«مفاجأة سارة» من نتانياهو

إلياس حرفوش


عندما يرفض بنيامين نتانياهو تمديد قرار تجميد الاستيطان في الضفة الغربية، فهو لا يفعل شيئاً مفاجئاً. لم يكن منتظراً أن يتجاوب نتانياهو مع نداء راعي المفاوضات المباشرة الرئيس باراك اوباما، أو مع مواقف الاتحاد الأوروبي التي دعت اسرائيل الى توفير المناخ الملائم لنجاح المفاوضات، ولا طبعاً مع رغبة ومصلحة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، او مع النوايا الطيبة التي عبّر عنها وزراء الخارجية العرب عندما منحوا ابو مازن الضوء الأخضر للانتقال من غير المباشر الى المباشر في تفاوضه مع حكومة اليمين الإسرائيلية.

تقول مجلة «الأيكونوميست» البريطانية، الأكثر ميلاً الى اليمين السياسي، في تعليقها الأخير على ما جرى الى الآن بين ابو مازن ونتانياهو في واشنطن ثم في شرم الشيخ، أن اعضاء الوفد الفلسطيني اصيبوا بـ «مفاجأة سارة» امام التغيير الذي لاحظوه في لهجة نتانياهو، وفوق ذلك امام التغيير الحاصل في مشاعره تجاههم. فعندما تبنى فكرة «دولتين تعيشان جنباً الى جنب»، بعد مجيئه الى الحكم قبل اكثر من عام، اعتُبر ذلك من باب رفع العتب لا اكثر ولا أقل. لكنه الآن يصف ابو مازن بأنه «شريك في صنع السلام» ويبدو مخلصاً في رغبته في التوصل الى ذلك الاختراق التاريخي الذي طال انتظاره لأزمة الشرق الأوسط. وتضيف «الأيكونوميست» أن الاتفاق الذي يتم ابرامه مع زعيم اسرائيلي من متشددي اليمين هو اكثر قدرة على الوقوف على قدميه من اتفاق يتم التوصل اليه مع شخص محسوب على معسكر المسالمين.

ولأن العبرة في مفاوضات كالتي يخوضها الفلسطينيون اليوم هي في نتائجها، وليس في التطور الحاصل في عقل نتانياهو، فإن رفضه منع استئناف الاستيطان في الضفة الغربية ليس اقل من اعلان عن دفن المفاوضات الجارية. اذ كيف يمكن ان نتصور ان يقدم رئيس السلطة الفلسطينية، او وزراء الخارجية العرب الذين سيستأنس برأيهم في مطلع الأسبوع المقبل، على الموافقة على الاستمرار في التفاوض، في الوقت الذي تستمر الجرافات الإسرائيلية في فرض نتائج المفاوضات على حقول الضفة الغربية وبيوتها؟ وماذا يعني باللغة السياسية ان يغير نتانياهو جلده، فيما هو يرفض اصدار قرار بتمديد تجميد الاستيطان، ولو لثلاثة اشهر، كما دعاه ابو مازن بالأمس؟

يجد نتانياهو حجة جاهزة لرفض التجاوب مع المطالب الدولية، وهي ان هذا التجاوب سيؤدي الى سقوط ائتلافه الحكومي القائم على المتعصبين المتدينين وممثلي المستوطنين وأصحاب شعار «الترانسفير» الفلسطيني، من نوع وزير الخارجية افيغدور ليبرمان الذي أوضح موقفه لـ «الحل» الذي يراه مناسباً لقضية الفلسطينيين في تصريحه الأخير الذي دعا فيه الى طردهم من ارضهم واستبدالهم بالمستوطنين، معتبراً ان التبادل الحقيقي يجب ان يكون تبادلاً للسكان وليس للأرض. وليس من المبالغة القول ان شعاراً كهذا هو الترجمة العملية لشعار «الدولة اليهودية» التي يريد نتانياهو ان يفرضها على نتيجة المفاوضات مع الفلسطينيين.

هكذا يضع رئيس حكومة اسرائيل مستقبل ائتلافه الحكومي فوق مستقبل السلام ومصير المفاوضات وحتى فوق مصير علاقته بإدارة باراك اوباما. والأرجح انه يفعل ذلك لأنه يدرك انه الرجل الوحيد على الطاولة الذي يملك اوراق اللعبة كلها ويستطيع التصرف بها. فبعد ان تنازل الأميركيون عن دورهم بإعلانهم انهم لن يفرضوا حلاً على احد، وبعد ان تخلّى الفلسطينيون عن كل اوراق القوة بانقساماتهم وبتجاربهم المريرة مع الانتفاضات السابقة، وبعد ان وافق العالم على لعب دور المتفرج على صراع الشرق الأوسط، بات طبيعياً ان يتلاعب نتانياهو بهذه المفاوضات بالطريقة التي تناسب مصالحه وشعاراته، مدركاً أن التراجع امام تصلّبه هو الخيار الباقي للجميع.

المصدر: الحياة

 

تاريخ النشر:2010-09-29 13:38:37 الموافق:1431-10-20 13:38:37ـ | تمت قراءته: 2123 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=2835