الخيارات التركية والعمق الاستراتيجي

أ. رضوان السيد


عندما كتب أحمد داود أوغلو كتابه (الصادر عام 2001) الذي تُرجم إلى العربية قبل شهر وصدر بعنوان "العُمق الاستراتيجي"، ما كان الرجل يلعب دوراً ظاهراً في السياسة الخارجية التركية. بيد أن سُمعته منذ أيام "أوزال" في ثمانينيات القرن الماضي، كانت تقوم على أمرين: البُعد التركي أو الطوراني، والبُعْد الإسلامي. والمعروف أنّ هذين العُمقين بالذات هما اللذان ضربهما متقصّداً أتاتورك باعتبار أنّ التخلُّصَ منهما شرطٌ ضروريٌّ لإقامة دولةٍ قومية حديثةً بالمقاييس الأوروبية يومذاك. فالتيار القومي ذو الطموحات الطورانية كان يفترض أن تحتفظ تركيا بأقاليم الشعوب التركية في آسيا الوسطى والقوقاز. والتيار الإسلامي الإصلاحي كان يفترض أن تبقى تركيا عاصمةً للخلافة ولو في صيغة الجامعة الإسلامية الواسعة.

 أما الطموح الأول فهو طموحٌ علماني لا يربط الأمر بالإسلام؛ بل بالصيغة الأوروبية للدولة -الأُمّة. لكنْ في مطالع القرن العشرين كانت الإمبراطورية العثمانية في مناطق آسيا الوسطى والشرق الأقصى قد صارت أحلاماً، وحتى الطموحات هناك كانت طموحات الخلاص من النير الروسي، وإنشاء دول مستقلّة. أمّا المشروع الإسلامي، فإنّ جميعة الاتحاد والترقّي التي سيطرت على الأمور بعد عام 1908 كانت ضدّه، فسلكت سلوكاً تمييزياً تجاه العرب والأكراد والأرمن. ولذا فإنّ أتاتورك، وبعد هزيمة الدولة في الحرب، إنما استطاع الحفاظ على جوهر المشروع الذي قادته جمعية "الاتحاد والترقي"، واستألف المستعمرين الأوروبيين بالتخلّي عن الأمرين: الطموحات الطورانية والطموحات الإسلامية. وانحصرت المشكلة في نزوعاته التحديثية المتطرفة والتي واجهت مشاعر الجمهور الإسلامية بدون داعٍ أو مبرّر. واستمر خلفاؤه على تلك النزعة وأصرُّوا عليها دائماً للاحتفاظ بالسلطة والامتيازات وعبر الجيش والمؤسَّسة القضائية. واضطُرّوا ثلاث أو أربع مراتٍ -من أجل الاحتفاظ بالسلطة- للاستعانة بالانقلابات العسكرية.

 وقد شهد أوغلو وجيله تجربتين منها: انقلاب عام 1980، وإرغام أربكان على ترك السلطة عام 1997. بيد أن هؤلاء الأتاتوركيين اتخذوا في مطلع الخمسينيات خياراً استراتيجياً: الدخول إلى حلف الأطلسي! وهو أمرٌ ما استطاع شاه إيران الوصول إليه، رغم كلّ الإغراءات.

ما يقولُهُ أوغلو، في رؤيته الإستراتيجية، أنّ تركيا بحكم الطبيعة الجغرافية، والتاريخ، والدين والثقافة، تحظى بميزاتٍ هائلةٍ ما استُغلّتْ من قبل إلاّ في حدودٍ ضيقة. فهي بحكم الموقع والبيئات العصرية المعولمة، ينبغي أن تظلَّ قريبةً ومفتوحةً على أوروبا والغرب كُلِّه. وبحكم التاريخ والثقافة والدين والجوار، تملكُ ميزة الانفتاح والدور والنجاح، في العلاقة مع العرب وإيران، ومع الشعوب التركية في آسيا الوسطى والقوقاز. وعندما تفعلُ ذلك لا تتوسّع تجارياً وسياسياً فحسْب؛ بل وتُريحُ جمهورها بالداخل، فيبقى النظام مدنياً، وتستطيع الحكوماتُ الإصغاء لرغبات الجمهور دون الإخلال بأُسُس النظام. والواقع أنّ ذلك ما حاوله أُوزال وكاد ينجح ويستمرُّ لولا فواتُه. وقد أسرف أربكان بعض الشيء، وأسرف العسكريون من جهةٍ ثانيةٍ في التشبُّث بالماضي ومكاسبه وامتيازاته، إلى أن فازت الصيغةُ الحاليةُ في انتخابات عام 2003، وإن تكنْ ما تزالُ مترجرجةً حتّى الآن.

إنّ الترجْرُجَ لا يعودُ إلى جمود المؤسستين الكماليتين الباقيتين (الجيش، والقضاء) وحسْب؛ بل وإلى التردُّد الأوروبي (والذي تحول مع ساركوزي وميركل والمحافظين البريطانيين إلى رفضٍ ونَبْذ) في استيعاب تركيا، واضطرارها إلى البحث بإلحاح عن آفاقٍ أُخرى بديلة(؟). على أنّ البحث عن تلك الآفاق أسهم في تعطيل المساعي التركية لحلّ المشكلات التي خلَّفها التاريخ، وخلّفتْها الكمالية، وخلّفتْها أخيراً السياسات الدولية.

ويبدو كأنما كان أوغلو عارفاً (ومنذ عام 2001 تاريخ صدور الكتاب) بمجمل التطورات التي ستحصُلُ عندما يصل "حزبُ العدالة والتنمية" إلى السلطة، وهذا غير معقول. فلابُدَّ انه أدخل تعديلاتٍ وفصولاً على كتابه خلال السنوات الأخيرة، وقبل ترجمته إلى العربية. لكنه رغم التعديلات المفترضة، ما أمكنه التنبُّؤ بآثار السياسات الأردوغانية ونتائجها في المنطقة.

ولعل أبرزُ ما قام به أردوغان في الساحة الشرق أوسطية ثلاثة أمور:

ـ محاولة التأثير في العراق وسوريا دونما اصطدامٍ بإيران، بل بتنسيقٍ معها في الخطوط الكبرى على الأقلّ.

ـ والتوسُّط في النزاع الإسرائيلي -العربي، وفي النزاع بين إيران والغرب.

ـ والتواصل مع حركات الإسلام السياسي في العالم العربي.

وفي الأمور الثلاثة حقّق الأتراك نجاحاتٍ ظاهرةً في البداية، ثم اصطدموا في عام 2010 بعقباتٍ وصعوباتٍ أَفْضت إلى انكفاءٍ أو مُراجعةٍ من نوعٍ ما.

فمع سوريا أقام الأتراك علاقاتٍ إستراتيجية، كما قالوا، وعقدوا أكثر من مائة اتفاقية. وفي العراق أقاموا علاقات "إستراتيجية" أيضاً مع الأكراد، وعلاقات حسنة مع الحكومة القائمة. ومع إيران توصلوا حتى إلى التوسط (إلى جانب البرازيل) في الملفّ النووي. ومع إسرائيل توصّلوا إلى تنظيم مفاوضات غير مباشرة بينها وبين سوريا. أمّا في العراق فاصطدموا أخيراً مع المصالح الإيرانية، وربما حصل الشيء نفسه مع سوريا. ثم اصطدموا أخيراً مع إسرائيل لصالح الفلسطينيين وما عاد الإسرائيليون ولا الغربيون يريدونهم وسطاء، وتولّى الأميركيون بأنفُسهم ذلك وما نجحوا بعد.

وهذا فضلاً عن اختفائهم من الملفّ النووي الإيراني ونزاع إيران مع المجتمع الدولي بشأنه. وأقاموا علاقةً شبه مستقرة مع الإسلاميين العرب، لكنّ الأنظمة العربية تزايدت شكوكُها في مقاصدهم من وراء ذلك.

وقبل الحكم على هذه المبادرات والمساعي التركية بالنجاح أو الفشل، ينبغي النظر في رؤية أردوغان (وأوغلو) لمشكلات الجوار التركي، وحلول تلك المشكلات. لقد أتى الأتراك واضحين ومباشرين: فهم يقاربون سائر القضايا العالقة بالدبلوماسية والعلاقات التفاوُضية، ويريدون التوسُّط من أجل تحقيق تسويات. وهكذا، ولأنّ غرضَهم تحقيق الاستقرار أو الحفاظ عليه، فقد لاقاهُم الجميعُ وبخاصةٍ العرب في وسط الطريق. لكنْ سُرعان ما رأت أكثر الأطراف أنّ الأتراك لا يحقّقون الأغراض التي يريدها كلُّ طرف.

فالإيرانيون يريدون السيطرة في العراق، ويريدون أن يبقى السوريون إلى جانبهم في سائر الملفّات، وليس الاستناد إلى الأتراك لسلوك نهجٍ تسْوويٍّ تفاوُضي.

وحكومة نتنياهو لا تريد التفاوُض ولا السلام (العادل)، ولذا لا تفيدُهُمُ الوسطيةُ التركية.

ثم إنّ الإيرانيين لا يقبلون بنصف تسويةٍ في النووي، وإنْ كان لابُدَّ فلماذا لا تكون مع الولايات المتحدة مباشرةً. وأميركيو أوباما لا يريدون أن يقطف أحدٌ نتائج غزواتهم بالعراق وأفغانستان، حتّى لو كانت تركيا العضو في "الناتو".

وهكذا فقد تعثرت المساعي التركية في شتّى الاتّجاهات. لكنّ تركيا صارت "عضواً" شرعياً في الشرق الأوسط الجديد، ويحسبُ كلُّ أحدٍ لها حساباً، دون أن يكونَ لأيِّ طرفٍ أن يزعُمَ أنّ الأتراك وقفوا في وجه مصالحه بطرائق غير مقبولة. فإذا نظرنا إلى السياسة الأردوغانية بمنظار الأهداف السياسية؛ نستطيع القول إنّ نجاحاتها ما كانت كبيرة. وإذا نظرنا إليها بالمنظار الاستراتيجي لأردوغان وأوغلو؛ نلاحظ أنه تحققت لتركيا على أرض الواقع مكاسبُ معتبرة ومستقرة، ودونما انقساماتٍ ومشكلاتٍ تشبه تلك التي تسببت بها إيران. وبغضّ النظر عما إذا كانت تلك المكاسب جزءاً من"العمق" الاستراتيجي أو لم تكن.

المصدر: صحيفة الاتحاد الإماراتية

تاريخ النشر:2010-11-01 14:30:49 الموافق:1431-11-24 14:30:49ـ | تمت قراءته: 2404 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=3233