انفلونزا المفاهيم

أ. عبد الله الخليوي


وهل تقتصر الانفلونزا على الأمراض العضوية؟ إن أمراض الفكر كثيرة وقد تكون أخطر من الأمراض العضوية؛ فالمرض العضوي يمكن معالجته، ويمكن الاحتراز منه، وإذا انتشر فانتشاره محدود ومعروف، لكن الأدهى والأمر الفكر المسموم والفهم الخاطئ الذي يحرك جماعات وأمماً.

إن الفهم الخاطئ لأي أمر ناتج عن تفرّد العقل البشري بحق تفسير ما سمع أو قرأ اعتماداً على حصيلة علمية متواضعة، أو إعجاب المرء برأيه وذكائه، أو تطويع النص وإسقاطه بما يخدم رغباته وتوجهاته، أو تغليب العاطفة وتقزيم العقل، وكل هذه عوامل تساعد بلا شك على الانحراف الفكري الذي يؤدي إلى إيجاد مفاهيم بعيدة كل البعد عن هدي الإسلام وروحه المتسامحة.

ولاشك أن الفكر المتطرف نشأ في بيئة خصبة على حين غفلة من العلماء الربانيين، وعلى سكوت مريب عن الجرائم التي تُرتكب بحق إخواننا المسلمين في شتى بقاع الأرض، وعلى باع قليل في الدين وتسطيح ظاهر لأمور عظيمة وتهويل لأمور صغيرة، وقد قال غير واحد من السلف في بعض أهل زمانه: إن أحدهم يفتي في المسألة لو عُرضت على عمر لجمع لها أهل بدر. وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه، وهي النظرة الأحادية للنصوص دون إلمام بالباقيات أو إغفال لها، وكذلك العجز عن التمييز بين الكليات والجزئيات، وكذلك قلة بضاعة بأحكام الاستنباط التي أعيت العلماء الراسخين في العلم، وإعطاء أنفسهم حق تفسير النصوص وفق ما يريدون، والبعد عن العلماء الربانيين الراسخين في العلم، وجهل تام بفقه الولاية والأهمية المحورية لولي الأمر في لمّ الشعث وتوحيد الصف والافتئات عليه في النوازل. فكان نشوء هذا الفكر أمراً متوقعاً في ظل عاطفة تؤجج أُواره.

هناك أيضاً القوانين الوضعية واستئثار أحزاب معينة بالحكم دون إتاحة الفرصة لحوار فكري أو طرح فاعل لقضايا الأمة، ناهيك عن التضييق على أرباب التوجه الإسلامي، مما ولد شعوراً بالكراهة والنفرة غذته عواطف متقدة وفقه غير رشيد.

إن دين الإسلام جاء للبشرية كلها ولم تكن رسالة النبي -عليه الصلاة والسلام- إلاّ كافة للناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأعراقهم. جاء الإسلام ليخلص الناس من عبادة غير الله -عز وجل- وليهدي الناس إلى طريق الحق ويدلهم عليه، ولهذا كان فرح الرسول -عليه الصلاة والسلام- بإسلام الناس أعظم من أي فرح، وما قصة الفتى اليهودي الذي كان يحتضر، وكان عليه الصلاة والسلام يعرض عليه الإسلام لينقذه من النار، وكذلك عم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم كثر.

إن الإسلام لم يأت لتنفير الناس ولا إكراههم على الدين، بل جاء دستوراً شاملاً متكاملاً يدعو إلى الله بالحسنى والكلمة الطيبة والخطاب السهل الميسر. لم يطلب منا كمسلمين أن نحكم على الناس أو ننصب أنفسنا قضاة، بل أمرنا بالدعوة إلى الله، وليس علينا هداية الناس، وليس علينا الانتصار على الأعداء، وليس علينا استعجال النتائج. فالرسول عليه الصلاة والسلام عانى ما عاناه في بداية الدعوة من ضعف الإمكانات، وقلة النصير، وتسلط كفار قريش وهم القوة والسلطان، ومع أنه عليه الصلاة والسلام مؤيد بالوحي من ربه، إلاّ أنه لم يقترف حرب عصابات، ولم يناكف الكفار، أو ينل منهم بل كان صابراً مصابراً. كان يمر على آل ياسر والكفار يسومونهم سوء العذاب، ويقول بلهجة الواثق من نصر الله: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة!!

إن انتصار الدعوات لا يأتي بين يوم وليلة ولا يأتي نتيجة اندفاع عاطفي أو فكر غير متزن. إن الصبر هو وقود الدعوة قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(. [آل عمران: 200].

ماذا كانت النتيجة؟ كم من أفراد أو جماعات كُفّرت؛ وكم من نصوص حُرّفت وفسّرت وأُخرجت عن سياقها الصحيح، وكم من مآسٍ جُيّرت باسم الدفاع عن الإسلام، وكم من قتل وتدمير وتشويه وتخريب!! والله لايحب الفساد، والرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يوصي الجيش بألاّ يقتل شيخاً كبيراً ولا طفلاً صغيراً، ولا يقتلع شجراً، ولا يهدم بنياناً. كل ذلك يؤشر إلى أن الهدم والتدمير والإفساد ليس من هدي الإسلام، ولاشك أن الدافع وراء ذلك الإفساد غيرة على الدين، لكنها لم تُوظّف التوظيف الصحيح، وهذا بلا شك تناقض فكري في السلوك؛ فحب الدين والدفاع عنه لا يستدعي قتل الآمنين المعاهدين، وأخذ الناس بالظنة، وتفسيقهم وتبديعهم لمجرد مقال نُشِر أو كلمة خرجت من غير قصد.

إن نشوة الانتقام من الكافر بالتدمير والتفجير والإساءة لروح الإسلام أمر يمجّه الإسلام ويرفضه؛ فالله أمرنا بالعدل. قال تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). [المائدة: 8]. فالعدل قامت عليه السماوات والأرض، ونشوة الفرح بدخول الكافر في الدين هي التي دعا إليها الإسلام في غير ما موضع، والإسلام يتسع لكل الناس؛ فلا تحجب هذا النور عنهم أو تبغّضهم فيه. ولاشك أن هذا الاحتقان المشبوب بالعاطفة والفهم الخاطئ للنصوص قد قعّد المنحرفون فكرياً له وغررواً به حدثاء الأسنان الذين لا يملكون إلاّ العاطفة والغيرة على الدين، فلبّست عليهم النصوص بلباس مختلف، ولُويت أعناق النصوص، واستثيرت العاطفة الدينية، وتُليت نصوص الوعد والوعيد، ورغبوا في الجنة فكانت قلوبهم وعقولهم بيئة قابلة للزرع ومحاضن خصبة لتبني هذا الطرح العاطفي المثير، وكأن ديننا لم يأت إلاّ للفتك ببني البشر لا دعوتهم إلى سواء الصراط.

إن الصيانة الوقائية ثقافة جديدة نوعاً ما علينا كمسلمين، فلا نستيقظ من سباتنا إلاّ بعد أن تحل المصيبة أو الخطر. إن تسلط الدول الكبرى على مقدرات المسلمين وازدرائهم والتضييق عليهم في معاشهم، وكذلك امتهان ما يُسمّى بدولة إسرائيل لكل القيم والأعراف الدولية واختراقها لكل الأعراف الدولية، وعدم التزامها بأي قرار دولي، ودعم أمريكا وبريطانيا وغيرهما لها أجّج، وأوجد نوعاً من الصراع المحموم المكبوت، فظهرت الكثير من النماذج التي تنادي بقتل الكفار والنيل منهم ومن كل متعاون معهم، وما كانت هذه الدعوات لتلاقي صدى لو كانت مجرد عواطف حبيسة في القلوب، لكن ما إن ظهرت تلك الممارسات الخانقة المدمرة للسطح بقضها وقضيضها حتى نهضت الحكومات تحارب هذا العدو الجديد، واستنفر العلماء، وحشدت الاحتياطات الأمنية. ولاشك أن كل سلاح يُقابل بسلاح مثله؛ فالفكر المنحرف يُقابل بفكر منضبط، والمفاهيم الخاطئة تُقابل بمفاهيم صحيحة، ولاشك أن من وقعوا ضحية لتلك الصراعات الفكرية المتسلطة بضاعتهم في الدين مزجاة لم ينضبطوا بضوابط الشرع، ولم ينهلوا من المعين الصافي الثرّ. إن دين الإسلام لم يضع قيوداً على الفكر، وما مصنفات علمائنا من سلف وخلف إلاّ أكبر دليل على ذلك، لكن الإسلام وضع شروطاً عند الغوص في هذا الخضم الذي لا ساحل له؛ فالراسخون في العلم هم الذين يعلمون التأويل، وهم المتفقهون في الدين، وهم من يقدر الأمور بقدرها، ولو تُرك الأمر لدهماء الناس لفسدت الأرض.

إن الثلاثة رهط الذين جاؤوا إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. لقد نبههم عليه الصلاة والسلام إلى هذا الانحراف الفكري الخطير ووجهم إلى الطريق الصحيح.

إن انفلونزا المفاهيم تصيبنا في مقتل إن لم نكافحها بعقيدة راسخة، وفقه حصيف، وقدم راسخ في العلم. إن كثيراً من أحكام الدين ليس قطعي الدلالة، والتأويل فيه من أهل العلم الراسخين مفتوح على مصراعيه، وإذا كان جيل الصحابة قد اختلفوا في بعض الأحكام فنحن من باب أولى؛ فالحق هو ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، والفكر مالم يكن منضبطاً بضوابط الشرع فهو بلقع يباب.

إن الدين هو الحاكم لتصرفاتنا، وهو الموجّه لنا في هذه الحياة. إن العلم الشرعي أزكى العلوم وأشرفها، وكما نقدر التخصصات العلمية، فمن باب أولى أن نغرس في عقول النشء أن الدين ليس كلأً مباحاً يرتع فيه من شاء، ويخوض غماره من ليس لديه حظ من علم.

إن قضايا الفكر من أخطر القضايا التي يجب على المسلم أن يكون حذراً في التعامل معها، ولا يصدر عن رأي واحد أو نظرة أحادية، بل عليه أن يدرك أن أئمة السلف كانوا يقلبون المسألة أياماً وشهوراً حتى يتبين لهم الحق.

ما أحوجنا أن نبتعد عن الأحكام المتسرعة والفتاوى المعلبة، وندرك أننا نوقع عن الله عز وجل!!

موقع الإسلام اليوم

تاريخ النشر:2010-03-16 13:11:30 الموافق:1431-03-30 13:11:30ـ | تمت قراءته: 2321 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=340