الأمن والحدود في التوافق الأميركي الصهيوني المفاوضات المباشرة بأجندة "آلون"

أ. ماهر رجا


يتحرك ميتشل إلى المنطقة.. يقف في القدس المحتلة ثم رام الله، ويغادرهما إلى القاهرة. يتحرك نتنياهو إلى القاهرة أيضاً، وفي رام الله يتحدثون عن اتصالات أخفض صوتاً مع إسرائيليين على هامش الحكومة، وبالمقابل، محمود عباس في القاهرة ثم عمان، ومن هنا وهناك تصريحات أميركية عن اقتراب العودة إلى المفاوضات المباشرة، مع تصريحات وتسريبات إسرائيلية مماثلة، والأقوال تتناقض ظاهرياً مع كلام للأمين العام الجامعة العربية عن عدم نضح الظروف للمفاوضات المباشرة وعدم وجود أي محفز إسرائيلي جدي.

هذه الصورة من الإيقاعات المتسارعة، ومع أنها تشير إلى اقتراب الأطراف من مشهد بداية جديدة عنوانها اليوم المفاوضات المباشرة، إلا ان الأهم فيها أنها تأتي على خلفية ظهور مقاربة أميركية تعتبر أن على واشنطن أن تعيد رسم إطار التعاطي مع أجندات ومواقف المتفاوضين.

جانب من ذلك تبدى في لقاء واشنطن بين أوباما ونتنياهو أخيراً، فالإدارة الأميركية قدمت من هناك - بعد وقبل اللقاء- ما يؤكد أنها غيرت الاتجاه في الأسلوب. ففي الأشهر الأخيرة كانت تصغي إلى قراءات إستراتيجية أميركية توصلت إلى استنتاج أن دفع حكومة الليكود إلى التفكير جدياً بالتوصل إلى حل سياسي يمكن إقناع السلطة الفلسطينية به ينبغي ألا يكون من خلال التفكير في الخطوة القادمة على نحو أميركي منفرد، إذ ان نتنياهو لن يرقص على لحن يختاره أوباما وحيداً، ويجب في البداية أن تنطلق السياسة الأميركية في تحركها من إقناع الحكومة الصهيونية الليكودية بجدوى وأهمية العملية السياسية، وأن تبدأ من إطلالة عبر النافذة التي ينظر نتنياهو عبرها إلى المشهد.

مقاربة من بوابة الأمن

تحت هذه الظلال تفاءلت مصادر صحفية أميركية قبيل جولة ميتشل الأخيرة في المنطقة بما أسمتها مقاربة أميركية جديدة لملف المفاوضات يمكن أن تكون مقدمات لانتهاء الاستعصاء السياسي الذي عانت منه ما تسمى بالعملية السياسية بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو.

نقطة التلاقي بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما في الصيغة الأميركية الجديدة هي إعادة الاعتبار لمقولة الأمن الإسرائيلي في الخطاب السياسي الأميركي. وقد نال هذا الشأن قسطاً كبيرا من حوارات نتنياهو أوباما الأخيرة ، وكما لم يحدث منذ وقت، سمعت أطقم الديبلوماسيين والسياسيين الصهاينة في واشنطن خلال الشهرين الماضيين كماً هائلا من عبارات التشديد على الالتزام بأمن إسرائيل بمبالغات لفتت انتباه الصحافة الأميركية، وحرص أوباما على أن يسبق كل أسلافه في هذا المضمار فاستخدم لغة بلاغية حين قال إن "إحدى مسؤولياتي الرئيسة هي الحفاظ على تفوق اسرائيل العسكري النوعي.. ندرك ان اسرائيل اليوم تواجه بعض التحديات القاسية في تاريخها، والإدارة تركز بشكل رئيس على امن إسرائيل بسبب التهديدات المعقدة بشكل متزايد والشديدة التي تواجهها في المنطقة، وإسرائيل حليف حيوي وحجر زاوية لالتزامات امننا الاقليمي".

بيد أن اهتمام إدارة أوباما بالتأكيد على أمن الكيان الصهيوني لا يهدف فقط إلى طمأنة نتنياهو حيال سلوك واشنطن وطبائع طروحاتها ومبادراتها السياسية على صعيد ملف عملية التسوية مع الفلسطينيين، ولكنه في الحقيقة منطلق تصورات وأفكار سياسية من الأرجح أنها ستلقي بظلالها بشكل مباشر على المفاوضات المقبلة. ويرجح مراقبون سياسيون في الولايات المتحدة أن يتمظهر هذا التوجه في التصورات التي سيقدمها الاميركيون كمادة أولى في المفاوضات في حال وافقت السلطة الفلسطينية على خوض المفاوضات المباشرة.

في الكيان الصهيوني يقولون إن حكومة نتنياهو تبدو ولأول مرة مستعدة للخوض دون مخاوف في تسوية يقودها الأميركيون، فقد غيبت الإدارة الأميركية من حقيبة مبعوثها مسألة بحث وقف الاستيطان، ودفعت السلطة الفلسطينية إلى مجرد طرح تساؤلات ومطالبات خجولة في قضايا أخرى، كما تراجع الحديث الهامشي الأميركي عن وضع القدس وكذلك التعرض بالتصريحات للإجراءات الاسرائيلية في المدينة.  والاهم من ذلك أن  واشنطن والحكومة الإسرائيلية، وهما تتناغمان في الحديث عن الأمن، كانتا تلمحان إلى الخطة المقبلة و تقتربان معاً بخطوات متماثلة من صيغة قريبة من مشروع ألون في قضيتين أساسيتين تعتبران اليوم هاجس المفاوض الفلسطيني وهما الحدود والترتيبات الأمنية.

عودة إلى ألون

في مطلع تموز من عام 1967 طرح يغال آلون وزير الخارجية الصهيوني الأسبق المشروع الذي  تداخلت فيه تصورات الأمن بالحدود على نحو وثيق. وكانت الفكرة تقوم على استعداد الكيان الصهيوني للدخول في تسوية سياسية مع العرب مقابل أراض محتلة عام 67. على أن الشق الفلسطيني هو الجانب الأهم في المشروع، وهنا تحديدا، كان محورا الأمن والحدود – اللذان يمثلان نقطة التجاذب في العملية السياسية الآن – محتوى المشروع وكلمة سره.

طرحت خطة ألون إقامة حكم ذاتي فلسطيني على بقعة أرض في الضفة الغربية بلا ملامح أو سيادة: حكم ذاتي منزوع السلاح وبلا أية حدود سوى مع الكيان الصهيوني، في حين يحتفظ الكيان بالحدود الشرقية على طول النهر  بخط عرضه 15 كيلومتراً يضم منطقة الغور ويقطع البحر الميت من منتصفه تماماً، وبحيث يجري لاحقاً تكريس احتلال هذا الامتداد كحدود دائمة من خلال  إقامة مجموعة من المستوطنات والتجمعات الزراعية والعسكرية والاستيطانية، فضلاً عن إنشاء كتل استيطانية صهيونية في القدس الشرقية بالتزامن مع ذلك.

وضع آلون آنذاك ثلاث عبارات تصف عوامل "الأمن" الإسرائيلي وهي: "العمق الإستراتيجي" و"الحدود المعتمدة على موانع طبيعية" و"مجال الانذار الجوي الذي يحمي وسط إسرائيل". ومن قراءة مقارنة يتضح أن تلك العوامل هي ما تشير إليها تصريحات ومواقف الحكومة الصهيونية هذه الأيام وبصوت أعلى في الآونة الأخيرة. والملفت للانتباه أن منطقة الغور – المجال الأساس لفكرة الحدود التي تنسف جوهر حدود الكيان الفلسطيني ككيان مستقل -  تتعرض في هذه اللحظات لحرب صهيونية شرسة حيث تخطط الحكومة الصهيونية لعمليات تهجير واسعة للبدو للرعاة والمزارعين، وقد أقدمت مؤخرا على هدم منازل ومصادرات للأراضي في منطقة الفارسية شمال منطقة الأغوار في محافظة طوباس. كما هدمت قوات الاحتلال قبل أكثر من أسبوعين 20 منشأة ومسكن في منطقة الرأس الأحمر وقامت بتهجير السكان الفلسطينيين هناك، وسلمت إنذارات بالهدم لأهالي قرية بردلة في الأغوار الشمالية فبلغ عدد إنذارات الهدم أربعين في منطقة واحد وخلال شهر واحد فقط.

من السلام الاقتصادي إلى المناطقي

اليوم يسمى بعض الصهاينة العودة إلى أفكار آلون بالمصالحة المناطقية كما يقول آدم راز في يديعوت أحرونوت، أي الحفاظ على وحدة المناطق من الاردن الى البحر المتوسط، ويرى محللون في الكيان الصهيوني أن التقدم نحو هذا التفكير للحل السياسي هو جوهر التطور في موقف الحكومة الصهيونية الراهنة، ويعتقدون ان نتنياهو يبدو وقد اقتنع اخيرا بمغادرة فكرة السلام الاقتصادي التي تشبث بها منذ خطابه في بار إيلان في القدس في حزيران الماضي.

إلا أن هذه المغادرة إن صحت متجهات قراءتها تنطوي على مخاطر اكبر ستتجلى في المفاوضات المباشرة المقبلة، فهي تحظى أولاً تحظى بتأييد وتبن أميركي كامل وتتخذ بتوافق مطلق مع واشنطن، وثانياً تتم بخطوات إسرائيلية موازية تقوم منذ أشهر بترجمة أوسع لما فكر به "ألون" بشأن خلق المعطيات الميدانية التي تحسم أمر القدس تحت الاحتلال نهائياً وتحويلها إلى عاصمة أبدية لإسرائيل. وعلينا أن نتذكر أن  مشروع ألون كان قد دعا إلى فصل القدس عن أي كيان فلسطيني يمكن أن ينشأ في تسوية سياسية من خلال توسيع بلدية القدس وخلق تواصل جغرافي استيطاني يمتد باتجاه أريحا شرقاً ويحاذي تخوم رام الله باتجاه شمالي البحر الميت، ويتضح من نظرة على النشاط الاستيطاني في تلك المنطقة الآن أن الأفكار ذاتها التي طرحت في عام 67 هي التي تتحرك على خارطة الاستيطان الصهيوني في الضفة المحتلة، وأهم الأسماء هنا مشروع يقسم الضفة الغربية إلى جزئين شمالا وجنوباً هو مشروع E1 الذي يمثل تجمعاً استيطانياً ضخماً إلى الشرق من القدس ويمتد إلى حدود أريحا قرب البحر الميت بدءاً من كتلة مستوطنات شهيرة مثل معاليه أدوميم القائمة على أرض عرب وادي الجهالين. وقد سعى الصهاينة في التطورات الأخيرة إلى تسريع تحقيق تواصل جغرافي بين كتل المستوطنات إلى الشرق من القدس وامتداداً نحو الحدود مع الأردن.

علامات في الأفق

كل ما سبق هو على الأرجح الخلفية الأوسع لما يمكن أن يوضع من علامات في أفق التسوية السياسية.. ولنعد إلى مشهد اللحظة الراهنة وما يدور حول عربات التفاوض المتوقفة.

بالنسبة للإدارة الأميركية، تتحدد ملامح المهمة الراهنة في جلب السلطة الفلسطينية مجدداً إلى المفاوضات المباشرة. لقد غاب هنا الحديث عن الاستيطان ببراعة الدبلوماسية الأميركية، وحل محله مطالبات فلسطينية عن حدود الدولة وترتيبات الأمن. ووفق تسريبات متعددة فإن ما يطرحه الأميركيون في هذه الأثناء يدعو السلطة الفلسطينية إلى الطاولة مع وعد بألا تكون هناك محرمات أو مواضيع خارج البحث، وهو أمر لن يزعج حكومة نتنياهو بالتأكيد فقد سبق أن طرحت العبارات ذاتها دون مخاوف استراتيجية بالنظر إلى أن الأميركيين يؤكدون للحكومة الإسرائيلية في الغرف المغلقة أنهم لم يقطعوا وعداً محدداً للفلسطينيين وبالتالي لن تكون حكومة نتنياهو ملزمة بأي التزام مسبق ، ومالا تقبله على الطاولة يمكنها أن تنظر إليه في حدود "الثرثرة السياسية" ليس إلا.

بالمقابل، فإن الولايات المتحدة التي أظهرت تناغما مطلقاً مع الخيارات الأمنية التفصيلة كما تراها حكومة نتنياهو، حصلت من رئيس الوزراء الصهيوني على وعد "بعدم إثارة جلبة سياسية معيقة"، ووفق مصادر صحفية أميركية فإن أوباما قد يكون تلقى من نتنياهو في لقائهما الأخير على تطمينات مساعدة لجولة ميتشل الأخيرة بعدم عدم رفع صوت الاستيطان، والامتناع عدم القيام بإجراءات ظاهرة في القدس، وإظهار الاستعداد لمناقشة كل القضايا.

وفيما يبدو الإسرائيليون سعداء بالتناغم التكتيكي مع الدبلوماسية الأميركية، تقف السلطة الفلسطينية في موقف حرج مجدداً. لقد طرحوا على ميتشل ما يشبه نداء استجداء، فهم يريدون ولو غصناً واحداً يتعلقون به وهم يتدلون فوق مياه النهر. وقد عبر عن هذا الموقف – كما تقول التسريبات – حديث عاتب لرئيس السلطة الفلسطينية أمام المبعوث الأميركي حيث طلب منه أي شيء يمكن أن يمنح السلطة مبرراً للعودة إلى المفاوضات المباشرة، وكرر عباس ذلك بالفعل في مؤتمرات صحفية بأشكال مختلفة وتبين أن السلطة طلبت من الإدارة الأميركية أن تحصل على بصيص ضوء من الموقف الإسرائيلي في موضوع واحد من مسائل الحدود أو الاستيطان أو القدس، أو حتى منح السلطة الفلسطينية بعض الحواجز والتهسلات الأمنية في منطقتي ب و ج،  فأي مؤشر مهما كان صغيرا سيكون كفيلا بمساعدة رام الله على العودة إلى المفاوضات المباشرة دون ان تجد نفسها في خضم عاصفة من الانتقادات والغضب الفلسطيني الشعبي.

حتى الآن، لا يبدو أن أياً من هذه الطلبات سيتحقق علناً، والأرجح أن المبعوث الأميركي سيقدم، أو هو قدم بالفعل، لبعض الدول العربية "المعتدلة" من خلال مصر وعوداً معسولة وتأكيدات موهمة بأن حكومة نتنياهو عازمة هذه المرة على أن تظهر تغيراً ملحوظا في موقفها.. هكذا ستحاول الولايات المتحدة أن تشتري غطاء عربياً جديد للسلطة الفلسطينية في الطريق إلى المفاوضات المباشرة، وهو ما يتوقع نهاية الشهر الجاري مع اجتماع لجنة المتابعة العربية، 

والحقيقة أن هناك متغيراً إسرائيلياً بالفعل ولكن في صورة أخرى، فنتنياهو يريد هذه المرة أن يذهب إلى المفاوضات المباشرة.. كسب الوقت خارج الطاولة كان أسلوب حكومتة خلال الشهور السابقة، لكنه لن يتهيب في المرحلة القادمة من مقاربة مسألتي الحدود والأمن مباشرة على طاولة التفاوض، خاصة وأن ذلك يحدث في ظل توافق مع الإدارة الأميركية على استحضار أرواح المشاريع القديمة.. مشروع آلون كمثال.

المصدر: الثبات اللبنانية

تاريخ النشر:2010-07-26 13:05:49 الموافق:1431-08-14 13:05:49ـ | تمت قراءته: 1608 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=2153