محنة العقل العربي

مسلم أونلاين


ألقى الدكتور عبد الله الأشعل أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، محاضرة في مكتبة الأسد بدمشق بعنوان «محنة العقل العربي» تحدث فيها عن ندرة الدراسات التي خصصت بالشرح العقل العربي مبيناً أن هناك فرقاً كبيراً بين أزمة العقل العربي، وبين محنة العقل العربي، حيث أن العقل العربي قد دخل في مراحل متطورة حوّلت الأزمة إلى محنة، فضلاً عن الشق الكبير الذي أصابه في مناسبات عديدة، ومواقف مختلفة تعرضت لها المنطقة العربية.

الديمقراطية العربية

 

رأى الدكتور الأشعل أن مسألة الديمقراطية وتطبيقها في العالم العربي من أهم العوامل التي ساهمت في شرخ العقل العربي، وعلى الرغم من امتلاك الكثير من المثقفين والمفكرين لمعلومات تتعلق بأنماط النظم الديمقراطية والسياسية، إلا أنه يرى أن العقل العربي العام لم يصل إلى النمط الديمقراطي المطلوب في العالم العربي، والذي يتناسب مع البيئة العربية، ومع ما تتطلع إليه الشعوب العربية، مشيراً إلى أن الشعوب العربية تريد الحرية، ولكن أي قدر، وأي نوع؟ هل تريد الحرية الدينية، أم السياسية، أم حرية النقد، والبناء؟ هذا ما لم يفهمه المثقف العربي –حسب الأشعل- المشكلة تتعلق بالمثقفين العرب الذين حاولوا التركيز على بعض الجوانب دون أن يكون لهم نظرية متكاملة في هذا الخصوص، فنراهم وقد بحثوا في معوقات الديمقراطية، فرآها بعضهم في الدين متخذين من النموذج الأوربي مثالاً، فالديمقراطية الأوربية لم تحتفِ بالدين، ولم تنشأ إلا بعد قمع الكنيسة، وحين غدا الملك هو رمز السلطة السياسية، معتبرين تداخل الدين بالسياسة هو أمراً إنشائياً، فنقلوا ذلك عن الثقافة الغربية حرفياً.

وهناك فريق آخر اعتبر أن الدين هو الأساس في بناء الأمم.

وبين هذين الفريقين نشأت التيارات السياسية في المنطقة العربية، التي تناولت الموضوع من منظور دفاعي، بمعنى سطوة وتمكين النظم السياسية على الأنشطة الدينية التي تحرك مشاعر الناس، والحجة في ذلك الحفاظ على الاستقرار، وعدم بث الفوضى والفتنة، من هنا، ظهرت المواجهة بين التيارات الدينية والسياسية، وحسب رأيه، ليس هناك نمط جاهز للتوفيق بين الرأيين.

العلاقة بين العقل العربي وبين القومية

إن جوهر الأزمة في العقل العربي وأحد التفسيرات الهامة، تبدو في ارتباط الفكر القومي ارتباطاً مباشراً بقيام نظام تبناه، وهو النظام الناصري في مصر، فتحوّل الفكر القومي من طروحات نظرية إلى سياسات عملية، وهنا حدث الخلط بين الفكر القومي والممارسات، فاتجه القوميون العرب إلى تمجيد الرمز الذي قدم هذا الفكر في إطار تنفيذي، ثم كانت المواجهات مع الاستعمار الغربي الذي سعى إلى قمع التجربة القومية، والتي انتهت بنكسة حزيران عام 1967م، فانشغل العقل العربي في تحديد أسباب النكسة في ظل غياب الديمقراطية، ولم يتمكنوا من تحديد نظرية متكاملة لتفسير ما حدث. وفي عام 1973م حدثت المواجهة مع العدو الإسرائيلي، ولم تكن مواجهة على الجبهتين السورية والمصرية، وإنما كانت مواجهة عربية- إسرائيلية، وعجز ثانية العقل العربي –والكلام للأشعل- عن القيام بدراسة تحليلية لمدلول هذه المواجهة، فهل كانت محاولة لإعادة إحياء مشروع العقل القومي العربي؟!.

 ومرة أخرى انقسم العقل العربي بين النظريات الليبرالية الغربية التي لا تنطبق على الحالة العربية، والتي أدت إلى ضرب القومية العربية، وبين التيار الديني الذي برز كبديل عن التيار القومي.

ولفت الدكتور الأشعل أن حرب العراق على الكويت قد أحدثت انقساماً خطيراُ في العقل العربي، أضرَّ بالقومية العربية ضرراً بالغاً، حيث كان في الغرب اتجاهاً لضرب القومية العربية، وهذه الحرب ساعدته على ذلك، كما ساهمت أحداث أيلول في ضرب الفكر الديني. والمستفيد من هذه الانقسامات الولايات المتحدة التي استقرت في المنطقة إلى غير رجعة.

الحوار العربي - الإيراني

 

استعرض الدكتور الأشعل قيام الثورة الإسلامية الإيرانية، مبيناً الحالة الخطيرة التي وصل إليها الانقسام في العقل العربي ما بين مؤيد لهذه الثورة، ومعارض لها، بعضهم رأى أن في انتصار الثورة الإيرانية هو نصر للإسلام والمسلمين، والبعض الآخر اعتبرها أنها تحدّياً للاستعمار الغربي المرتبط بمصالحه، وحتى هذه اللحظة نرى السياسة الإيرانية محل جدل في العقل العربي، وليس هناك من موقف واحد متفق عليه حول دور إيران في المنطقة العربية. لكن الأشعل يرى أن الحوار العربي- الإيراني ربما يمثل صمام أمان لتفادي الآثار السلبية  للتدخلات الغربية الاستعمارية في المنطقة التي تتزعمها إسرائيل، باعتبار أن إيران جزء من نسيج المنطقة وثقافتها، وأن تجاهلها أو التآمر ضدها سيكون لمصلحة القوى الأجنبية التي تستهدف المنطقة العربية، وأن الحوار العربي – الإيراني هو هدف استراتيجي ولا بد من الإلحاح عليه للحفاظ على المصالح العربية، وعلى الوجود العربي.

القضية الفلسطينية

المشروع الصهيوني هو مشروع إسرائيلي سرطاني، اتخذ مكانه في فلسطين لتفتيت المنطقة العربية، وقد نجح في ذلك حيث تمكّن من 90% من الأراضي الفلسطينية، وساهم في انشقاق وحدة الصف الفلسطيني، فإذا ما قرأتم معي أوسلو " فإن رئيس السلطة هو العمدة الذي يحمي الكيان الصهيوني"، هكذا بدا الدكتور الأشعل في نقده للحالة التي وصلت إليها القضية الفلسطينية، هو إلحاح الثقل الصهيوني على هذا  العقل، فكل الأحداث التي أفقدته قدرته على التماسك تعود إلى مضاعفات الصراع العربي الصهيوني، ولذلك فإن أفدح آثار هذا الصراع وضحيته الأولى هي العقل العربي؛ ذلك أن النظم السلطوية العربية أثر من آثار هذا الصراع. مشيراً إلى أن أخطر هدف نتج عن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية ليس في إشاعة السلام حقيقة، وإنما في استهداف العقل المصري والعربي. وما حدث من أحداث دامية  بعدها يؤكد هذه الحقيقة.

وختم الأشعل محاضرته راجياً من المفكرين والباحثين العرب أن تركز دراساتهم اللاحقة على ثلاثة موضوعات تثقيفاً وتهذيباً للعقل العربي وتدريباً له على النقد. الموضوع الأول هو دراسة الأسباب التاريخية والتراكمية التي أدت بهذا العقل إلى مرحلة الاستسلام والخمول.

الموضوع الثاني يبدو في طرائق حصر العقل العربي صوب الطابع النقدي في المنزل والشارع والمدرسة و في الحياة السياسية.

الموضوع الثالث ويتعلق بالشأن المصري، وهو كيف يتحول المصري من مستسلم لأقداره، عاجز عن نقدها وتغييرها على كل المستويات دون أن يتهم بأنه يفتح عين المواطن على عورات النظام، أو أنه يسعى إلى تحريره من أغلاله، أو أنه يساعده على الشعور بواقعه المريض ويبين طريق الخلاص منه.

المصدر: موقع مسلم أون لاين

تاريخ النشر:2010-12-02 03:09:00 الموافق:1431-12-25 11:09:00ـ | تمت قراءته: 2642 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=3444