أ.ب تسلط .. تجدها في المناهج العربية

أمل خيري


اسم الكتاب: السلطوية في التربية العربية

المؤلف: الدكتور يزيد عيسى السورطي

الناشر: عالم المعرفة

سنة النشر: عدد إبريل 2009

تتعدد مظاهر السلطوية في المجتمعات العربية ما بين سلطوية سياسية واجتماعية وثقافية وتربوية، لكن هذه الأخيرة لم تحظ بالاهتمام الكافي من الدارسين العرب، في الوقت الذي تعد فيه السلطوية عدوا لدودا للتربية، فالعملية التعليمية التي تقوم على العنف والقهر أقصر طريق لتحطيم الفرد وتدمير المجتمع.

لذا يأتي كتاب "السلطوية في التربية العربية" للدكتور يزيد عيسى السورطي الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة عدد أبريل 2009 ليلقي الضوء على أهم مظاهر السلطوية في التربية العربية وأبرز نتائجها.

التلقين يغرس الاستبداد

تتعدد طرق التدريس وإكساب المعرفة ما بين التلقين والمناقشة والتعلم الجماعي وحل المشكلات وغيرها الكثير، وعلى الرغم من ذلك فإن طريقة التدريس الرئيسية التي تستخدم على نطاق واسع في الوطن العربي هي التلقين والذي أطلق عليه باولو فريري "التعليم البنكي" وذلك سواء في التعليم المدرسي أو الجامعي حيث تختزل طرق التدريس في المحاضرة.

والتلقين طريقة تدريس تعمق التسلط وتغرس الاستبداد، حيث تعتمد على الترديد والحفظ بحيث لا يبقى مجال للبحث والمناقشة والتجريب، مما يضعف قدرة الفرد على الإبداع والابتكار، ويحد من قدرات العقل على التحليل وحل المشكلات، كما يعمل على تشجيع قيم الاتكالية والسلبية، فينحصر دور المتعلم في الاستماع وتغيب كل أشكال التفاعل بينه وبين المعلم، وفي الوقت نفسه يهمل حاجات الطلاب ولا يراعي الفروق الفردية، وغالبا ما يثير الملل والنعاس أحيانا!، وكنتيجة لذلك يتحول الطلاب لببغاوات تردد ما تسمع دون أن تعي أو تفكر، فالتلقين لا يبني الشخصية ولا ينمي العقل بل يضعف إنسانية المتعلم.

وتعد بعض المناهج الدراسية في الوطن العربي مصدرا خصبا من مصادر السلطوية، فأغلب هذه المناهج تم اقتباسها من الغرب وفرضت على الطلاب فرضا تعسفيا، وأغلب هذه المناهج تركز على المعرفة لا الطالب وبالتالي تنعدم مشاركة الطلاب في اختيار مناهجهم مما يجعلها لا تلبي احتياجاتهم، وفي ظل اعتماد المنهج على الكتاب المقرر وحده يصبح لمحتوى الكتاب قيمة مبالغة فيبدو الطالب سجين الكتاب، والمعلم ليس بأحسن حالا منه، فقد يجبر المعلم على تدريس مناهج دراسية قد يختلف معها وربما تحتوي على معلومات خاطئة.

والتقويم في معظم المدارس والجامعات يقتصر على الامتحان وحده والذي يصبح سيفا مسلطا على رقاب الطلاب يثير الرعب والقلق والخوف نظرا لدوره البارز في تحديد مستقبل الطالب، والامتحان لا يقيس سوى مهارة الحفظ وبالتالي فالتقويم غير شامل أو موضوعي، كما أنه يبرز النزعة الفردية بدلا من الروح الجماعية ويؤدي لتفشي المنافسة بدلا من التعاون والاهتمام بالمصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة.

الصف تهذيب وإصلاح

تلعب إدارة الصف دورا أساسيا في العملية التعليمية، وتعتبر الإدارة الصفية عملية تقوم على مجموعة من النشاطات التي يوفر من خلالها المعلم الظروف الميسرة للتعلم الفعال، وهناك اتجاهان رئيسيان في إدارة الصف، هما الاتجاه الوقائي الذي يقوم على استخدام كل الوسائل والأساليب الكفيلة بتجنب المشكلات الصفية، أما الاتجاه الآخر فهو الاتجاه العلاجي السلطوي الذي يعتمد على السعي لحل المشكلات بعد وقوعها، حيث يعتمد على فرض الضبط ولو بالقوة والقسوة، حيث الضبط يصير هدفا لذاته، ويشير واقع الإدارة الصفية في معظم بلدان الوطن العربي إلى شيوع نمط الاتجاه العلاجي السلطوي والذي ترتب عليه قلة احترام الطلاب للمعلمين وخروجهم على النظام وعدم اهتمامهم بالدراسة وتفشي ظاهرة الغش والعنف المدرسي.

وفي ضوء هذه الإدارة فغالبا ما تبنى العلاقة بين المعلم والطالب على التسلط والإجبار من جانب المعلم والخوف والإذعان من جانب الطالب، سواء في المدارس أو الجامعات أو حتى على مستوى الدراسات العليا، مما أدى إلى اكتساب كثير من الطلاب سلوكيات التمرد والعدائية، وحرمان الطالب من مهارات النقاش وتقبل الآراء المختلفة، وضعف حماس الطلاب لعملهم وضعف إشباع حاجاتهم وتثبيط روح المبادرة لديهم وخفض قدرتهم على اتخاذ القرارات.

التعليم التسلطي يحرم الطالب من دوره في المشاركة في العملية التعليمية مما يترتب عليه ضعف التحصيل الدراسي وانتشار السلبية وهجرة الخريجين والرضوخ والاستسلام والرضا الظاهري عن الواقع والتكيف معه وإعاقة الإبداع والابتكار/ وهو ما يؤدي للملل والضجر الذي يعد خصما لدودا للتعليم.

تلميذ بدرجة معلم!

تظهر السلطوية أيضا في الإشراف التربوي، ودور المشرف التربوي الرئيسي هو مساعدة وتوجيه المعلم لتحسين عملية التعلم ولكن الإشراف التربوي في الدول العربية يعبر عن عملية سلطوية مزاجية تفتيشية تهدف لتخويف المعلم وإحراجه وإظهار نقاط ضعفه فيصبح المعلم تلميذا والمشرف معلما تقليديا سلطويا يمارس التلقين والعقاب.

والإدارة التربوية عملية منظمة تهدف للاستخدام الأمثل للطاقات البشرية والمادية في العملية التعليمية، ولكنها في عالمنا العربي تتميز بغلبة طابع التسلط عليها والمركزية الشديدة حيث تتركز السلطة في ديوان الوزارة، إضافة لضعف كفاءة وقدرة كثير من مديري المدارس، ولا يختلف الوضع كثيرا في الجامعات التي يغلب عليها المركزية والبيروقراطية وهذه السلطوية في الإدارة التربوية ما هي إلا جزء من الثقافة السلطوية المنتشرة في الوطن العربي.

وفي التعليم الجامعي بالرغم من أن الحرية الأكاديمية تعني غياب القيود والإجبار والقهر عن نشاطات البحث والدراسة في الجامعات أو مراكز البحث، وهي تشمل حرية أعضاء هيئة التدريس والاستقلال الإداري والثقافي للجامعة وحرية الطلاب في التعبير عن آرائهم، إلا أننا من دراسة واقع الجامعات العربية نجد أن مفهوم الحرية الأكاديمية ما زال غامضا، مع ضعف حرية الأستاذ الجامعي في البحث العلمي والتدريس، حيث تضييق السلطات والأجهزة الرقابية، فالباحث لا يتمكن من تناول كثير من الموضوعات إلا بعد عرضها على سلسلة طويلة من القيود والرقابة، وفي هذا المناخ يصعب قيام بحث حقيقي لسيطرة الخوف على الباحث والذي قد يولد لديه الجبن والاضطرار إلى النفاق والسلبية، أضف إلى ذلك التسلط الإداري الجامعي والذي يؤدي إلى إهدار الطاقات وهجرة العقول والكفاءات، ويعود ضعف الحرية الأكاديمية في الجامعات العربية لمجموعة من الأسباب السياسية والتاريخية والاجتماعية، فالحرية الأكاديمية ما هي إلا انعكاس للحريات العامة في المجتمع.

التمييز التربوي

حرمان الفرد من حقه في التعليم يعد من أبرز مظاهر السلطوية في التربية؛ لأنه بالتعليم يتشكل عقل الإنسان وفكره ووعيه السياسي والاجتماعي، وفي ظل تفشي الأمية في مجتمعاتنا لتصل لنسبة 29.7% من سكان الوطن العربي، فإن الأمل في تغيير المجتمع بات ضعيفا بسبب التغيرات الهائلة والسريعة في المجتمع، والتي تجعل حياة الأمي بالغة الصعوبة، كما تواجه برامج محو الأمية عدة معوقات أبرزها ضعف الوعي بأهمية مشكلة الأمية، وضعف إعداد وتدريب المعلمين المختصين في تعليم الكبار، ونقص التمويل اللازم واعتماد أكثر برامج محو الأمية على العشوائية والأساليب القاصرة، مما يؤدي لظاهرة التسرب من فصول محو الأمية.

تعاني التربية العربية بشكل عام من مظاهر متعددة من التمييز التربوي بدءا من التمييز الطبقي حيث تتأثر فرص التعليم بالأصول الاجتماعية والاقتصادية للطلاب، ثم التمييز على أساس الجنس حيث ترجح كفة الذكور غالبا على حساب الإناث وأخيرا التمييز الجغرافي حيث ما زالت فرص أبناء الحضر في التعليم أكبر من فرص أبناء الريف.

وترتب على هذا التمييز التربوي زيادة التسرب والرسوب، وتهديد الأمن الاجتماعي والتربوي، فشعور الفقراء والنساء وسكان الريف بالغبن في المجال التربوي يعرض البناء الاجتماعي للتصدع، مما يضعف مناعة المجتمع العربي ضد الأخطار الداخلية والخارجية.

من مظاهر السلطوية في التربية تحويل التربية من رسالة سامية إلى سلعة تجارية تخضع لقانون العرض والطلب حيث انتشرت الدروس الخصوصية للقادرين، وانتشرت المدارس والجامعات الخاصة، كما تحولت المناهج الدراسية في أغلب الأحيان خاصة في الجامعات إلى مذكرات يروجها مؤلفوها بهدف الربح السريع، ساعد على ذلك اتباع سياسات الانفتاح الاقتصادي فأصبح ينظر للتربية على أنها عملية استثمارية لها عائد ومردود محسوب.

تحولت التربية من أفعال تنبض بالحياة إلى أقوال جامدة ومن سلوكيات حية إلى تنظير منفصل عن الواقع، فالتعليم يقوم على الحفظ واللفظية فيصبح عقل الطالب محشوا بكميات هائلة من الألفاظ والمعلومات.

ويعد فرض الانسحاب على الطالب من حاضره ومستقبله إلى الماضي صورة من صور التسلط فلا مراجعة أو تقييم للمناهج أو الأهداف التربوية، إضافة إلى جمود المقررات وعجزها عن إيجاد حلول ناجحة لتحديات العصر وضعف مواكبتها للاتجاهات الحديثة في التعليم، والفصل بين المعرفة والتطبيق، بل عراقة طرق التدريس وجمودها.

إعادة إنتاج التسلط من أبرز نتائج السلطوية في التربية العربية، فالمؤسسات التربوية والتعليمية بشكل عام تعمل على تثبيت التسلط وتكريسه وتنميته، فالمدرسة تتابع عملية القهر والشلل الذهني التي تبدأ داخل الأسرة ثم تتابع الجامعات ما قامت به المدرسة.

كما أن سيطرة السلطوية في التربية أضعف من كفايتها نتيجة قيام التعليم في العالم العربي بشكل عام على قاعدة تسلطية أساسها المعلم المرسل والطالب المتلقي، في الوقت نفسه نتج عن السلطوية تسهيل التغريب الثقافي والتربوي، حيث تنتج السلطوية التربوية جيلا ضعيفا ومحبطا لا يقوى على مواجهة المشكلات والتحديات التي تواجهه، فالشخصية التي تنتجها التربية التسلطية تتميز بالطاعة والخضوع والتنفيذ والاستسلام، ولا يمكنها التمييز بين الصواب والخطأ، وليس لديها القدرة على المناقشة والنقد، مما يسر مهمة الغزو الثقافي وقبول مخلفات الثقافات الوافدة إليها، فكان من الطبيعي أن يتأثر النظام التربوي العربي بالغرب سواء في فلسفة التربية أو في المناهج الدراسية المقتبسة أو في انطلاق البحث العلمي من منطلقات وأطر غربية، كما رافق التخلف الثقافي والحضاري للأمة العربية ضعف شديد في مكانة اللغة العربية وتطاول بعض النخب المثقفة عليها مع إحلال اللغات الأجنبية محلها، والتي ترتب عليها انفصام لغوي وازدواج ثقافي لدى الطلاب وإهدارهم المزيد من الوقت في ترجمة ما يقرءونه وبالتالي غربة المثقفين عن مجتمعاتهم والذي هو امتداد لغربة المعلمين والطلاب.

الحرية لا التسلط

ويقترح الكاتب في ختام دراسته عدة مقترحات للتخلص من السلطوية في التربية العربية أهمها:

• إقامة العلاقات داخل الأسرة على أساس التفاهم والتحاور.

• إشاعة جو من الأمن والحرية في المجتمع.

• تحقيق الإصلاح السياسي وتعميق المشاركة الاجتماعية في اتخاذ القرارات.

• توفير العدالة في توزيع الثروات.

• محاربة الجمود الفكري.

• تطوير النظم التعليمية بتنويع طرق التدريس، وتوسيع مفهوم المنهج الدراسي ووسائل التقويم وتطوير مفهوم الإشراف التربوي، والسعي لتقليل المركزية، وبذل الجهود الحثيثة لمحاربة الأمية، وتبني المفهوم الشامل للإدارة الصفية وضمان الحرية الأكاديمية وربط التعليم بالحاضر والمستقبل.

المصدر: إسلام أون لاين

تاريخ النشر:2010-03-10 02:58:52 الموافق:1431-03-24 10:58:52ـ | تمت قراءته: 2144 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=1256