الصحافة في فكر رواد النهضة المسلمين

أ. مصطفى عاشور


واجه العالم الإسلامي مجموعة ضخمة من التحديات مع بداية صدمته الأولى بالعالم الغربي إبان الحملة الفرنسية سنة 1798م، وكانت الأسئلة الأولى مطروحة حول التقدم ووسائل النهوض الحضاري، لكنها لم تكن ضاغطة بالدرجة التي عانى منها المفكرون والمصلحون في القرن التاسع عشر والعشرين الميلاديين.

ففي منتصف القرن الثامن عشر ظهرت مجموعة من الدعوات الإصلاحية في أطراف العالم الإسلامي بعيدا عن مراكز الثقل الثلاثة في الخلافة العثمانية أو ما يسمى بمحور (استانبول-دمشق- القاهرة) وكانت الحركات التي قامت كلها تجديدية إصلاحية تهدف- في غالبيتها- إلى العودة إلى أصول الدين لتنقيتها، فظهرت في الهند دعوة ولي الدين الدهلوي (ت- 1762م)، وظهرت في اليمن دعوة الإمام الشوكاني (ت-1823م)، وفي العراق الشهاب الألوسي (1854م)، وفي المغرب محمد بن علي السنوسي (1859)، وفي السودان دعوة المهدي (1885م)، فكانت الدعوات الإصلاحية ظاهرة عامة في ذلك الوقت تهدف إلى التجديد وتنقية المعتقد وفتح باب الاجتهاد، وربما لم يكن ضغط الأسئلة التي طرحها الاصطدام مع الغرب حاضرا بشكل مؤثر وفاعل، لاعتبارات خاصة بالسياق السياسي والثقافي والاجتماعي في ذلك الوقت، والذي توازى مع عدد من الدعوات الإصلاحية التي نشأت داخل المؤسسة الحاكمة والعسكرية للقيام باقتباس العلوم الغربية، كما حدث مع السلطان محمود الثالث في الدولة العثمانية (ت1840م)، ومع محمد علي في مصر (ت1848م).

أما الموجة الثانية من رواد الإصلاح فكانت مطروحة عليها مجموعة ضخمة من التحديات والأسئلة، وكانت التحديات معقدة ومتداخلة مع الغرب- الذي يعتبر هو المستعمر وهو النموذج الواجب احتذاؤه- ما خلق نوعا من الأرق بدأ مع محاضرة إرنست رينان- التي اتهم فيها العقل المسلم اتهامات تحمل طابع الاحتقار والتقليل من قدره.

وكان على العلماء والمصلحين المواجهة على جبهتين في وقت واحد، الأولى إنهاء الموقف المتكون عبر عصور الجمود والذي خلق خصومة بين المسلمين والعلوم، وعلى الجانب الآخر محاولة دفع المسلمين للاستفادة من العلوم الغربية واللحاق بالغرب، ونظرا لطبيعة التحدي المتنوع الذي فرضه الغرب على العالم الإسلامي، ما بين احتلال وترسيخ للتخلف وتفكيك للعالم الإسلامي وإعادة نشر القيم الغربية فيه، تعددت مداخل الرؤى الإصلاحية والتجديدية الإسلامية ما بين التجديد الديني والفقهي والتشريعي، والإصلاح للواقع السياسي والتعليمي والاجتماعي والاقتصادي.

لذا فإن الفكر الإصلاحي- كما يقول المؤرخ المستشار طارق البشري- شيد تحت خط النار، فالأفغاني هو واضع اللبنات الأولى لفكرة مقاومة الاستعمار، أما الإمام محمد عبده فهو واضع النموذج الفكري لما يمكن تسميته مقاومة القابلية للاستعمار، ويبقى لهذين الرائدين الأثر الأكبر في سائر الأعمال والرواد والمدارس والأفكار والمصلحين الذين ظهروا بعد ذلك، والذين كانوا تجليات لهاتين المدرستين الكبيرتين.

وكانت الصحافة من أهم الأدوات التي لجأ إليها المصلحون في تلك الفترة سواء كوسيلة لمقاومة الاستعمار أو وسيلة لبعث روح اليقظة والنهوض والتجديد في نفوس المسلمين، وكان من أهم تلك الصحف وأبرزها صحيفة «العروة الوثقى» التي أصدرها الشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام الشيخ محمد عبده، حيث أصدراها من باريس من غرفة صغيرة متواضعة فوق سطح أحد منازل، حيث كانت تلك الغرفة مقرا للتحرير وملتقى الأتباع والمؤيدين.

ولقد أزعجت تلك الصحيفة الإنجليز، وأثارت مخاوفهم كما أثارت هواجس الفرنسيين، إذ كانت تدعو إلى مناهضة الاستعمار والتحرر الوطني، لكن الإنجليز أخمدوا صوتها، فاحتجبت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر.

ولكن إدراك الإمام محمد عبده لأهمية الصحافة في إطار المشروع الإصلاحي جعله يغتنم الفرصة للتفاعل مع الصحافة، فعندما أسند إليه تحرير صحيفة «الوقائع المصرية» التي كانت تنشر القوانين المصرية، خصص جزءا منها لينطق بالمبادئ الإصلاحية التي كان يدعو إليها، واستمر على هذا الحال قرابة العام والنصف.

ومن المصلحين الذين لعبت الصحافة دورا في حياتهم الشيخ عبد العزيز جاويش (1876- 1929م) الذي تولى رئاسة تحرير جريدة «اللواء» الوطنية في مصر، والتي كانت تناهض الاستعمار الإنجليزي، وعندما تولى ذلك المنصب كتب:«باسمك اللهم قد استدبرت حياة زادها الجبن وخور العزيمة ومطيتها الدهان والتلبيس.. وبيمينك اللهم أستقبل فاتحة الحياة الجديدة، حياة الصراحة في القول، وحياة الجهر بالرأي، حياة الإرشاد العام»، وظلت الصحافة وسيلة مهمة للشيخ جاويش في تبليغ رسالته الإصلاحية، فعندما اضطر إلى مغادرة مصر تحت ضغط الاحتلال الإنجليزي، أنشأ في تركيا صحيفة «الهلال العثماني»، وجعل هدفها الدفاع عن حقوق مصر في الحرية والاستقلال ومناهضة الإنجليز في كل مكان، وبعدها أصدر جريدة «الحق يعلو».

ومن العلامات البارزة في تاريخ الصحافة الإصلاحية الدور الذي لعبه أحمد أمين، الكاتب الكبير، صاحب فجر الإسلام والذي تولى رئاسة تحرير مجلة «الثقافة» في (ذي الحجة 1357هـ- يناير 1939م) والتي تعد من أهم المجلات الثقافية التي صدرت في تلك الفترة، واستمرت في الصدور أربعة عشر عاما متوالية، وكان يكتب فيها مقالا أسبوعيا في مختلف مناحي الحياة الأدبية والاجتماعية، وكانت ثمرة هذه الكتابات كتابه الرائع «فيض الخاطر» بأجزائه العشرة.

وتأتي مجلة «المنار» التي أنشأها الشيخ رشيد رضا كأهم مجلة إصلاحية، بل كانت مجلة تعبر عن تيار إصلاحي كان له أكبر الأثر في حياة المسلمين، فلم يكد يمضي شهر على نزول الشيخ رشيد رضا القاهرة قادما من الشام، حتى صارح شيخه محمد عبده بأنه ينوي أن يجعل من الصحافة ميدانًا للعمل الإصلاحي، ودارت مناقشات طويلة بين الإمامين الجليلين حول سياسة الصحف وأثرها في المجتمع، وأقنع رشيد شيخه بأن الهدف من إنشائه الصحيفة هو التربية والتعليم، ونقل الأفكار الصحيحة لمقاومة الجهل والخرافات والبدع، وأنه مستعد للإنفاق عليها سنة أو سنتين دون انتظار ربح منها.

وصدر العدد الأول من مجلة المنار في (شوال 1315هـ - مارس 1898م)، وحرص الشيخ رشيد على تأكيد أن هدفه من المنار هو الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة، وبيان أن الإسلام يتفق مع العقل والعلم ومصالح البشر، وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام، وتفنيد ما يعزى إليه من خرافات.

وأفردت «المنار» إلى جانب المقالات التي تعالج الإصلاح في ميادينه المختلفة بابًا لنشر تفسير الشيخ محمد عبده، وأفردت أقسامًا لأخبار الأمم الإسلامية، والتعريف بأعلام الفكر والحكم والسياسة في العالمين العربي والإسلامي، وتناول قضايا الحرية في المغرب والجزائر والشام والهند.

ولم تمض خمس سنوات على صدور المنار حتى أقبل عليها الناس، وانتشرت انتشارًا واسعًا، واستمرت من سنة (1316هـ - 1899م) إلى سنة (1354هـ-1935م)، واستغرقت ثلاثة وثلاثين مجلدًا ضمت 160 ألف صفحة.

أما العلامة عبد الحميد بن باديس في الجزائر فقرر أن يقاوم الاستعمار بأساليب عدة من بينها الصحافة، وكانت الصحف التي يصدرها أو يشارك في الكتابة بها من أهم وسائله في نشر أفكاره الإصلاحية، فأصدر جريدة «المنتقد» سنة (1345 هـ- 1926م) وتولى رئاستها بنفسه، لكن الاحتلال عطّلها، فأصدر جريدة «الشهاب» واستمرت في الصدور حتى سنة (1358هـ-1939م) واشترك في تحرير الصحف التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مثل «السنة» و«الصراط» و«البصائر».

وفي الشام نجد العلامة محمد كرد علي الذي عُهد إليه بتحرير مجلة الشام الأسبوعية، وهي أول مجلة تظهر في دمشق في بداية العشرينيات من عمره، فعمل بها إلى سنة(1326هـ- 1908م)، ثم أنشأ بعد ذلك جريدة يومية باسم «المقتبس» كما أعاد إصدار مجلة المقتبس الشهرية التي كان قد أصدرها بالقاهرة، لتكون لسان حال الثقافة الرفيعة، وكانت الجريدة اليومية «المقتبس» صوت حرية وسوط عذاب على الظلم والاستبداد، وكانت مقالاته تحارب الجهل والجهلاء، وتدعو إلى التحرر من الخرافات، وتنادي بالإصلاح والتجديد، والأخذ بوسائل المدنية الحديثة، وإحياء التراث النافع، ومعرفة التاريخ المجيد للأمة، حتى تستلهم منه روح البعث والنهوض.

وكان من أثر ذلك أن احتلت جريدة المقتبس مكانة عالية، وأقبل الناس عليها، وقوي أثرها بينهم، فهابها كبار الموظفين وأصحاب الجاه، وتعرض محمد كرد علي إلى مخاطر عديدة بسبب جرأة المقتبس، وُرفعت ضده دعاوى في المحاكم، إلا أن البراءة كانت تنتظره في كل مرة؛ لأن القضاء كان لا يرى في كتاباته ونقده إلا النية الحسنة وطلب الإصلاح.

وعندما أنشئ «المجمع العلمي العربي» للنهوض باللغة العربية وآدابها، وهو أول المجامع اللغوية ظهورا، أنشأ له مجلة رصينة، صدر العدد الأول منها في (21 من ربيع الآخر سنة 1339هـ- 2 من يناير 1921م) وتعد من أهم المجلات العربية.

وفي الهند نجد المصلح الهندي الكبير أبوالكلام آزاد الذي كان يسميه الزعيم الهندي نهرو صاحب الإمامتين- إمامة الدين وإمامة السياسة- والذي تأثر بمنهج الشيخ رشيد رضا ومجلته المنار، وأدرك دور مجلة العروة الوثقى في إلهاب شعور المسلمين ضد الاستعباد والاستبداد، فأصدر مجلة «الهلال» التي اتخذها منبرا لدعوة المسلمين إلى التحرر العقلي والسياسي، وترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأردية حتى يفهمه المسلمون في الهند، ولا يعيشوا في عزلة عن معانيه.

وصدرت الهلال أسبوعية، وصدر عددها الأول من «كلكتا» في (26 من جمادى الآخرة 1330هـ- 12 من يونيو 1912م) وأنشأ مطبعة خاصة لها، وحققت قبولا واسعا في أوساط المسلمين، وبلغت كمية توزيعها25 ألف نسخة أسبوعيا، وكانت نقطة تحول في تاريخ الصحافة في الهند، وفي واقع المسلمين، فكانت مدرسة في التدين القويم والوطنية والحرية.

ولم يستطع الإنجليز أن يسكتوا طويلا عن النهضة الفكرية والروحية التي أحدثتها «الهلال» فقرروا إغلاقها في (شعبان 1333هـ- يونيو 1915م) لكن آزاد لم يحطم قلمه، ولم ينكسر قلبه العاشق للحرية، فلم تمض شهور قليلة حتى أصدر مجلة «البلاغ» في (4 من المحرم 1334هـ- 12 من نوفمبر 1915م) لكن سرعان ما أغلقت بقانون الطوارئ بعد أشهر عدة من صدورها.

وفي الهند نجد-أيضا- المصلح الكبير أبا الأعلى المودودي الذي اشترك مع مدير جمعية علماء الهند في إصدار جريدة «مسلم» في دلهي، وصار مديرًا لتحريرها لمدة ثلاث سنوات حتى أغلقت عام (1341 هـ - 1922م) ثم تولى الإشراف على إصدار جريدة تصدرها جمعية علماء الهند تحمل اسم الجمعية، وظل يتحمل وحده عبء إصدارها حتى سنة (1347 هـ - 1928م)، وفي عام (1351هـ - 1932م) أصدر مجلة «ترجمان القرآن» من حيدر آباد الركن، وكان شعارها «احملوا أيها المسلمون دعوة القرآن وانهضوا وحلقوا فوق العالم».

وفي روسيا نجد المصلح التتري إسماعيل كسبرالي (المتوفى 1914)، حيث آمن كسبرالي بدور الصحافة في تشكيل وعي الأمة فسعى إلى إصدار صحيفة تعرض لأفكاره الإصلاحية، رغم أن المسلمين التتر يعانون ضعف المستوى التعليمي وانتشار الأمية.

وكان هدفه تقديم الصورة الواقعية للثقافة الروسية أمام المسلم، وتقديم الصورة الحقيقية للمسلم أمام القارئ الروسي، واختار للصحيفة مسمى «بيريفوتشيك» كعنوان للطبعة الروسية و«ترجمان» كعنوان للطبعة التركية، وكلاهما يعني المترجم وهو ما يمهد لبناء ثقافة للتقارب.

واستعان كسبرالي بالتجار للمساهمة معه في إصدار الصحيفة، ولذا رحل إلى المركز التجاري الأكبر في روسيا «نجنى نوفجورد» وهو المركز الذي يأتيه التجار من كل أطراف روسيا وجلهم من التتر المسلمين، ووافق250 تاجرا منهم على دفع اشتراك عام مقدم، واستطاع الحصول على تصريح بالصحيفة، وخرج العدد الأول من صحيفة «الترجمان» في(10 إبريل 1883م) ومضت السنوات الأولى للترجمان في حالة عدم استقرار مادي، غير أن زوجته (زهرة هانم) وقفت إلى جانبه مستندة إلى أموال أسرتها.

وتفاوتت تقديرات النسخ المبيعة حتى عام 1905ما بين 500 إلى 1500 نسخة لصحيفة مؤلفة من أربع صفحات مقسمة بين اللغتين التركية والروسية، ومن منتصف العقد الأول في القرن العشرين فاقت 2000 نسخة وصارت صحيفة يومية في 1912 حتى توقفت في 1918 بعد وفاة مؤسسها بأربع سنوات.

وظل كسبرالي- على مدى 20 عاما- بعيدا عن السياسة في صحيفته التي أكدت على عدم التعارض بين النقل والعقل، والتمييز بين البدع والإبداع البشري الحديث.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي

تاريخ النشر:2010-02-21 11:36:05 الموافق:1431-03-07 11:36:05ـ | تمت قراءته: 2417 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=334