الطغاة أم الغُزاة.. الخروج من عصر الحيرة!

وليد سيف


الاكتفاء بالمقابلة المبدئية المُجردة بين نهج المفاوضات والحلول السياسية في طرف، ونهج المقاومة في طرفٍ آخر، مُضلل ملتبِس، إذ يحصر الجدالَ في المبدأ العام: هل أنت مع السلام أم ضده؟ ويستتبع ذلك في العادة الكلامُ عن الواقعية السياسية والعقلانية, واعتبار الظروف الدولية وموازين القوى وعدم تفويت الفُرص، والشرعية الدولية التي لا يمكن تجاهلُها، وويلات الحروب ودورات العنف، في مقابل ثمار السلام ووعود الانصراف إلى التنمية وتحسين مستويات المعيشة في مناخ الأمن والاستقرار والتعاون الإقليمي والدولي.

والجدال حول المبدأ بهذا الأسلوب العام المُجرد، يصرف عن السؤال: أي سلام؟ وما شروطُه ومضامينه وغاياته وآفاقه؟ وما سقف الحقوق الوطنية التي يسعى إليها ويحتكم لها وتمثل معايير النجاح أو الإخفاق كما تمثل شروطَ التفويض؟ وما المدى الزمني لاختبار جدوى المشروع؟ وأخيراً: ما البديل في حال إخفاقه وفقاً لتلك المعايير؟

ومن المعلوم أن ثمةَ من لا يرفض نهج التفاوض من حيث المبدأ، ولكنه يرفض تسوية سياسية تُفرط بحقوق وطنية ثابتة مثل حق العودة، ويرى أن المقاومة تبقى حقاً مشروعاً ما بقي الاحتلال.

وإذ ينشغل الناس بالسجال حول المنهج ومن يمثلونه، وأي الفريقين أجدرُ بصفة التمثيل والشرعية والدعم، فإن ذلك ينحرف بالصراع عن وجهته الأساسية، من حيث هو صراع بين مشروع الاغتصاب والاحتلال والإحلال الصهيوني وعمقه الاستعماري الإمبريالي من جهة، ومشروع التحرير الفلسطيني وعمقه العربي الإسلامي من جهة أخرى، يصير صراعا بين ما يوسم - أو يوصم - بنهج الاعتدال بإطلاق، ونهج المقاومة والممانعة بإطلاق.

وإذ تتعرف المفاهيم بأضدادها، فإن "الاعتدال" الذي يتعرف بالضد من المقاومة، لا مفر له من أن يدخل في المعاني المرذولة التي تفيد الإذعان والاستسلام والخضوعَ والتواطؤ، في نظر الضدِ ومؤيِديه.

وفي المقابل فإن المقاومة والممانعة تتحولان في خطاب "الاعتدال" النقيض إلى معاني التطرف والتشدد والعنف العبثي "والأجندات" الإقليمية الخفية.

وفي هذا السياق المُختل، ومع تحول خطوط الصراع على هذا النحو، تستطيع دولة الاحتلال الصهيوني أن تُعلن اندماجَها في خط "الاعتدال" الإقليمي العربي الذي يشمل السُلطة الفلسطينية نفسَها!

مشهد عبثي مُخجِل: الغزو واغتصاب وطن وتشريد أهله، ومحاولة إلغاء شعبه، وارتكابُ أفظع المجازر بحقه، كل هذا لا يؤهل العدو لوصمة التطرف، ولا يحرمه من الاندماج في صف الاعتدال الذي يضم من يُفترض أنهم يُمثلون الشعب المنكوب، أما البقية الباقية من المقاومة، فتستحق تلك الوصمة!

ولا يضر العدو بعد ذلك أن يُطالب الجميع بالاعتراف بدولته دولةً خالصة لليهود من دون خلق الله، أي دولة نقاء عرقي ديني، وهو الذي ما فتئ يبتز العالم مذكراً بأنه كان ضحيةَ نظام نازي قام على فكرة النقاء العرقي وإقصاء الآخر.

ويُطالب بذلك في زمن يطغى فيه الكلام عن التعددية وقبول الآخر ونبذ كل أشكال العُنصرية والإقصاء، ويشحذ فيه سماسرةُ الليبرالية الجديدة المُتصهينة أسلحتَهم ضد التيارات القومية والإسلامية على الجملة، موزعين عليها تُهمَ الفاشية والعُنصرية والظلامية والانغلاق والإقصائية، بينما تنشغل مراكز الأبحاث الممولة من الخارج بتنظيم الندوات والمؤتمرات والدراسات عن حقوق "الأقليات" المهدورة في الأقطار العربية.

وتخيلوا لو أن مسؤولاً أميركياً دعا إلى تعريف الولايات المتحدة رسمياً وقانونياً بأنها دولة البيض الأوروبيين المسيحيين، أو البروتستانت تحديداً! إذن لقام عليه من الأميركان أنفسِهم من ينعته بالجنون والعُنصرية والنازية، ثم لم يزل به حتى يعزلَه من موقعه ملفعاً بالخزي والعار.

ولكن، لم العجب، وقد صار من المألوف أن تُجيز السياسة الغربية للكيان الصهيوني ما لا تُجيز حتى لنفسها، فضلاً عن غيرها. ومثلها في ذلك دعاتها في الوطن العربي.

وليس ثمةَ منهم من يجرؤ على السؤال: ألا يضمرُ تعريفُ الدولة تعريفاً عُنصرياً يقوم على فكرة النقاء العرقي الديني، سياسةَ التطهير العرقي؟ وهل آن الأوان لتهجير من تبقى من العرب الفلسطينيين وراء الخط الأخضر (أو الدامي) وإلحاقهم بملايين اللاجئين السابقين؟ وهل هذا هو الرد الاستباقي على المطالبة بحق العودة؟ وهل هو شرط لاستئناف المفاوضات أم سبب للإعلان المتأخر عن موتها؟

وإلا ما الجديد في وصف الكيان الصهيوني بأنه دولة يهودية خالصة، وقد كان هذا أساس نشأته منذ بدأت الحركة الصهيونية بمشروعها، ومنذ خرج وعد بلفور بنصه على وطن قومي لليهود؟

ولا ثمةَ من يتساءل أيضاً: كيف تُطالب إسرائيل بالاعتراف بها دولة لليهود حصراً، بينما تتمتع الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا بكل حقوق المواطنة، بل بأكثرَ منها، باعتبار أن الدين والعِرق لا يدخلان في تحديد المواطنة والهوية الوطنية؟

أليس من المفترض أن اليهودي الأميركي مواطن من الأمة الأميركية، وكذلك اليهودي البريطاني في بريطانيا، والفرنسي في فرنسا؟

والمفارقة الأخرى أننا ما زلنا منذ دهر نؤكد أن صراعنا مع العدو الإسرائيلي ليس صراعاً مع اليهود بصفة الدين، وإنما هو صراع مع الغاصب بغض النظر عن دينه وعِرقه، ونفضل الحديث عن الصهيونية والصهاينة وإسرائيل والإسرائيليين -إذا اقتضى الأمر- ثم يكون الصهاينة أنفسهم من يُصرون على المماهاة بين الصهيوني واليهودي.

فإن كان ذاك، صار من المنطقي أن يُتهم الغربي الذي ينتقد سياسات إسرائيل ـ ولو على خجل ـ بمعاداة السامية التي احتكرت حصرا لليهود واليهودية!

كيف يفعل ممثلو نهج التسوية والاعتدال إزاء هذه المطالب الجديدة التي تشترطها إسرائيل لاستئناف عملية السلام مع شركائها؟ من جديد، يمكن الاحتماء بمنطق المقابلة العامة المجردة بين مبدأ الاعتدال والعقلانية والواقعية السياسية والعملية السِلمية من جهة، وخط التطرف والعنف العبثي والتهديد الإيراني باسم المقاومة والممانعة من جهة أخرى. فالمهم ألا تكتسب المقاومة أي مسوغات جديدة من التعنت الإسرائيلي المتصاعد.

وبهذا المنطق تُجرد المقاومة من صفتها في مواجهة الاحتلال، لِتُصَورَ بأنها مجردُ مليشيات إسلامية لا تُهدِد قوى الاحتلال الإسرائيلي بقدر ما تُهدد النظامَ العربي العتيد، وعلى الرغم من أن "إمارتها الإسلامية" في غزة لا تُمثل خطراً حقيقياً على جوارها الإسرائيلي، بصواريخها العبثية وقدراتها العسكرية الهزيلة، فإنها تُمثل تهديداً حقيقياً لجوارها العربي من وجهتين:

تحالفاتها الإقليمية مع دول الممانعة، ولا سيما إيران.

وارتباطاتها العقدية والسياسية والتنظيمية بالحركة الإسلامية المُعارضة داخل النظام العربي.

وعليه، فإن صعودها في داخل فلسطيني ينتظم في صعود التيار الإسلامي الأصولي الذي يُمثل النقيضَ الأكبر للنظام العربي الرسمي، ومن ثَم فإن محاصرتها وتطويقها، وإن التقيا مع السياسة الإسرائيلية على أمر قد قُدر، فإنهما ينتظمان في حرب النظام العربي ضد التيار الإسلامي السياسي والأصولية.

وبذلك يُخرِج النظامُ إسرائيل من دائرة الصراع، ويُدخلها في دائرة التحالف، باعتبار أن النقيض الرئيس له هو تياراتُ المعارضة الداخلية، وفي مقدمتها الإسلامية.

وإذ يُصبح من المستحيل أحيانا تجاهلُ التطرف الإسرائيلي الفَج الذي يُحاصر شركاءَ الاعتدال العرب بالإحراج والإهانة (من نوع خطاب الليكود وتصريحات نتنياهو وليبرمان) فثمةَ مخرجٌ بجمع المقاومةَ مع التطرف الإسرائيلي في جبهة واحدة، في مقابل جبهة الاعتدال والسلام التي تجمع أيضاً من جهتها قوى إسرائيليةً صهيونية (وإن كانت والغة في الدماء) مع قوى السلام العربي.

وهنا يكتمل المشهدُ العبثي المُخجِل في سياق الطعن في مصداقية المقاومة، (الإسلامية تحديداً، مع التجاهل المتعمد لفصائلَ أخرى ذاتِ ثقل تاريخي رمزي بغض النظر عن ثقلها العددي) فهي:

حليفُ إيران وذريعتها للتوغل في العُمق العربي، ومن ثَم تلحق بها شُبهة التشيع والتمهيد له.

وهي من جانب آخر:

امتداد للحركات الأصولية الداخلية (وهي التي لا يشك في انتمائها السُني).

وهي من جانب ثالث:

الوجه الآخر للتطرف الإسرائيلي، أو أحد مسوغات صعوده، أو هي صناعة إسرائيلية ابتداء لإضعاف منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، أو هي على الأقل، تُوافِق مطلباً إسرائيلياً إذ تتذرع بها للتنصل من استحقاقات السلام، بدعوى أنها لا تجد شريكاً فلسطينياً موحداً لصنع السلام.

وإذن، فالمقاومة حسب هذا المنطق مشروع إيراني إسرائيلي أصولي معا! فإن تحدت هذه الخلطة عقلَك، فثمةَ من يُعينك في تخريجها باستدعاء نظرية المؤامرة.

فإيران مثلا، وإن تظاهرت بعداوة إسرائيل والولايات المتحدة، فإنها في باطن الأمر، متواطئة سراً معها لاقتسام النفوذ في المنطقة، أو أن إيران ـ في أقل تقديرـ تستعمل المقاومة للمقايضة بها على مصالحها ومشاريعها التوسعية وبرنامجها النووي الموجه ضد العرب! فلا تناقض هنا.

وربما اجتهد أسخفهم طريقة ليُسوق لك الدليل القاطع. فنظر، ثم عبس وبسر، ثم نظر، ثم أقبل واستدبر، ثم صاح صيحة الظفَر، قائلاً: ألا ترى إلى إيران التي تدعي دعم المقاومة، لم تُكلف نفسها إطلاق رصاصة، فضلاً عن صاروخ، على إسرائيل، ولم تدفع بجيوشها نحو فلسطين حين كان الشعب الفلسطيني يُذبح في غزة؟ ألا يفضح هذا زيف ادعاءاتها؟

إي والله، لقد قيل هذا. ولك أن تعجب ما وسعك العجب. فليس أقبح من الغباء إلا استغباء خلق الله. سبحان الله! تُتهم المقاومة في لبنان وفلسطين بأنها اختطفت لنفسها قرار الحرب، فجرت الويلات على البلاد والعباد، ويُعلن النظام العربي أنه أسقط خيار الحرب إلى الأبد، ويحتفظ بحقه في حماية حدوده مع إسرائيل من المغامرين العابثين الذين يريدون مساعدة الشعب المُحاصر ومقاومته، ثم لا يجد أولئك ما يثبتون به زيف الادعاءات الإيرانية إلا أنها لم تدفع بجيشها عبر الأقطار العربية وصولاً إلى فلسطين، وإلا اتهامها بالامتناع عن حرب يُفاخرون هم بامتناعهم عنها.

فإن كانت هذه هي التُهمةَ التي تُسقط المصداقية، أفليس أولى بها من لم يكتف بإسقاط خيار المواجهة إلى الأبد، وإنما جاوز ذلك إلى العمل على إرغام الفلسطينيين داخل وطنهم المُحتل على إسقاط خيار المقاومة!

وإذن، فلا تناقض بين إيران وإسرائيل على الحقيقة حسب هذا المنطق، ومن ثَم ينتفي التناقض في اتهام المقاومة بأنها مشروع إيراني إسرائيلي في آن.

وأما البُعد الثالث في صفة المقاومة، وهو علاقتها بالتيار الإسلامي الأصولي المحلي السُني قلباً وقالباً، فيمكن تخريجه بالقول: إن هذا التيار يلتقي مع إيران في الكيد للنظام العربي، وهو غير معنيٍ حقاً بمواجهة المشروع الصهيوني، بقدر ما يتوسل الخطاب الجهادي لتحشيد الجماهير حوله وصولاً إلى أهدافه السياسية الداخلية.

وإن لم يكن هذا كافياً، فرُب من يُعيد علينا التُهمةَ القديمة القائلة إن الحركة الإسلامية قد نشأت أصلاً بتدبير أجنبي استعماري لإضعاف الحركة الوطنية أو ضرب التيار القومي.

والطريف أن من يُردد هذا الآن هو نفسه خصم التيار القومي، إلى جانب خصومته للتيار الإسلامي ولتيارات المعارضة اليسارية.

ولعلك تتساءل عند هذا الحد: أليس في القوم رجل رشيد يُلفق لهم تخريجات أكثر ذكاء وأقومَ طريقةً لستر العورات؟

نُرجح أن بينهم من لا يفتقر إلى الذكاء، ولكن الذكاءَ غيرُ الرُشد الذي يذهب به الهوى. والخرق أوسع من أن يُصلحه راتق، مهما يبلغ من الدهاء، ومهما يمتلك من المنابر والأبواق الإعلامية.

وإذ يُدرك هؤلاء مدى تهافت تخريجاتهم، فإنهم يعمدون إلى نفخ النرجسية الوطنية القُطرية عند شعوبهم، باعتبار أن نقد السياسات الرسمية وكشف اختلالاتها من أطراف إقليمية خارجية إنما هو انتقاص من الهوية الوطنية، وجحودٌ للتضحيات التاريخية القديمة، وتنكُرٌ لدور البلد المركزي الإقليمي ومزايدة عليه، ومحاولة بائسة للتوريط والاستدراج، وهو أخيراً من باب اجتراء الصغار على الكبار.

وبهذا يماهي النظام بينه وبين شعبه، ويعمل على إحراج المعارضة في بلده، فإن رفعت صوتها بالنقد كالوا لها تُهمة التواطؤ مع قوى خارجية إقليمية متآمرة ضد وطنها.

وهكذا لم يعد الاستعلاء الإسرائيلي يتحدى مشاعر الاعتزاز الوطني، الذي يُجرد في هذا السياق من بُعديه العربي والإسلامي، وإنما تتحداها شراذمُ عربية تريد أن تجر المنطقة إلى ويلات الحروب باسم المقاومة والممانعة، ولا تنضبط بشروط الكبار الذين انفردوا بالسلام عن غيرهم، ولا يريدون لغيرهم أن ينفردوا بالمقاومة، مهما يستطيل الاحتلال، ويزداد العدو علواً واستكباراً، ويُعطل كل جهود السلام والتسوية.

وبدلاً من أن يُنظر إلى المقاومة بوصفها الاستجابةَ الطبيعية لاحتلال مستمر ولإخفاق العملية السياسية، تُحمل المقاومةُ مسؤوليةَ إخفاق الحلول السياسية. ولسان الحال "لا أريد أن أحارب حرباً لم تعد تخصني، ولا أرضى منك أن تحارب حرباً تخصك. وليس ذاك لأنني أخشى أن تستدرجني حربك إلى مواجهة مع إسرائيل، فهذه باتت خارج حساباتي القُطرية، وإنما لأنها تُوسع الهوة بيني وبين شعبي وقوى المعارضة فيه، وتُضعف موقفي الداخلي. وإذا كنت قد تخليت عن دوري المركزي في قيادة الصراع العربي مع المشروع الصهيوني، فقد استبدلت بذلك دوري المركزي الإقليمي في إدارة السلام والتسوية السياسية وتوزيع الأدوار ومنح صكوك الشرعية للبعض، وصكوك الحرمان بحق الآخرين!"

مُحصلة القول إن كل هذا السجال العبثي يحتمي بتلك القسمة المبدئية المُجردة بين نهج السلام والمفاوضات، ونهج المقاومة، على اختلاف التسمية من وجهة نظر كل من الفريقين.

فكما ذكرنا سابقاً، تصرفنا هذه القسمة العامة عن مساءلة ممثلي النهج السياسي التفاوضي "المعتدل" عن طبيعة مشروعهم وحدوده ومحدداته وآفاقه وغاياته وسقف مطالبه الوطنية، ومعايير النجاح والإخفاق، كي يؤيدَهم من يؤيدُهم عن بيِنَةٍ، ويُعارضَهم من يُعارضُهم عن بينة، ونعلم إن كان لهم حق التفويض باسم الشعب الفلسطيني.

وإذن دعونا نخرجْ، ولو مؤقتاً، من شَرَك هذه الثنائية المتفاصلة بين المقاومة والعمل السياسي، ولنَمضِ مع "العيار إلى باب الدار" لنطالبَ ممثلي نهج التسوية "والاعتدال" ولاسيما السلطة الفلسطينية، بأن يُجيبوا عن بعض الأسئلة دون مواربة أو تمويه أو احتماء بالشعارات العامة، لنرى من ثَم " هل يرضى الهم بنا إن رضينا به".

ما سقف الحقوق الوطنية التي لا يمكن التنازل عنها؟ وتحديداً هل تتضمن:

أولاً: عودة جميع الأراضي التي اُحتلت عام 1967، ومعها القدس الشريف، تحت سيادة فلسطينية غير منقوصة.

ثانياً: حق العودة للاجئين الفلسطينيين غير منقوص إلى ديارهم التي أُخرجوا منها.

إذا كان جوابكم أن هذه المطالبَ موضوع للتفاوض الذي لا بد أن يُفضيَ إلى حلول وسط وبعض التنازلات، أو إلى صيغ إبداعية (كما كان الرئيس كلينتون يُحب أن يُسميَها، وحقيقتها الالتفاف على هذه القضايا الجوهرية) وقلتم إن الإصرار المُسبقَ على كامل هذه المطالب يسد الطريق ابتداءً على المفاوضات وفرص التسوية، إذا كان هذا هو الجوابَ، فلعمري من أين جئتم بشرعية التفويض والتمثيل، إلا إذا ألغيتم ملايين اللاجئين الفلسطينيين من تعريف الشعب الفلسطيني، صاحبِ التفويض، واختزلتموه بكم، واكتفيتم من الشرعية بالقَبول الأميركي الإسرائيلي.

أما إذا كان جوابكم بالإيجاب فأكدتم أن هذه حقوق لا يمكن التصرفُ بها، فإنكم تعلمون كما نعلم أن إسرائيل سوف تتكفل بإغلاق الباب على المفاوضات ومبادرات التسوية، وتُعلن مرة أخرى عدمَ وجود شريك فلسطيني لصنع السلام.

وهذا يقود إلى السؤال الثاني الذي نوجهه لكم:

إذا أحبطت إسرائيل كل فرص التسوية، حتى مع الاحتكام إلى قرارات ما يُسمى بالشرعية الدولية، وتنكرت لهذه الحقوق الدُنيا، فما البديلُ عندكم؟

إن لم يكن ثمةَ بديل لجهود التسوية وفرص السلام، فلا معنى إذن للحديث عنها. إذ أنه إذا انتفى خيارُ المقاومة والخيارُ العسكري، فينتفي معه بالضرورة خيارُ السِلم، فـ"الخيار" لا يكون إلا بين إمكانين أو أكثر. ومن أسقط خيارَ المقاومة لم يكن له بديل إلا الخضوع والاستسلام لعدوه القاهر القادر.

أو.. نعم.. يمكن اعتبار العملية السياسية وجهود التسوية مشروعاً مفتوحاً إلى الأبد! ومن لا يستطيع أن يشن الحرب، يستطيع أن يشن السلام على عدوه، فكلما أطفأ العدو محاولةً للسلام، أشعلناها عليه من جديد! وبذا تصبح العملية السياسية السِلمية هدفاً في ذاتها لذاتها. فإن عجزتْ عن انتزاع الحقوق الوطنية الدُنيا من العدو، فإنها تستطيع أن تُحقق أهدافاً أخرى أشد إلحاحا:

إذ توفرُ المسوغاتِ المستمرةَ لمحاصرة المقاومة وتحميلها مسؤوليةَ الإخفاق في العملية السياسية.

وتضمنُ بقاء فرسان السلام في مواقعهم القيادية وإقطاعياتهم السياسية وفي عضوية النادي الأميركي، ما بقيت بضاعةُ السلام معروضة في واجهة المشهد، إذ أن استنفاد فرص السلام والإقرار بإخفاق العملية السياسية يعني ترجلَ فرسان السلام عن مطاياهم المطهمة المنذورة للسلطة الجائعة!

ويتصل بالأسئلة السابقة سؤال مُلح آخرُ يجري تجاهلُه عمداً: كم يجب أن يمضيَ من الزمان على العملية السِلمية، دون تحقيق نتائجَ مقبولةٍ، كي نُقِر بإخفاقها؟

ولقد قيل مثلاً: إن المبادرة العربية لن تبقى مطروحةً إلى الأبد! ونعترف أن فهم هذه العبارة قد أعيانا. فما حد الزمن الذي إذا جاوزناه دخلنا في الأبد!؟ ومن جديد، إذا انقضى زمنُ المبادرة مهما يكن تقديرُه، فما البديل عند من أسقطوا خيار الحرب إلى الأبد؟!

لا مفر من الاستنتاج أن البديل الوحيد هنا هو الانصرافُ جملةً عن القضية الفلسطينية، ولينشغل الفلسطينيون باقتلاع أشواكهم بأنفسهم.

ولكن، إذا اختارت الأنظمة نفضَ أيديها، فإن الأمة لا تفعل. ولسوف تبقى القضية الفلسطينية حاضرةً في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين وضع الجبهة الداخلية وعدو الأمة الخارجي، بين سؤال التغيير وسؤال التحرير، بقدر ما يتعزز اليقين بالتلازم الشرطي بين الطغاة والغزاة!

ولكن لماذا نسأل عن معيار الزمن واحتمالات المستقبل، وقد كان ما سوف يكون. ألم يَمضِ على أوسلو ستةَ عشرَ عاماً، وعلى مدريدَ أكثرُ من ذلك؟ ولم يتحصلْ من عملية السلام إلا المزيدُ من المستوطنات، والمزيدُ من قضم الأرض بالجدار الفاصل، والمزيد من تهويد القدس، والمزيد من القمع والقتل والمجازر والتجويع والاعتقالات، والمزيد من الحواجز، والمزيدُ من التطرف الصهيوني، والمزيد من التنازلات على الجانب العربي والفلسطيني، والمزيد من التفكك والصراعات على الجبهة الفلسطينية والعربية، وما يزال فرسانُ السلام على خيولهم يحمون إقطاعياتهم السياسيةَ الداخلية بدعم أميركي صهيوني.

وكل ذلك بفضل صبرهم المُعجِب على شعار السلام، ولو كره المقاومون، أو خذلهم الإسرائيليون. فقد بات لسانُ حالهم "أعلنا عليكم السلامَ إلى يومِ يبعثون". وإن كان ما يزال فيهم بقيةُ قوة وشوكة، فيمكن صرفُها بكفاءة مشهودة في محاصرة المقاومة ومطاردة المقاومين. وهو على كل حال تقليد عربي رسمي قديم.

فالسلام المقدس لا يعني خمولَ العساكر ولا تقاعدَ السلاح، ولكنه يعني إعادةَ توجيهها لتصير قوةً بوليسية ضد المعارضة الداخلية، لحسابها وحساب العدو الخارجي.

ولقد أتى على الإنسان العربي حين من الدهر، كان الطغاةُ فيه يبطشون بشعوبهم ويغتالون الحرياتِ باسم مواجهة الغُزاة. وفي المقابل، كان نفر من الأمة يستجير بنار الغُزاة من رمضاء الطغاة.

وبين هؤلاء وأولئك فئة صامتة محيرة تقضي حياتَها تتساءل: الطغاة أم الغُزاة؟! أما الآن، فقد خرجنا من عصر الحَيرة حين التقى الغُزاة والطغاة في جبهة واحدة ضد الشعوب التي أدركت أخيراً أن الطغاةَ كانوا منذ الأزل شرط الغُزاة، وأن التغييرَ والتحريرَ متشارطان تشارطَ الأرواح والأبدان!

ورحم الله أبا الطيب:

وسِوى الرومِ مِن ورائِكَ روم ... فعَلى أيِ جانِبـَيكَ تَمـيل

المصدر: الجزيرة نت

تاريخ النشر:2010-02-21 14:27:13 الموافق:1431-03-07 14:27:13ـ | تمت قراءته: 2286 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=433