robert Arvone, "Introduction," in Robert Arvone (ed.), Philanthropy and Cultural Imperialism: the Foundations at Home and Abroad (Boston: G. K. Hall & Co., 1980) p.1

المصدر: بيبلو إسلام

تاريخ النشر:2010-03-09 06:04:48 الموافق:1431-03-23 14:04:48ـ | تمت قراءته: 1468 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=1228