القدس محور الصراع الإسلامي العربي /الصليبي الصهيوني

خـالد يوسـف


الهجمة الصهيونية/ الصليبية الغربية على القدس التي استعرت هذه الأيام، والإصرار على التسوية وفق الرؤية الصهيونية الأمريكية، التي تضم القدس الشريفة إلى الكيان الصهيوني الغاصب، يفرض على من يحاول التدبر العودة للتاريخ وربطه بما يجرى الآن من أحداث، كما يلفت النظر للعجلة التي يحاول بها أعداء أمتنا فرض هذه التسوية، في إطار تراجع الهجمة الأمريكية الصهيونية تحت ضربات المقاومة، ويبدو أن تاريخ الصراع على القدس.. هو نفسه تاريخ حسم الصراع في مرحلة تاريخية ما بين الحضارتين المادية والإيمانية على مدى التاريخ.

فمنذ أن استلم عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مفاتيح القدس، وكتب العهدة العمرية، والتي جاء فيها «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقض منها ولا من حيزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وله مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية ابن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة 15هـ».

منذ ذلك الحين والقدس ما تزال المؤشر الأدق لقوة أو ضعف حال الأمة الإسلامية في مواجهة الغرب الصليبي والحركة الصهيونية.

كما كانت القدس أيضا المؤشر الأدق على حال الأمة من الداخل، فقد كانت القدس محورا للخلافات الداخلية للأمة في أزمنة التفكك.. فحسب التقسيمات الإدارية أصبحت فلسطين "جنداً" من "أجناد" الشام الذي توزع على أربعة أجناد في الراشدين، وأصبحت خمساً في عهد الدولة الأموية، وقد ظلت فلسطين جزءاً أصيلاً في الدولة الإسلامية ومتفاعلاً مع تطوراتها السياسية والحضارية، ولم يكن تغير الدول والأسر الحاكمة ليؤثر على حقيقة أن أهل فلسطين عرب مسلمون موالون لدولة الإسلام وحكم الإسلام.

وقد استمر حكم الراشدين حتى سنة 41هـ - 661م، ثم تبعه حكم بني أمية حتى 132هـ - 750م ، ثم العباسيون الذين استمر حكمهم المباشر على فلسطين إلى أن بدأ يعاني من الضعف والتفكك مع انتهاء العصر العباسي الأول بمقتل الخليفة العباسي المتوكل سنة 247هـ - 861م مما أعطى الفرصة للولاة إلى أن يشكلوا لأنفسهم سلطات محلية وراثية، كما حدث مع العائلة الطولونية التي حكمت مصر وضمت فلسطين إليها 264 – 292هـ أي 878 – 905م، وقد حذا الإخشيديون حذو الطولونيون عندما حكموا مصر، فضموها إلى نفوذهم 323 – 358هـ أي 935 – 969م. وقد حكم الإخشيديون والطولونيون تحت الظل الاسمي للدولة العباسية.

وفي 358هـ تمكن الفاطميون الذين ينتمون إلى المذهب الإسماعيلي من السيطرة على فلسطين. وخاض الفاطميون صراعات مع الثورات المحلية ومع القرامطة والأتراك السلاجقة للسيطرة على فلسطين.

وتمكن السلاجقة في 464هـ - 1071م من السيطرة على معظمها. لكن الصراع عاد ليحتدم بين السلاجقة أنفسهم وبينهم وبين الفاطميين الذين تمكنوا من السيطرة على صورة سنة 1097 وبيت المقدس في فبراير 1098، وقد كان هذا الصراع في غمرة الحملة الصليبية الأولى التي بدأت طلائعها في الوصول إلى بلاد الشام، وقام الفاطميون بمراسلة الصليبين عارضين عليهم التعاون في قتال السلاجقة مقابل أن يكون القسم الشمالي من بلاد الشام للصليبيين وفلسطين للفاطميين..!! وهذا ما نعنيه بأن الصراع على القدس أو المساومة عليها يمثل في جانب من جوانبه، مدى تردى النظم المهيمنة في لحظة تاريخية ما، ولا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لملاحظة الشبه الكبير بين الأمس واليوم!!.

ولكن المعنى الأهم يبدأ مع الحملات الصليبية للسيطرة على القدس فقد تمكن الصليبيين من احتلال فلسطين ، وسيطروا على القدس 493هـ - 1099م بعد أن خاضوا في بحر من دماء المسلمين، وقتلوا منهم في القدس حوالي سبعين ألفا لكن الأمة المسلمة كانت لا تزال تملك الكثير من القوة والحيوية وكانت أرقى حضارياً وعلمياً من الصليبيين الأوروبيين، ورغم ما كانت تعانيه من تشرذم وصراع سياسي وحروب داخلية فقد ظهر أبطال مجاهدون أنهكوا الصليبيين طيلة فترة حكمهم، من أمثال أقسنقر البرسقي 508 ـ 520هـ ، وعماد الدين زنكي 521 ـ 540هـ الذي أسقط إمارة الرها الصليبية، وابنه نور الدين محمود 541 ـ 569هـ / 1146 ـ 1174م، الذي قدم نموذجاً فذاً للقيادة المسلمة، وتبنى مشروعاً نهضوياً حضارياً موازياً لمشروع التحرير الذي شغله طيلة حكمه، فتمكن من توحيد القوى الإسلامية بقيادته في بلاد الشام، ثم ضم مصر إلى حكمه، وأسقط الخلافة الفاطمية فيها على يد واليه هناك صلاح الدين الأيوبي، وتمكن من تحرير نحو خمسين مدينة وقلعة من الصليبيين، إلا أنه توفي رحمه الله بعد أن استكمل تثبيت فكي الكماشة (مصر والشام) على عنق الصليبيين.

رفع صلاح الدين الأيوبي راية الجهاد بعد نور الدين 569 ـ 589هـ / 1147 ـ 1193م، وأعاد توحيد الشام ومصر تحت قيادته، وخاض معركة حطين مع الصليبيين في 24 ربيع الآخر 583هـ - 4 يوليو 1187م وهي معركة فاصلة في التاريخ أدت إلى تحطيم الوجود الصليبي وفتح بيت المقدس في 27 رجب 583 ـ 2 أكتوبر 1187م أي بعد نحو 88 عاماً من الحكم الصليبي.

وقد تابع الصليبيون حملاتهم وتمكنوا من السيطرة على شريط ساحلي بين يافا وصور، كما سيطروا مرة أخرى على القدس (بسبب الصراعات الداخلية في الدولة الأيوبية). معظم الفترة بين 626 – 642هـ / 1229 – 1244م إلى أن عادت نهائياً إلى حظيرة الإسلام، واستمرت كذلك حتى الاحتلال البريطاني لفلسطين سنة 1917م.. حيث وقف قائدهم ليقول قالته الشهيرة «ها قد عدنا يا صلاح الدين» .

وقد خلف المماليك الدولة الأيوبية سنة 648هـ - 1250م ووجهوا الزحف المغولي على أرض فلسطين في معركة عين جالوت 25 رمضان 658هـ الموافق 6 سبتمبر 1260م بقيادة قطز (محمود بن ممدود) والتي تعد من المعارك الفاصلة في التاريخ. ثم تابع المماليك مشروع تحرير فلسطين وبلاد الشام من بقايا الصليبيين، فقام الظاهر بيبرس بجهد كبير في ذلك، حيث استرد العديد من المناطق في فلسطين والشام ثم تابعه سيف الدين قلاوون، الذي تم على يديه إنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام بإسقاطه مملكة عكا الصليبية، إذ حرر عكا في 17 جمادى الأول 690هـ الموافق 18 مايو 1291م، واستولى بعد ذلك بسرعة على صيدا وصور وحيفا.

وما حدث في التاريخ الحديث ومنذ سقوط الدولة العثمانية معروف للجميع.. هذا الاستعراض السريع للتاريخ، يؤكد أن القدس هي قمة مؤشر ميزان القوى بين أمتنا والغرب الصليبي بل وسائر الأمم، وما يحدث اليوم من حركة محمومة ومتعجلة لتغيير معالم القدس العربية الإسلامية على يد الصهاينة، ما هو إلا دليل على انفراط عقد الأمة،، كما يمثل تعثر هذا المخطط،، مدى الوجود الحي والمؤثر للمقاومة الشعبية لأبناء الأمة في فلسطين وغيرها من أمصار الأمة.

إن التجمع حول رؤية للعمل العربي والإسلامي الشعبي، لمواجهة تحركات الأعداء لتدمير المقدسات ومحو الهوية العربية والإسلامية للقدس، لهو السبيل الوحيد لتجاوز الضعف والتشرذم الرسمي الذي يفت في عضد الأمة، ولا يتأتى هذا إلا بالدعم غير المشروط وبكل الوسائل للمقاومة التي بلورتها القوى الحية لشعوبنا، في كل مكان تستعر فيه المواجهة على مساحة المعمورة.. وخاصة في فلسطين التي ظن الأعداء أنها الحلقة الأضعف في سلسلة المقاومة فأيدها الله بنصرة في غزة الصامدة.. ويأتي دعم الشعب الفلسطيني لمواجهة مخططات التهويد والهدم للتراث العربي والإسلامي.

لقد أصبح تشكيل لجنة شعبية تتجاوز عجز النظام الرسمي العربي والإسلامي، وتضم كافة الأشكال والمنظمات المجاهدة في أمتنا، ضرورة ملحة، لإنجاز مهمة التصدي للهجمة الصليبية الصهيونية وتجميع قوى المقاومة في مشروع واحد، وهذه المهمة تأتى على رأس المهام العاجلة التي يجب إنجازها اليوم.. اليوم.. وليس غدا.

المصدر: جريدة الشعب المصرية

تاريخ النشر:2010-03-09 12:57:33 الموافق:1431-03-23 12:57:33ـ | تمت قراءته: 2098 مرة

Copyrights © moslimonline.com

المصدر:  http://www.moslimonline.com/?page=artical&id=452