لماذا لم يعد أحد يهتم بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين

ناثان براون ـ فورين بوليسي


بعد فترة وجيزة على انتخاب محمد بديع كمرشد عام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وللتنظيم الدولي ـ من خلال عملية معقدة وعلنية بشكل غير عادي- فقد تشاركت في غداء مع بعض قادة الإخوان المسلمين في دولة عربية أخرى. كانت معظم المحادثة باللغة الإنجليزية, ولكنها كانت تتحول في بعض الأحيان إلى العربية (خصوصا عندما كان قادة الإخوان يتحدثون مع بعضهم البعض).

وقد سألني أحدهم باللغة الإنجليزية "ناثان, ما هو تصورك عما يحدث داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر؟" وقبل أن أجيب, سألني قائد آخر باللغة العربية "من هو المرشد العام الجديد؟" لا أحد منهما كان يستطيع التذكر لذلك فقد همست باسم بديع. لم يلاحظني أحد في بداية الأمر, ولهذا فقد كررت الاسم. وعند هذه النقطة, أجاب أحدهم بصورة مبهمة للآخرين "نعم أعتقد أن اسمه محمد شيء ما".

كيف يمكن أن تكون جماعة منظمة ومنضبطة دوليا عندما يعاني أتباعها لاستذكار اسم زعيمهم الأكبر؟ في المقابلات الصحفية واللقاءات الشخصية والمواد المصممة لأعضائها يشير قادة الإخوان المسلمين في العديد من الدول العربية بصورة محترمة إلى الطريقة التي تقوم بها جماعة الإخوان المسلمين بالأمور ولكنهم لا يشيرون إلى سلطة أو حتى إلى وجود المنظمة الدولية. وبشكل متزايد, فإن الوعي بالحركات الإسلامية في الغرب قد قاد إلى شيء من الحديث المظلم حول جماعة الإخوان المسلمين التي تقوم بتقديم غطاء لجميع أنواع النشاطات التبشيرية والسياسية وحتى العنيفة. من صميم العالم العربي يقال بأن مخالب الإخوان المسلمين تصل من أوسلو إلى مدينة أوكلاهوما.

لقد أجريت عددا من الأبحاث حول الإخوان المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة, ولكنني قمت بدراستها في العديد من الدول العربية حيث تعتبر الجماعة الأقوى والأكثر نشاطا. هل هناك أمر مثل هذا – التنظيم الدولي- عندما تقوم جماعة الإخوان المسلمين بتوحيد هذه الفروع؟ نعم. ولكن الحقيقة الغريبة هي أن جماعة الإخوان المسلمين الدولية لا تساوي الكثير. و لربما كانت الحقيقة الأغرب هي أنه يبدو أنه من غير المهم أن جماعة الإخوان المسلمين الدولية غير مهمة.

هناك جماعة إخوان مسلمين دولية.

إن العديد من فروع الجماعة تتواجد في العديد من المجتمعات، و كل من هذه الفروع يقوده "مراقب عام". ومعظم الفروع هم أعضاء في التنظيم الدولي وهم يخضعون لقيادة المرشد العام وهو عادة ما يكون زعيما للجماعة الدولية (التنظيم المصري عادة ما يشار إليه في الدول الأخرى بأنه التنظيم الأم). إن المنظمة الدولية غامضة إلى حد ما، إننا لا نعرف الكثير حول العمليات الداخلية وعادة ما نعرف عن اجتماعاتها وأعمالها عندما يتم اتخاذ قرار علني.

إن هناك القليل من الحركات التي تستلهم بشكل واضح من الإخوان المسلمين (في إسرائيل والكويت والعراق واندونيسيا على سبيل المثال) والتي لا تعترف بشراكة مفتوحة مع التنظيم الدولي؛ وهناك بعض الأفرع ممن لديها علاقات رسمية لا تعترف بها بشكل مفتوح وكل الحركات لديها علاقات غير رسمية. وهناك منظمات أخرى موازية للتنظيم الدولي – مثل المنتدى الدولي للبرلمانيين الإسلاميين- والذي يرتبط بصورة غير رسمية مع جماعة الإخوان المسلمين والذي يعمل من أجل جمع أعضاء فروع الجماعة والحركات المشابهة للإخوان في دول متعددة.

و لكن لماذا لا تهم مثل هذه المنظمة الدولية؟ لأنه ليس لديها (وعلى الأرجح لا تستطيع) الكثير من الأمور:

 أولا: المنظمة بطيئة الاستجابة. في القليل من المناسبات دعيت لحسم المسائل التنظيمية الصعبة كما أنها لا تعمل بصورة فعالة أو نشيطة. على سبيل المثال, في عام 1989 جرى هناك نزاع فيما بين أعضاء الإخوان المسلمين في الأردن حول ما إذا كان يتوجب عليهم قبول الدعوة للانضمام إلى الحكومة وقد ثبت أن الموضوع معقد وقد حاول المتنازعون رفع الأمر إلى التنظيم الدولي. وقد جاءت الإجابة متأخرة جدا واحتوت على الكثير من الغموض الذي لم يساعد على حل القضية.

في عام 2007 سعى خالد مشعل إلى تثبيت حركة حماس كعضو فعال في التنظيم الدولي, مما أدى إلى إشعال نزاع تنظيمي معقد داخل الجماعة الأردنية. (إن حماس تعتبر جزء من جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينيين, والتي ترتبط من وجهة نظر الإخوان المسلمين الدوليين بصورة رسمية وقد بقيت بعض الروابط الرمزية ما بين حماس والإخوان الأردنيين كنتيجة لهذا الأمر).

 إن أحد الركائز الرئيسة للصراع تركزت على ما سيحدث للإخوان المسلمين الفلسطينيين والأردنيين في الخليج (وهم مصدر مهم للتمويل ولكن الإخوان في الخليج يشكلون جماعة تقوم بإرسال ممثلين عنها إلى الهيئات الأردنية للجماعة, والتي تميل بالاتجاه الفلسطيني). بعد ثلاث سنوات على ذلك, فإن القضية لا زالت عالقة.

ثانيا: إن التنظيم الدولي ليس بطئيا فقط, بل إنه خاضع للسيطرة المصرية. إن قادته دائما من المصريين والإخوان المصريون لم يوافقوا على فكرة انتخاب غير المصريين في التنظيم. إن انتخاب بديع قد تم بموافقة التنظيم المصري, ولكن كان هناك بعض التذمر حول الشكل الذي سارت به العملية. إن معظم الأعضاء يوافقون على أن التنظيم الأم سوف يكون له دور قيادي حتما, ولكن العديد أيضا يجدون أن القادة المصريين مهتمون بالشئون المصرية أكثر من اهتمامهم بالشؤون الدولية. كما أن المناخ الأمني في مصر يعيق قادة الجماعة من أن يكونوا أكثر نشاطا دوليا, إن العديد من قادة التنظيم المصريين ممنوعون من السفر خارج البلاد.

وأخيرا, فإن العديد من فروع الجماعة قد طوروا أخلاقيات الاحترام المتبادل، لقد تبنوا وبسرعة فكرة أنه يتوجب أن يتصرف كل فرع من فروع الجماعة بالطريقة التي يراها مناسبة للظروف المحلية. إن الفروع المختلفة تشاور بعضها البعض, ولكنهم أحرار في رفض النصيحة التي تلقوها. لقد اشترك الحزب الإسلامي العراقي في العملية السياسية المدعومة من قبل الولايات المتحدة في الوقت الذي رفضت فيه جماعة الإخوان المسلمين الأردنية التواصل مع المسؤولين الأمريكان لأنه هي الدولة التي تحتل العراق. وبوعي للمواقف المتعارضة, فإن قادة الجماعتين اتفقوا على أن لا يتفقوا.

لقد نُصحت حماس من قبل كل من القادة المصريين والأردنيين على أن لا تدخل بقوة في انتخابات 2006 البرلمانية. "المشاركة, وليست الهيمنة" (وتعني العمل وليس النصر الكلي) كانت هي الصيغة التي طرحت آنذاك عليهم. لقد أصغوا إلى نصف الرسالة الأولى (العمل) ولكن ليس الثانية ( النصر الكلي). على خلاف رفاقهم الأردنيين والمصريين الذين يحتلون أقلية في المقاعد, فقد قدموا لائحة كاملة لمقاعد البرلمان مما مكنهم من تحقيق المفاجأة والمتمثلة في الانتصار الطائش (في نظر بعض قادة الإخوان في أماكن أخرى).

إن الاحترام المتبادل قد وصل إلى حدود أبعد، جميع فروع الإخوان متفقة على المبدأ العام المتمثل في أنهم سوف يعملون للتغير بطريقة سلمية فقط. والاستثناء هو أن المقاومة العنيفة للاحتلال تعتبر مشروعة. عندما يتم احتلال دولة متى تكون المقاومة مشروعة؟ إن هذا الأمر يترك لتقدير الفرع الموجود هناك. إن حماس تحظى بتأييد عالمي لمقاومتها العنيفة ولكن أعضاء الإخوان أوضحوا بأن الأمر متروك لحماس لتقرير متى وكيف تستخدم العنف.

و لكن ألا يسعى التنظيم العالمي لإعادة إحياء الخلافة الإسلامية؟ حسنا, إن هناك بالتأكيد بعض الوثائق التاريخية القديمة توحي بمثل هذا الهدف البعيد ولكن هناك أدلة قليلة ثمينة بأن الموضوع يحتل الكثير من تفكير القيادات الحالية حيث إنهم يركزون اهتمامهم على أوضاعهم الداخلية. إذا كان التنظيم الدولي هو الجرثومة التي تسعى لعالم إسلامي موحد, فإن العضوية فيه قد تكون أقل مما هي عليه الآن. على سبيل المثال, فإن أعضاء الجماعة الفلسطينيين المستقرين بشكل مؤقت في الخليج قد يعاملون في دول الخليج على أنهم أعضاء محليون في الجماعة. إن هذا النوع من التداخل التنظيمي حدث في الغالب في بداية تاريخ الجماعة ولكنه خفت تدريجيا في السنوات الأخيرة. إن فروع الجماعة تقدم لبعضها (في القليل من الأحيان المواد) الدعم, ولكن العضوية في التنظيم الدولي بالكاد يتم التعامل معها على أنها عضوية في حركة دولية مفردة.

و بناء على هذا فإن التنظيم الدولي موجود ولكنه لا يعني الشيء الكثير. ولكن هنا نأتي إلى أمر أكثر بعدا، قد لا يكون مهما بأن لا يكون التنظيم الدولي مهما.

إن الحركات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين سواء أكانت تبعية رسمية أم لا وسواء رضيت بالقيادة المصرية أم كانت مستقلة تماما لا زالت تظهر خاصيتين تجعل من التنسيق الرسمي أمرا غير مهم, وقد يكون عكسي النتائج أيضا.

أولا: الفروع المختلفة لا تواجه مشكلة في إتباع نموذج عام – و لكن هذا يعود إلى أن النموذج عام جدا ويمكن أن يطبق بشكل مختلف بأوضاع مختلفة. إن الأعضاء عادة ما لا يعودون إلى سلطة التنظيم الدولي أو إلى المرشد العام الحالي, ولكنهم يشيرون بشكل منتظم إلى نموذج الإخوان (المنهج) وإلى تفكير حسن البنا. وأفكار البنا بدورها لا تشكل فلسفة تجريدية ولكنه يمثل مجموعة من التقنيات التنظيمية وخطابات ملهمة ومنهج عام يضع أهمية وتركيزا كبيرا على العمل الاجتماعي.

من المفترض أن يعمل أعضاء الإخوان وحركاتهم لصالح الإصلاح على جميع المستويات الشخصية والاجتماعية والسياسية والدينية. إنهم ليسوا شكلا من أشكال المجتمع المنغلق من الرهبان ولكنهم يعملون من أجل بناء الشخص والأسرة  والمجتمعات الأفضل اعتمادا على تعاليم الإسلام. 

إن هذا النموذج مرن ولكنه يدفع الإخوان إلى العالم الخارجي. إنه يلهم الفروع والأعضاء من أجل الدخول في السياسية وإدارة المكاتب وتشكيل الجميعات الخيرية والحديث بروية مع غير الأعضاء والتصرف كنموذج يحتذى في الأحياء السكنية والشروع في تحسين الذات والمشاركة في مجموعات الدراسة ودعم القضايا الإسلامية.

وبالنظر إلى المجموعة الواسعة من النشاطات التي تقوم بها فروع الجماعة – وبالنظر إلى حقيقة أن بعض هذه النشاطات لا يتم القيام بها تحت اسم الإخوان- فإنه من الصعب تمييز أين وصل الإخوان المسلمون بشكل تنظيمي وأين انتهوا. إن أعضاء الإخوان المسلمين عادة ما ينخرطون في مشاريع استضافة ومستشفيات ومدارس وأندية وجمعيات ولكن لا يكون واضحا دائما مدى اقتراب هذه المنظمات من حركة الإخوان. هذه الميزة التنظيمية تشكل كلا من سر نفوذ الإخوان المسلمين ومصدر التشويش والغموض الذي يحيط بالحركة.

السبب الثاني لمحدودية التنظيم الدولي الرسمي هو أن أعضاء الإخوان يعرفون بعضهم دون الحاجة إليه. قد يكون من الصعب معرفة أين يبدأ كل فرع من فروع الإخوان وأين ينتهي ولكن بشكل عام فإنه من الواضح لأعضاء الحركة من يتبع النموذج العام ومن لا يقوم بذلك. اسأل أحد قيادات الإخوان المسلمين الذي يمثل حركة الإخوان في الكويت وسوف تحصل على إجابة واضحة (على الرغم من أن الحركة الكويتية قد قطعت روابطها الرسمية مع التنظيم الدولي قبل عقدين من الزمان).

على المستوى العالمي, فإن حركة الإخوان المسلمين ليست مافيا. كما أنها ليست متصلبة على الطراز الستاليني. إنها تمثل إلى حد كبير الاشتراكية الدولية في الوقت الحالي، إنها تمثل إطار عمل لمجموعة مرتبطة بشكل ضعيف  وحركات متشابهة أيدلوجيا تعرف بعضها البعض وتتبادل القصص والخبرات في الاجتماعات العابرة وهي مشتركة بسعادة بأيدلوجية دولية دون إعطائها أولوية كبيرة. إن هناك كل ما يدعو إلى الاهتمام بفروع الإخوان المتنوعة والكثيرة, ولكن ليس هناك أي سبب يدعو إلى الخوف منها على أنها شبكة دولية تهدد العالم.

ــــــــــــــــ

* ناثان براون: أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج تاون وعضو مركز ودرو ويلسون للباحثين.

المصدر: قسم الترجمة في مركز الشرق العربي

تاريخ النشر:2010-10-10 08:11:28 الموافق:1431-11-02 16:11:28ـ | تمت قراءته: 2652 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=2982